من أبواق الأسد إلى أبطال الثورة: لا تعيدوا كتابة تاريخ سوريا..!! د. تمام كيلاني
من أبواق الأسد إلى أبطال الثورة: لا تعيدوا كتابة تاريخ سوريا..!!
د. تمام كيلاني*
في زمن الأسد والبعث، لا يجوز أن نضع السوريين جميعاً في سلة واحدة.
كان هناك من صمت خوفاً على لقمة عيشه، وعلى بيته وأولاده. كان يعرف أن كلمة واحدة قد تكلفه وظيفته، وأن موقفاً صغيراً قد يفتح على عائلته أبواباً من الخطر لا يستطيع تحملها.
هذا الإنسان لا يجوز أن نضعه في الخانة نفسها مع من كان يصفق للنظام ويبرر له.
الصمت تحت الخوف ليس بطولة، لكنه ليس كالتواطؤ.
هناك موظف سكت لأنه يريد أن يعود إلى أطفاله.
وهناك طبيب أو معلم أو مهندس تجنب السياسة كي لا يدفع ثمنها هو وعائلته.
وهناك إنسان عاش سنوات طويلة وهو يعرف أن النظام لا يحتاج إلى سبب كبير لمعاقبة من يعارضه.
هؤلاء قد نختلف مع صمتهم، وقد نتمنى لو امتلكوا شجاعة أكبر، لكن علينا أن نفهم ظروفهم الإنسانية.
أما الذين لم يكتفوا بالصمت، فهؤلاء قصة أخرى.
من الصمت إلى صناعة التبرير
كان هناك من حمل الميكروفون، وكتب المقال، وظهر على الشاشة، واستخدم منصته لتجميل صورة النظام، وتبرير القمع، والدفاع عن الأجهزة الأمنية، وتحويل الضحية إلى متهم، والمعتقل إلى «مجرم»، والقتل إلى «ضرورة أمنية»، والثورة إلى «مؤامرة».
هؤلاء لم يكونوا مجرد خائفين.
كانوا يشاركون في صناعة الرواية التي أراد النظام أن يفرضها على السوريين.
وهنا يجب أن يكون الفرق واضحاً:
من سكت خوفاً على عائلته ليس كمن تحدث ليبرر سجن الآخرين.
ومن حافظ على وظيفته ليس كمن جعل من وظيفته أداة للدعاية.
ومن حاول النجاة ليس كمن بنى مكانته على استمرار الخوف.
الخوف قد يفسر الصمت، لكنه لا يبرر الكذب على الضحايا.
وعندما تغير ميزان القوة… تغيرت المواقف
المفارقة أن بعض الذين وقفوا مع النظام حتى أيامه الأخيرة، أو ظلوا يدافعون عنه عندما كانت الثورة في أضعف مراحلها، بدأوا يغيرون خطابهم عندما شعروا أن النظام يتهاوى.
وبعضهم غادر سوريا إلى أوروبا.
والهروب من الخطر ليس عيباً.
بل إن الإنسان عندما يشعر أن حياته مهددة، فمن الطبيعي أن يبحث عن مكان آمن له ولعائلته.
لكن النجاة الشخصية لا تعني امتلاك حق إعادة كتابة الماضي.
ليس عيباً أن يراجع الإنسان موقفه.
بل إن مراجعة المواقف قد تكون شجاعة.
لكن المراجعة الحقيقية تبدأ بكلمة واحدة:
الاعتراف.
ماذا كنت تقول بالأمس؟
من كنت تدافع عنه؟
من كنت تتهم؟
ماذا كتبت عندما كانت المعتقلات تمتلئ؟
وماذا قلت عندما كان السوريون يبحثون عن أبنائهم؟
إذا كان الإنسان قد أخطأ، فليعترف.
أما أن ينتقل من التطبيل للنظام إلى تقديم نفسه باعتباره صوتاً للثورة، وكأن شيئاً لم يحدث، فهذه ليست مراجعة.
هذه إعادة تموضع.
أخطر من سقوط الطاغية: إعادة تدوير ثقافته
المشكلة اليوم ليست فقط في الأشخاص الذين يغيرون مواقفهم.
المشكلة أيضاً في بعض الإعلام الذي قد يتحول، من دون وعي أو بقصد، إلى آلة لإعادة تدوير الوجوه القديمة.
فالصحافة ليست مجرد كاميرا.
اختيار الضيف، وطريقة تقديمه، والأسئلة التي تطرح عليه، واللغة المستخدمة في وصفه، كلها تصنع صورة لدى الجمهور.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل نريد إعلاماً يكشف الحقيقة؟
أم إعلاماً يصنع الزعامات؟
هل نريد أن نسمع من الجميع؟
بالتأكيد.
لكن سماع الجميع لا يعني تقديم الجميع باعتبارهم قادة محتملين، أو أصحاب شرعية أخلاقية، أو ممثلين للمرحلة الجديدة، من دون سؤالهم عن ماضيهم ومواقفهم ومشاريعهم.
والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا فداء أكرم الحوراني؟
وهنا يبرز سؤال إعلامي لا ينبغي أن نخاف من طرحه:
ما الهدف من استضافة فداء أكرم الحوراني في هذا التوقيت؟
هل هي مقابلة صحفية لشخصية سورية لها حقها الكامل في التعبير عن رأيها؟
أم أن هناك، عن قصد أو من دونه، محاولة لإعادة تقديم اسم أكرم الحوراني إلى الواجهة من خلال ابنته؟
أكرم الحوراني ليس اسماً عادياً في التاريخ السياسي السوري؛ فهو شخصية بارزة في الحياة السياسية السورية، وارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بتاريخ حزب البعث والحركة السياسية التي سبقت وصول البعث إلى السلطة.
