ما لم يكتبه التقرير..!!
ما لم يكتبه التقرير..!!
عبد الكريم العفيدلي*
ما لم يكتبه التقرير
كانت رائحة القهوة الثقيلة تختلط بصوت الفناجين وهي تعود إلى الطاولات، وضجيج خافت لا يتوقف حتى في لحظات الصمت.
جلست صحفية شابة في الزاوية تفتح دفترها وتغلقه بين لحظة وأخرى، كأنها تبحث عن جملة افتتاحية لمادة عن المكان ورواده.
جاءت إلى المقهى بتكليف من منصة إعلامية لإعداد تقرير ثقافي، لكنها كانت تعرف في داخلها أن الأماكن لا تُكتب بسهولة كما تبدو في العناوين.
كانت تراقب الوجوه بعين مهنية، تفاصيل وحركات وشذرات تصلح لتقرير سريع.
لكن المقهى كان أذكى من أن يُختصر.
رجل قرب الزجاج لفت انتباهها.
لم يكن يفعل شيئاً لافتاً، فقط يجلس بهدوء زائد، كأنه قطعة قديمة من المكان لا زائر عابر. كان شعره الأشيب يسبق حضوره، كتعريف مكتوب قبل الاسم.
أغلقت دفترها واقتربت.
جلست أمامه وقالت:
هل تسمح لي بسؤال؟
رفع نظره إليها وقال بهدوء:
- اسألي، لكن انتبهي، بعض الأسئلة لا تعود كما خرجت.
ترددت قليلًا ثم أشارت إلى شعره.
هل جاء الشيب مبكراً أم أنك تأخرت عنه؟
ابتسم وقال:
-هو لم ينتظرني، وأنا لم أركض خلفه.
سكتت لحظة ثم قالت:
- جئت لأكتب عن هذا المقهى، لكنني أكتب عنك أكثر مما أكتب عنه.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
- الهافانا يعرف كيف يصغي، لذلك يعود الناس إليه.
فتحت دفترها، وتوقفت يدها قبل أن تكتب.
- من أنت؟
أجاب:
- صحفي سابق.
رفعت رأسها.
- سابق؟
هز رأسه وقال:
- كنا نكتب عن حياة الآخرين، ثم اكتشفنا أننا نسينا حياتنا ونحن نكتبها.
مرّ النادل بين الطاولات، وكان صوت ارتطام الفنجان بالصحن أعلى من المعتاد، كأنه شطر الصمت إلى نصفين.
سألت:
- وماذا عن الشيب؟
نظر إلى الفنجان، حرّك الملعقة مرة واحدة، ثم رفع عينيه إلى انعكاسه في الزجاج.
قال بعد صمت:
- هو ليس عمراً، هو أرشيف غير مكتمل. كل ما لم يُكتب في وقته عاد وظهر في الرأس بدل الورق.
هذه المرة لم تكتب شيئاً.
أغلقت دفترها ببطء، لكنها لم تضعه في حقيبتها.
قالت:
- جئت لأكتب عن المقهى، لكنني خرجت من الموضوع.
قال:
- هذا طبيعي، الصحفي الجيد لا يخرج من الموضوع، بل يدخل إلى نفسه دون أن ينتبه.
وقفت لتغادر ثم التفتت إليه.
- أظن أنني سأعيد صياغة المادة بالكامل.
هز رأسه وقال:
- لا تعيدي صياغتها كلها، اتركي شيئاً خارج النص. ليس كل ما يُرى يجب أن يُكتب.
غادرت.
ثم توقفت بعد خطوات، أعادت فتح دفترها .
كانت الصفحة ما تزال شبه بيضاء.
أغلقت الدفتر ومضت.
بقي وحده.
رفع بصره إلى الزجاج.
لمح خصلة بيضاء عند صدغه، لم يتذكر أنه رآها من قبل.
ابتسم ابتسامة قصيرة، كأن الزمن كان يصغي إلى الحوار من الطاولة المجاورة.
أدرك أن بعض القصص لا تُكتب في المقهى.
بل تُكتب على من جلس فيه.
حرّك الملعقة في قاع الفنجان حتى استقرت.
ولم يطلب الحساب.
* كاتب وشاعر سوري.
كلمات البحث
الاكثر شهرة
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني* حين تخرج من بيتك في سوريا اليوم...
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000) د. تمام كيلاني* الخلفية والصعود إلى الحكم...
أيها القلبٌ!!
أيها القلبٌ!! محاسن الجندي* لاغصن إلاّ وهو ملتفٌّ بغصن لاعشبة في الأرض ماعاشت ليوم وحدها.....
من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!! سعيد محتال
من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!! سعيد محتال* ...