نحن كأطباء… هل كل ما نقوم به لوجه الله..؟ د. تمام كيلاني
نحن كأطباء… هل كل ما نقوم به لوجه الله؟
د. تمام كيلاني*
بين رسالة الطب، وخدمة الإنسانية، والمنافسة التي قد تُخفي وراءها رغبةً في التقدير والثناء..!!
نحن كأطباء، نقف كل يوم أمام آلام الناس وأوجاعهم، ونحاول أن نخفف عنهم، وأن نعيد إليهم صحتهم وعافيتهم، وأن نمنحهم الأمل حين تضيق بهم السبل. وقد اخترنا هذه المهنة، أو اختارتنا، لنكون جزءًا من رحلة الإنسان في مواجهة المرض، ومساعدته على استعادة عافيته وكرامته.
وكثيرًا ما نُحدّث أنفسنا، وربما يُحدّث بعضنا بعضًا، بأننا نعمل لوجه الله، وأن غايتنا خدمة الإنسانية، وأن رسالتنا أسمى من أن تُختزل في المال أو الشهرة أو المكانة الاجتماعية.
ولكن، إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فهناك سؤال يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا:
هل كل ما نقوم به فعلًا لوجه الله؟
أم أن بعض أعمالنا، التي نُلبسها ثوب الرسالة الإنسانية، تختلط فيها النية الصادقة بالرغبة في المنافسة، والبحث عن التقدير، وإثبات الذات، وربما التفوق على الآخرين؟
إنه سؤال لا يُراد به التشكيك في إخلاص الأطباء، ولا التقليل من تضحياتهم، وإنما دعوة إلى مراجعة النفس، فليس أصعب على الإنسان من أن يكتشف أن بعض ما يظنه خالصًا لوجه الله قد خالطه شيء من حب الظهور أو انتظار المقابل المعنوي.
الطب رسالة… ولكن هل بقيت الرسالة وحدها؟
لا شك أن في مهنة الطب من التضحية والعطاء ما يستحق كل تقدير. فهناك طبيب يسهر إلى جوار مريضه، وآخر يقطع راحته ليُسعف محتاجًا، وثالث يبذل من علمه ووقته وجهده ما يتجاوز حدود الواجب الوظيفي.
وهناك أطباء يحملون همّ المريض الفقير، ويبحثون له عن العلاج، ويساعدونه في تجاوز محنته دون أن ينتظروا منه شكرًا أو ثناءً.
لكن، في المقابل، قد تتحول المهنة عند بعضنا، من حيث نشعر أو لا نشعر، إلى ساحة للمنافسة الشخصية؛ فنفرح بأن يُذكر اسمنا أكثر من غيرنا، ونغتبط بأن ينسب الناس النجاح إلينا دون سوانا، ونحزن إذا نال زميلنا تقديرًا لم ننله، أو حقق نجاحًا سبقنا إليه.
وقد لا تكون المشكلة في المنافسة ذاتها؛ فالمنافسة في العلم، وإتقان العمل، وتطوير المهارات، وتقديم الأفضل للمرضى، أمور محمودة ومطلوبة. إنما تبدأ المشكلة حين يصبح التفوق غاية مستقلة، وحين يتحول نجاح الزميل من مصدر إلهام إلى سبب للضيق، وحين يصبح المريض، من حيث لا نشعر، وسيلة لإثبات مكانتنا بدلًا من أن يكون محور اهتمامنا ورعايتنا.
وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل نفرح لأن مريضنا شُفي، أم لأن شفاءه سيُحسب لنا؟
وهل يسعدنا أن يجد المريض العلاج الأفضل، حتى لو كان ذلك على يد زميل آخر، أم أن في داخلنا رغبة خفية في أن يكون النجاح منسوبًا إلينا وحدنا؟
إن الفرق بين الحالتين قد يكون دقيقًا، لكنه في ميزان النية عظيم.
«إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا»
يضع القرآن الكريم أمامنا نموذجًا رفيعًا من نماذج العطاء الخالص، في قوله تعالى:
إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا
إنها ليست مجرد عبارة تُقال عند تقديم الطعام للمحتاج، بل هي مبدأ أخلاقي عميق، يمكن أن يمتد إلى كل صور الإحسان والعطاء.
فكما أن المتصدق لا ينبغي أن ينتظر من الفقير جزاءً، ولا أن يجعل شكره شرطًا لاستمرار عطائه، فإن الطبيب الذي يقصد بعمله وجه الله مدعوّ إلى أن يتأمل هذا المعنى في علاقته بمريضه، وبزملائه، وبالمجتمع الذي يخدمه.