ولذلك فإن السؤال ليس عن حق ابنته في الظهور.
من حقها أن تتحدث، ومن حقها أن يكون لها رأي مستقل.
ولا يجوز تحميلها مسؤولية أفعال والدها لمجرد أنها ابنته.
لكن عندما تُطرح شخصية من عائلة سياسية تاريخية لتكون جزءاً من المشهد العام، فمن حق الجمهور، بل من واجب الصحافة، أن يسأل:
ما الذي تمثله هي اليوم؟
ما مشروعها؟
ما موقفها من تاريخ البعث؟
كيف تقرأ تجربة والدها؟
وما الذي تقدمه لسوريا الجديدة بعيداً عن اسم العائلة وماضيها السياسي؟
هذه ليست أسئلة انتقامية.
هذه هي أبسط قواعد الصحافة.
لا تجعلوا الكاميرا أداة لصناعة الزعماء
إذا كان الإعلام يريد استضافة هذه الشخصيات، فليستضفها.
لكن فليطرح عليها الأسئلة الصعبة.
لا نريد مقابلات تقوم على الصور الجميلة والأسئلة الناعمة ثم تنتهي بتقديم الشخصية للجمهور على أنها «قيادة محتملة» أو «وجه وطني» أو «صوت للمرحلة المقبلة».
الزعامات لا تُصنع من خلف الكاميرا.
الزعامات تُثبتها المواقف والكفاءة والنزاهة والمشروع وثقة الناس.
والسوري الذي دفع الثمن طوال سنوات الحرب والقمع ليس ملزماً بأن يقبل اليوم بمن يختاره الإعلام ليكون قائداً أو رمزاً.
لا نحاكم أبناء الآباء… ولا نمحو التاريخ
يجب أن نكون عادلين.
لا يجوز أن نحاكم إنساناً على جريمة لم يرتكبها.
ابن المسؤول ليس مسؤولاً عن والده.
وابنة السياسي ليست نسخة من أبيها.
ومن حق أي إنسان أن يختار لنفسه طريقاً مختلفاً عن عائلته.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين عدم توريث الذنب وبين توريث النفوذ والاسم والمكانة.
إذا كان الماضي لا يُستخدم لإدانة الإنسان، فلا ينبغي أيضاً أن يُستخدم لمنحه شرعية مجانية.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:
من كان أبوك؟
بل:
من أنت؟ ماذا فعلت؟ ماذا تؤمن به؟ ماذا قدمت؟ وما مشروعك لسوريا؟
سوريا الجديدة تحتاج إلى ذاكرة لا إلى ثأر
نحن لا نريد الانتقام من كل من عاش في زمن الأسد.
ولا نريد معاقبة كل من صمت خوفاً على أولاده.
ولا نريد أن تتحول الثورة إلى محكمة جماعية.
لكننا في الوقت نفسه لا نقبل أن تتحول المصالحة إلى نسيان قسري، وأن يصبح العفو ذريعة لمحو التاريخ.
هناك فرق بين أن نسامح وبين أن ننسى.
الذاكرة ليست حقداً.
الذاكرة هي أن نعرف من كان مع الضحية ومن كان مع الجلاد.
من صمت.
من قاوم.
من برر.
من حرّض.
ومن غيّر موقفه عندما تغيرت موازين القوة.
هذه ليست رغبة في الانتقام.
هذه محاولة لحماية الحقيقة.
الخاتمة
الثورة لا تنجح فقط عندما يسقط النظام.
الثورة تنجح عندما تتغير القواعد التي صنعت الاستبداد.
عندما يصبح الإعلام حراً من التطبيل.
وعندما يصبح المسؤول خاضعاً للمساءلة.
وعندما يصبح معيار القيادة هو الكفاءة والنزاهة والمشروع، لا اسم العائلة ولا حجم العلاقات ولا قدرة الشخص على الوصول إلى الكاميرا.
نحن لا نريد سوريا تنتقم من الماضي.
لكننا أيضاً لا نريد سوريا تنسى الماضي.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد سقوط الاستبداد ليس أن يعود الطاغية نفسه.
بل أن تعود عقلية الطاغية بوجوه جديدة، وأصوات جديدة، وكاميرات جديدة، وشعارات جديدة.
فمن حق من خاف أن يبدأ من جديد.
ومن حق من أخطأ أن يعتذر ويصحح موقفه.
ومن حق الجميع أن يعيشوا في سوريا الجديدة.
لكن ليس من حق أحد أن يطلب من السوريين أن ينسوا ما حدث، أو أن يقبلوا بإعادة تقديم الذين صنعوا أو برروا خطاب الاستبداد وكأنهم كانوا دائماً في الجانب الصحيح من التاريخ.
سوريا الجديدة لا تحتاج إلى تصفية الحساب مع كل الماضي، لكنها تحتاج بشدة إلى أن تعرف الحقيقة عن الماضي.
فالذاكرة ليست انتقاماً.
الذاكرة هي أول شروط العدالة.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
إقرأ أيضًا
حمص… مدينةٌ لم يعبرها التاريخ، بل عبر التاريخ فيها..!! د. تمام كيلاني
و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!
الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني
حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...