نجا من أربعة مشاهد!!

WhatsApp Image 2026-07-05 at 10.56.11 AM.jpeg

نجا من أربعة مشاهد!!


عبدالكريم العفيدلي*


روى لي الشاعر أسعد الروابة حكاية لم تتوقف عند لحظة عابرة من كواليس التصوير، بل حملت في داخلها حكاية مجتمع كامل. يقول إنه أثناء عمله مدققاً لغوياً مع المخرج الراحل حاتم علي في مسلسل «أبواب الغيم»، تغيّب أحد الممثلين وكان لديه أربعة مشاهد في العمل، فاقترح عليه حاتم علي أن يحل مكانه ويؤدي الدور مقابل مبلغ مادي مجزٍ يضاف إلى عقده الأساسي، لكن الروابة اعتذر.
لم يكن اعتذاره بسبب عجز عن أداء الدور، ولا خوفاً من الوقوف أمام الكاميرا، بل بسبب كاميرا أخرى كان يخشاها أكثر: كاميرا المجتمع. كان ابن بيئة محافظة ترى أن التمثيل لا ينسجم مع صورتها الاجتماعية، وأن ظهور الرجل ممثلاً قد يصبح حديثاً للناس. وعندما استغرب حاتم علي موقفه وقال له: «شو هالتخلف يا رجل... ألست شاعراً؟»، أجابه الروابة بأن الشعر في بيئته له منزلة مختلفة، فهو مرتبط بالفروسية والفرسان والشيوخ والأمراء، ويحمل إرثاً اجتماعياً لا يشبه صورة الممثل في ذلك الوقت. وأضاف أن العمل الذي يقومان عليه هو مسلسل من رؤية وأشعار الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بما يمثله الشعر في هذا السياق من قيمة ومكانة.
كانت المفارقة أن شاعراً خاف من أداء أربعة مشاهد في مسلسل، بينما لم يكن يعلم أن الأيام ستجعل المجتمع كله يدخل مسلسلاً طويلاً ، لا يحتاج إلى كاميرا ولا إلى مخرج ولا إلى نص مكتوب.
فالمجتمع الذي كان ينظر إلى الممثل بشيء من الحرج، لأنه يؤدي شخصية ليست شخصيته، أصبح اليوم يمارس التمثيل في تفاصيل حياته اليومية. لم يعد الأمر مرتبطاً بالمسرح أو الشاشة؛ فقد انتقل الدور إلى الشارع، وأصبح لكل موقف شخصية، ولكل مجلس خطاب، ولكل جمهور وجه مناسب.
الممثل الحقيقي ربما كان أكثر صدقاً من كثيرين، لأنه يعترف بأنه يؤدي دوراً . يدخل إلى الاستوديو وهو يعرف أن هناك شخصية اسمها ليس اسمه، وحياة ليست حياته، ثم يعود بعد انتهاء التصوير إلى ذاته. أما بعض الناس خارج الشاشة فقد أتقنوا الأدوار إلى درجة أنهم لم يعودوا يعرفون أين تنتهي الشخصية وأين يبدأ الإنسان.
صرنا نرى من يرتدي الحكمة عند الحديث، ثم يخلعها عند أول خلاف، ومن يرفع راية المبادئ ما دامت لا تعترض طريق مصلحته، ومن يتحدث عن التواضع وهو ينتظر من الآخرين أن يصفقوا له. لم تعد الأقنعة وسيلة لإخفاء الوجه، بل أصبحت أحياناً الطريقة الوحيدة لتقديمه.
ولعل أكثر ما يثير السخرية أن المجتمع الذي كان يرى في التمثيل عيباً، أصبح اليوم يكافئ أفضل من يجيده. لم يعد السؤال: من يقول الحقيقة؟ بل: من يستطيع تقديم النسخة التي يريد الآخرون تصديقها؟
حتى وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى مسرح مفتوح، الجميع يقدمون أجمل ما لديهم، ولا أحد يعرض المشهد الذي يفضح ضعفه أو خوفه أو تناقضه. أصبح الإنسان مخرجاً وممثلاً وجمهوراً في الوقت نفسه، يكتب المشهد، يؤديه، ثم يصفق لنفسه.
ومع ذلك يبقى الفرق كبيراً بين الممثل ومن يمارس التمثيل في حياته. فالممثل يعرف أن هناك لحظة ينتهي فيها التصوير، أما الآخر فقد يستمر في الدور حتى يصبح القناع جزءاً من ملامحه.
وربما لو عاد حاتم علي اليوم ليبحث عن ممثلين لمسلسل جديد، لما احتاج إلى اختبارات أداء طويلة ، كان يكفيه أن يخرج إلى الشارع ويطلب ممن يجيدون أداء الأدوار أن يتقدموا، وسيجد كثيرين. فالمشكلة لم تعد في ندرة الممثلين، بل في ندرة الذين ما زالوا قادرين على العودة إلى أنفسهم بعد انتهاء المشهد.
لقد نجا أسعد الروابة يومها من أربعة مشاهد أمام الكاميرا، لكن أحداً تقريباً لم ينجُ من المشهد الطويل الذي بدأ بعد أن أُطفئت الكاميرات.

تعليقات


الاكثر شهرة
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني

      شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟   د. تمام كيلاني*   حين تخرج من بيتك في سوريا اليوم...

تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)

  تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)   د. تمام كيلاني*   الخلفية والصعود إلى الحكم...

أيها القلبٌ!!

  أيها القلبٌ!! محاسن الجندي*   لاغصن إلاّ وهو ملتفٌّ بغصن لاعشبة في الأرض ماعاشت ليوم وحدها.....

من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!! سعيد محتال

من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!!   سعيد محتال*  ...

تابعونا


جارٍ التحميل...