هل نعالج المريض لأننا نريد له الشفاء، أم لأننا نريد أن يسمع الناس عن مهارتنا؟
هل نساعد الفقير لأننا نريد تخفيف معاناته، أم لأننا نريد أن يُقال عنا إننا أهل خير؟
هل نبذل وقتنا وجهدنا في خدمة الناس لأننا نؤمن بأن ذلك واجب إنساني وأخلاقي، أم لأننا ننتظر في المقابل امتنانًا دائمًا، أو ثناءً علنيًا، أو مكانةً تميزنا عن الآخرين؟
وهل يبقى العطاء في أعيننا جميلًا إذا لم يعرف به أحد، ولم تُنشر صورته، ولم يُذكر اسم صاحبه؟
هذه الأسئلة لا تعني أن كل من أحب التقدير فاقد للإخلاص، ولا أن كل من أعلن عمله يريد الرياء؛ فالنوايا لا يعلم حقيقتها إلا الله. لكنها تذكّرنا بأن النفس البشرية معقدة، وأن العمل الواحد قد تجتمع فيه دوافع متعددة، وأن الإخلاص يحتاج إلى مجاهدة ومراجعة مستمرتين.
والصدقات أيضًا… أليست بحاجة إلى مراجعة النية؟
الأمر لا يقتصر على مهنة الطب، بل يمتد إلى الصدقات وسائر أعمال الخير.
فقد يتصدق الإنسان بماله ابتغاء مرضاة الله، وهذا باب عظيم من أبواب البر. وقد يعلن صدقته بقصد تشجيع الآخرين على فعل الخير، وهذا قد يكون مقصدًا محمودًا. لكن قد يحدث أيضًا أن تتحول الصدقة إلى وسيلة لبناء الصورة الاجتماعية، أو كسب المكانة، أو إثبات التفوق الأخلاقي على الآخرين.
وقد نرى من يتسابقون في تقديم المساعدات، لا ليكون الفقير أكثر أمنًا وكرامة، بل ليكون اسم المتبرع أكثر حضورًا. وقد يصبح حجم التبرع، أو عدد المستفيدين، أو انتشار الصور والأخبار، مقياسًا للمكانة، وكأن قيمة العمل لا تكتمل إلا حين يراه الناس ويصفقون لصاحبه.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نحن سعداء لأن المحتاج قد وجد ما يسد حاجته، أم لأن الآخرين عرفوا أننا من ساعده؟
إن الفقير ليس وسيلةً لصناعة مجدنا الشخصي، والمريض ليس منصةً لإبراز قدراتنا، والعمل الخيري ليس سباقًا للحصول على الألقاب.
قيمة العطاء ليست فيما يضيفه إلى صورتنا أمام الناس فحسب، بل فيما يقدمه للإنسان الذي يحتاج إلينا، وفيما نقصده به بيننا وبين الله.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نحكم على نيات المتصدقين من خلال الصور أو الإعلانات وحدها؛ فقد يكون الإعلان وسيلة لجمع مزيد من التبرعات، وقد يكون إظهار العمل سببًا في اقتداء الآخرين بصاحبه. العبرة ليست بمجرد ظهور العمل أو خفائه، بل بالنية والمقصد، وهما مما لا يملك البشر الجزم به.
هل نطلب الأجر أم نطلب الشكر؟
قد يقول قائل: نحن بشر، ومن الطبيعي أن نحب التقدير، وأن نفرح بكلمة شكر، وأن نشعر بالسعادة حين يعترف الآخرون بجهودنا.
وهذا صحيح؛ فليس مطلوبًا من الإنسان أن يتجرد من مشاعره البشرية، ولا أن ينكر٤ حاجته إلى التقدير المعنوي. والطبيب الذي يتقاضى أجرًا عادلًا مقابل عمله لا يناقض ذلك إخلاصه، كما أن الطبيب الذي ينتظر التقدير المهني المستحق لا يكون بالضرورة طالبًا للثناء المذموم.
لكن ثمة فرقً بين أن نفرح بالشكر، وبين أن يصبح الشكر حقًا نشترطه في قلوبنا على كل من أحسنا إليه.
وهناك فرق بين أن نعتز بإنجازنا، وبين أن نقلل من إنجازات الآخرين.
وهناك فرق بين أن نطلب الاعتراف بجهدنا المشروع، وبين أن نفقد قيمة العمل إذا لم يُنسب إلينا.
فالإخلاص لا يعني إلغاء الذات، وإنما يعني ألّا تصبح الذات هي الغاية الوحيدة من العمل.
قد يُنكر المريض جميل طبيبه، وقد ينسى المجتمع تضحيات بعض العاملين فيه، وقد يُنسب النجاح إلى غير صاحبه، وقد لا ينال الإنسان من التقدير ما يستحقه. وفي مثل هذه المواقف تظهر حقيقة الدافع الذي يحركنا: هل نستمر في أداء واجبنا لأننا نؤمن به، أم نفقد حماستنا حين لا نجد من يصفق لنا؟
وهذا لا يعني أن نقبل الظلم المهني أو أن نتنازل عن حقوقنا، بل يعني أن نميز بين المطالبة بالحق، وهي مشروعة، وبين تعليق قيمة كل ما نقدمه على رضا الناس وثنائهم.
