قراءة أدبية: ثنائية الانفتاح والانغلاق..!! ماجد القيسي
قراءة أدبية: ثنائية الانفتاح والانغلاق..!!
ماجد القيسي*
قصة قصيرة جدا " أساس " للكاتب المغربي حَسن لختام.
ظهرَ رجالُ " اللاهوت" ، استعسروا الأمور. حين أرادوا أن يفرضوا الركوع والسجود...استهزأتْ بالعَمامة، رسمتْ على شفتيها ابتسامةً غامضة، قائلةً: إن أولَ العبادات كانت سؤالاً!
تُعد قصة "أساس" للكاتب حسن لختام نموذجاً مكثفاً لـ "الومضة" السردية التي تحتفي بالانفجار الدلالي لا بالسرد الحكائي الممتد، حيث ينهض النص على بناء تقني صارم يزاوج بين الإيجاز الشديد والعمق التأويلي. يتصدر العنوان "أساس" النص بوصفه مفتاحاً بنيوياً وتأويلياً؛ فهو ليس مجرد عتبة نصية، بل هو السؤال الجوهري الذي يطرحه الكاتب حول ماهية "التأسيس" في علاقة الإنسان بالمعرفة والحرية. إن التكثيف اللغوي هنا بلغ ذروته عبر "بلاغة الحذف"، حيث أهمل الكاتب التفاصيل الثانوية لصالح اقتناص اللحظة المفصلية التي يتواجه فيها "كهنوت" يرسخ للاتباع، و"ذات" (مؤنثة) تتمرد بوعي معرفي، مما يجعل النص مختبراً كيميائياً لا يحتمل الكلمة الزائدة.
تكمن الديناميكية في النص في المفارقة الحادة بين تزمت "رجال الكهنوت" الذين يسعون إلى فرض "السجود والركوع" كفعل فيزيائي خاضع، وبين استهزاء المرأة التي تحول الجسد من أداة خضوع إلى أداة تساؤل. وتعمل القفلة في القصة بوصفها المحرك الصادم الذي يعيد تفسير البداية؛ فبينما كان القارئ يتوقع صراعاً سياسياً أو اجتماعياً مباشراً، تنقلنا الخاتمة "إن أول العبادات كانت سؤالاً" إلى مستوى فلسفي وجودي، لتنسف مفهوم العبادة القائم على الطاعة وتستبدله بـ "السؤال" الذي هو جوهر التفكير البشري الحر. هذه الخاتمة لم تنهِ النص، بل فتحت آفاقاً ذهنية جديدة تجعل من القارئ شريكاً في إعادة بناء الحكاية الخلفية للصراع، مستنطقاً "المسكوت عنه" في تلك الابتسامة الغامضة التي اختزلت رفض التنميط.
وعلى مستوى اللغة، استثمر الكاتب الإيقاع المتقطع وعلامات الترقيم لخلق توتر درامي يعزز ثنائية الانغلاق والانفتاح، فالنص لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يمارس "الإضمار" الذي يمنح الصورة المركزية (العمامة مقابل السؤال) رنيناً فلسفياً يتجاوز اللحظة التاريخية إلى البعد الإنساني العام. إن نجاح النص يكمن في قدرته على الحفاظ على "نواته السردية" المجهرية رغم فلسفيتها، حيث تتحول الشخصية هنا إلى رمز صراعي يمثل انتصار العقل على الانغلاق. وبعد إغلاق النص، يظل الرنين حاضراً؛ إذ يتحول "الأساس" من مجرد كلمة في العنوان إلى تساؤلٍ قلق عن طبيعة إيماننا وعباداتنا، مما يثبت أن هذه القصة القصيرة جداً قد نجحت في موازنة مقاديرها الفنية لتتحول من مجرد نص أدبي إلى تجربة فكرية باقية في ذهن القارئ.
* ناقد عراقي.
كلمات البحث
الاكثر شهرة
أسئلة مباحة في زمن صعب!!
أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين* هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!! عبدالكريم العفيدلي* تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية في...
كان صديقي!! مها شقرة
كان صديقي!! مها شقرة* كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!!
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!! طلال مرتضى* ثمة نهج فني خاص اتّبع...