متى يصبح الاختلاف حربا (فلسفة الانهيار)..!! د. لبنى مرتضى

متى يصبح الاختلاف حربا (فلسفة الانهيار)..!! د. لبنى مرتضى:

متى يصبح الاختلاف حربا

(فلسفة الانهيار)..!!

 

د. لبنى مرتضى*

 

 

ما الذي يحدث لمجتمع حين تنهار دولته؟ ليس سؤالاً عن السياسة، بل عن الوجود الجماعي للإنسان. حين تغيب الدولة، لا تغيب فقط مؤسساتها، بل يغيب الإطار الرمزي الذي يمنح الأفراد هوية جامعة. وهنا يبرز السؤال الأعمق: هل الهوية الوطنية فطرة أم بناء؟ وإذا كانت بناءً، فماذا يبقى حين ينهار البناء؟

في سوريا والعراق، نعيش اليوم مختبراً تاريخياً فريداً لهذا السؤال. فالمجتمعان اللذان قاما ــ بكل تنوعهما ــ على فكرة المواطنة الجامعة، يواجهان اليوم انفجاراً في الهويات الفرعية: الدينية، المذهبية، العرقية، القبلية. وكأن السؤال الذي يطرحه الواقع بقسوة هو: متى تصبح الهوية هويةً قاتلة؟ ومتى يتحول الانتماء الخاص من مصدر فخر وثراء ثقافي إلى سلاح يهدد الكيان العام؟

هنا نلمس مفارقة كبرى فإن الإنسان لا يستطيع العيش بلا هوية، لكنه حين يتمسك بهويته الفرعية في غياب هوية جامعة، فهو يُعمّق انعدام الأمان الذي يحاول الهروب منه. الهوية القاتلة هي التي تقدم نفسها كحصن أخير، بينما هي في الحقيقة سجن يمنع بناء أي مستقبل مشترك.

أما التعليم، فهو ليست مجرد أداة نقل معرفة، بل هو آلة إنتاج الإنسان الاجتماعي. حين تنهار المدارس ويُحرم الملايين من التعلم، فإن المجتمع لا يفقد سنوات دراسية فحسب، بل يفقد قدرته على إعادة إنتاج نفسه كجماعة. إنها ليست كارثة تعليمية؛ إنها كارثة أنثروبولوجية: مجتمع يفقد أدواته في خلق الإنسان القادر على حمل رايته. لذلك حذرت اليونسكو من "جيل ضائع"، لكن الفلسفية الأعمق هي أن هذا الجيل الضائع هو جيل شُطب من الوجود الاجتماعي.

أما ما يجري على مستوى الرأي العام وتحولات النفوذ، فهو يكشف عن مستوى ثالث من الأزمة: انكسار السرديات الكبرى. حين تفقد القوى العظمى مصداقيتها في عيون الشعوب، فإن العالم لا يصبح أكثر تحرراً، بل يصبح أكثر فوضى. الثقة بالسرديات العالمية تتراجع، وفي الفراغ تنبثق سرديات محلية، لكنها غالباً ما تكون أكثر تشظياً وأقل قدرة على تقديم معنى جامع.

 

في النهاية، تطرح علينا تجارب سوريا والعراق أسئلة وجودية لا تقتصر عليهما كيف نعيد بناء الجماعة بعد أن تفككت؟ وهل يمكن للوعي أن يسبق الواقع في إعادة التركيب، أم أن المجتمعات محكومة بمنطق الفوضى حتى تفرز نظاماً جديداً على أنقاضها؟

ربما يكون السؤال الأصعب هو: هل نحن نشهد موت فكرة الدولة الوطنية، أم ولادة جديدة لها على أنقاض هذه التجربة المريرة؟ التاريخ يعلمنا أن الأزمات الكبرى لا تتركنا حيث كنّا؛ إما أن نرتقي إلى وعي جديد، أو نغرق في هوياتنا المتشظية. الخيار، يبدو، بين مواطنة تدرك التنوع وتمزق لا حدود له.

فإن سوريا والعراق اليوم تشهد أزمة اجتماعية مركبة، تتشابك فيها تداعيات النزاعات المستمرة مع انهيار التماسك المجتمعي وتفكك النسيج الوطني، لتشكل نموذجاً حياً لانعكاس الاضطرابات السياسية على البنى الاجتماعية. هذه الأزمة تتجلى في ثلاث واجهات رئيسية: انهيار منظومة التعليم، وتفكك الهوية الوطنية لصالح الانتماءات الفرعية، وتغير موازين النفوذ الدولي في الرأي العام.

فإن كارثة التعليم إحدى أبرز تداعيات النزاع في سوريا والعراق، حيث حذر تقرير صادر عن اليونسكو عام 2026 من أن النزاع المتصاعد في المنطقة العربية عطّل تعليم أكثر من 100 مليون طفل في 15 دولة عربية، مما دفع النظم التعليمية الهشة نحو الانهيار. في سوريا، تفاقمت الأزمة بسبب تدفق العائدين من لبنان، مما أضاف ضغطاً هائلاً على نظام تعليمي منهك أصلاً؛ فأصبحت المدارس مكتظة أو تستخدم كملاجئ، مما ترك الطلاب مع وقت دراسي ضائع وخيارات محدودة لإعادة التسجيل.