المنافسة ليست عيبًا… ولكن إلى أين تقودنا؟
ليس المطلوب أن نتخلى عن الطموح، أو أن نكف عن تطوير أنفسنا، أو أن نتوقف عن السعي إلى التميز.
إن الطبيب المخلص لا يرى في نجاح زميله انتقاصًا من قيمته، بل يرى في نجاحهما معًا مكسبًا للمريض والمجتمع.
ربما لا نستطيع أن نصل إلى إخلاص كامل في كل عمل، لكننا نستطيع أن نراجع أنفسنا بصدق، وأن ننتبه إلى الدوافع التي قد تختلط بنوايانا.
يمكن لكل واحد منا أن يسأل نفسه:
هل أؤدي واجبي بالجدية نفسها حين لا يراني أحد؟
هل أقدم المساعدة للمحتاج الذي لن يستطيع رد الجميل أو منحي أي منفعة؟
هل أستمر في فعل الخير إذا لم يشكرني أحد، ولم يعرف أحد بما فعلت؟
ليست هذه الأسئلة أحكامًا نصدرها على أنفسنا أو على غيرنا، بل مفاتيح للمحاسبة والتصحيح.
وقد يكون من المفيد أن نحتفظ ببعض أعمال الخير بعيدًا عن أعين الناس، لا لأن العمل المعلن مذموم دائمًا، بل لنتعلم كيف نعطي دون انتظار تصفيق، وكيف نعمل دون أن تكون الشهرة جزءًا من المكافأة التي نبحث عنها.
فكما يحتاج الجسد إلى الفحص الدوري، تحتاج النية أيضًا إلى مراجعة دورية.
كلمة أخيرة: لمن نعمل حقًا؟
أيها الزملاء الأطباء، وأيها العاملون في ميادين الخير والعطاء، لسنا ملائكة، ولسنا معصومين من حب الثناء أو الرغبة في التميز. وقد تجتمع في العمل الواحد نية صالحة، ورغبة في النجاح، وحاجة إلى التقدير، وربما شيء من حب الظهور.
وليس الحل أن نتهم أنفسنا دائمًا، ولا أن نتهم الآخرين، بل أن نتحلى بالشجاعة الكافية لننظر إلى دواخلنا، وأن نصحح ما نستطيع تصحيحه، وأن نجعل التنافس وسيلةً لإتقان العمل لا غايةً تستنزف أرواحنا وعلاقاتنا.
فالطب ليس مجرد مهنة نتقاضى مقابلها أجرًا، وليس أيضًا مسرحًا نستعرض عليه إنجازاتنا. إنه مسؤولية تجاه الإنسان، وأمانة في العلم والعمل، ورسالة يمكن أن تكون بابًا عظيمًا للأجر حين تصح النية ويستقيم الأداء.
ولعل أجمل ما يمكن أن نصل إليه ليس أن نقول عن أنفسنا إننا مخلصون، بل أن نبقى دائمًا في حالة سؤال ومراجعة، وأن نسأل الله أن يطهّر نياتنا من الرياء، وأعمالنا من المنّ، وقلوبنا من الحسد، ومنافساتنا من الأنانية.
فليس السؤال الحقيقي: كم مريضًا عالجنا؟ وكم محتاجًا ساعدنا؟ وكم مرة صفق لنا الناس؟
بل السؤال الأعمق هو:
كم إنسانًا خففنا ألمه بصدق؟ وكم محتاجًا حفظنا كرامته؟ وكم مرة قدمنا الخير حين لم يكن هناك أحد يرانا أو يشكرنا؟
وهل نستطيع، حين نختلي بأنفسنا، أن نقول بصدق إننا حاولنا أن نجعل أعمالنا أقرب إلى معنى قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾؟
إنها دعوة لا إلى ادعاء الإخلاص، بل إلى السعي إليه؛ ولا إلى ترك المنافسة، بل إلى تهذيبها؛ ولا إلى إنكار حاجتنا إلى التقدير، بل إلى ألا نسمح له بأن يصبح الغاية التي من أجلها نعمل.
فلنراجع نياتنا قبل أن نُحصي إنجازاتنا، ولنزن أثرنا في حياة الناس قبل أن نزن مكانتنا في أعينهم، ولنتذكر دائمًا أن أعظم أعمال الخير قد تكون تلك التي لا يعرف بها أحد، ولكن الله يعلمها.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
الاكثر شهرة
أيها القلبٌ!!
أيها القلبٌ!! محاسن الجندي* لاغصن إلاّ وهو ملتفٌّ بغصن لاعشبة في الأرض ماعاشت ليوم وحدها.....
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني* حين تخرج من بيتك في سوريا اليوم...
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء..
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء.. _نحن نعمل بالممكنات.. _العالم منفتح تجاه سورية.. _ا...