أما في العراق، فقد اضطر نحو 7,500 مدرسة تخدم 2 مليون متعلم إلى الانتقال إلى التعلم الإلكتروني، مما يعكس حجم التحدي في توفير تعليم مستقر في ظل الظروف الأمنية المضطربة. وحذرت اليونسكو من أنه دون تدخل عاجل، قد تواجه المنطقة خسارة لا رجعة فيها في رأس المال البشري، وتكوين "جيل ضائع" من المتعلمين.

وإذا نظرنا بالعمق، فإن هذه الأزمات تشهد انهياراً في التماسك المجتمعي، حيث يتحول التنوع من ثروة ثقافية إلى أداة صراع. ففي سوريا، يتجلى نسيج اجتماعي معقد يضم العرب والأكراد والتركمان والسريان والآشوريين والشركس والأرمن، إضافة إلى طيف ديني واسع من المسلمين بأطيافهم (سنة وعلويين وشيعة ودروز وإسماعيليين) والمسيحيين بتنوعهم. وبالمثل، في العراق، يتشابك النسيج من عرب وأكراد وتركمان وكلدوآشوريين وسريان، مع مكونات دينية فريدة كالإيزيديين والمندائيين

 

لكن هذا التنوع تحول في سياق الصراع إلى مصدر للتوتر. فمع ضعف الدولة، تصاعدت الهويات الفرعية، وبرزت "الهويات القاتلة" التي تستخدم لتقويض الدولة بدلاً من تعزيز التماسك الاجتماعي. ويشير محللون إلى أن سوريا والعراق يواجهان اختباراً حقيقياً لبناء عقد اجتماعي يحترم خصوصية كل مكون، من الآشوري في نينوى والدرزي في السويداء، إلى الكردي في الحسكة والتركماني في كركوك

هذا الواقع يطرح تحدياً وجودياً كيف يمكن للفرد أن يحول فخره بجذوره الخاصة إلى رأس مال ثقافي يعزز التماسك الاجتماعي، بدلاً من عصبية مكوناتية تستغل لتمزيق النسيج الوطني؟ فغياب المواطنة المتساوية، وضعف الدولة، جعل الانتماءات الطائفية والمذهبية آلية حماية وهمية في مواجهة انهيار الأمان الاجتماعي، مما عمّق الانقسامات وعاق بناء دولة وطنية متماسكة.

وعلى صعيد آخر، كشفت النزاعات الأخيرة، خاصة حرب غزة وتداعياتها، عن تحول عميق في الرأي العام العربي، بما في ذلك في سوريا والعراق. أظهرت استطلاعات "الباروميتر العربي" التي أجريت بين أغسطس ونوفمبر 2025 في العراق وسوريا ودول عربية أخرى، تراجعاً حاداً في الثقة بالنظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة، وتحسناً نسبياً في النظرة إلى الصين وإيران وروسيا.

في العراق، بلغت نسبة من ينظرون إيجابياً إلى سياسات الرئيس الأمريكي ترامب 24% فقط، بينما في سوريا كانت النسبة 61%، وهو ما يفسر بسياقات سياسية خاصة، منها دعم ترامب للحكومة السورية الجديدة بعد سقوط النظام السابق. وفي المقابل، سجلت شعبية الصين مستويات مرتفعة، حيث تراوحت بين 37% في سوريا و69% في تونس، وتفوقت روسيا على الولايات المتحدة وحلفائها في استطلاعات الرأي في كل من العراق ومصر والأردن ولبنان.

هذا التحول لا يعني بالضرورة تأييداً كاملاً لسياسات بكين أو موسكو، لكنه يعكس تراجعاً كبيراً في مكانة واشنطن، التي بات ينظر إليها قطاعات واسعة على أنها طرف منحاز أخلاقياً ومقوّض للقانون الدولي. وحذّر التقرير من أن استمرار هذا التآكل في الشعبية قد ينعكس على علاقات الحكومات العربية مع الولايات المتحدة، التي رغم طابعها السلطوي تظل حساسة لضغوط الشارع، مما يجعل التعاون العلني مع واشنطن أكثر تكلفة سياسيا.ً

 

وهنا تُظهر تجربتا سوريا والعراق كيف تتفاعل الأزمات لتخلق حلقة مفرغة فالحروب تدمّر التعليم، وتُضعف الدولة، مما يفسح المجال لبروز الهويات الفرعية وانقسام المجتمعات. وهذا الانقسام بدوره يُغذّي الصراع ويُعمّق الأزمة. وتضاف إلى هذه المعادلة تحولات الرأي العام وإعادة تشكيل موازين النفوذ، مما يُعقّد المشهد ويجعل الخروج من الأزمة مرهوناً بجهود متكاملة تعيد بناء الدولة، وتستثمر في التعليم، وتُعزز المواطنة كجامع وطني، وتوازن في الوقت نفسه بين المصالح الداخلية وتحولات النظام الإقليمي.

 

 

* اعلامية سورية.

تعليقات


الاكثر شهرة
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!

  الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!   ملاك صالح صالح*   قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!!   د. تمام كيلاني*   حوار في الحرية... وشها...

حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد

حين تضحك سوريا..ينهض العالم!!   عمر سعيد*       ثمة شيء لن تجدهُ في تقارير مراكز الأبحاث، ولن...

بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر

"بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!!   روعة سنوبر*   في...

تابعونا


جارٍ التحميل...