واقعية الحكاية والسرد في روايتي عائشة قسوم

Untitled-974.png

 

واقعية الحكاية والسرد في روايتي عائشة قسوم

 

عمر محمد جمعة*

بعد روايتها الأولى "إيقاعات متمردة" (دار بعل- 2020) التي استدعت فيها شخصيات نسائية تعرّضت للظلم والقهر أثناء الحرب، تستكملُ الأديبة عائشة قسوم اليوم مدوّنتها السردية التي تقارب في الأغلب الأعمّ من خطابها وموضوعها عوالم المرأة المكشوفة أو المستترة، سواء تلك التي واجهت ظروفاً اجتماعية صعبة حاصرت أحلامها وحدّت من جموحها، أو هذه التي تحدّت الحرب ووقائعها وأحداثها العاصفة،  وتغلّبت عليها في سبيل تحقيق ذاتها والحفاظ على شخصيتها، وذلك في روايتيها "ذاكرة بيضاء" و"حنين القصب" اللتين صدرتا عن دار توتول بدمشق.

ولئن شكّل الحب رافعة جمالية في النتاج الروائي ضمن حكايات متباينة في تأثيرها القريب أو البعيد، فإنه سيتحوّل لدى الأديبة عائشة قسوم إلى متن سردي مركزي، تدور حوله باقي الحكايات بمساراتها ومآلاتها ونهاياتها التي تفاجئ القارئ أو المتلقي، ففي "ذاكرة بيضاء" تجمع قصة حب الشابة شروق الطالبة في كلية التربية وزميلها خالد عازف الغيتار الذي يدرس الهندسة الزراعية، ويواجهان معاً لعنة رفض أهله لهذه العلاقة التي كانت ستنتهي بالزواج لولا تواطؤ أبناء عمومته في خطف الحبيبة شروق لدفعه إلى الزواج من ابنه عمه فوزية قسراً، لتسير الأحداث وفق منحى تصاعدي في صراع العاشقين مع منظومة العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية التي باتت أكثر ضيقاً مع اندلاع الحرب في سورية، فشروق التي تتوق لأن تفقد ذاكرتها وترهقها الكآبة والسجائر والذكريات والأحلام تنتهي بالزواج من الضابط الخلوق وسيم الذي يستشهد في إحدى المعارك لتلحقه شروق وتموت قهراً بعد أن أودعت ابنهما علاء كلّ أمنياتها وأحلامها المشتهاة، فيما يختفي خالد ويظهر مرة أخرى حينما تخطف مجموعة مسلحة شروق زوجة الضابط ويكون خالد هو قائد هذه المجموعة، ليصحو ضميره فجأة بصدمة عشق الماضي ويساعد في الإفراج عن حبه الأول شروق.

أما في "حنين القصب" فتسير الكاتبة وفق النهج ذاته وثيمة الحب نفسها، وذلك في حكاية العشق التي تجمع ابني القرية الواحدة، روز الغنية الميسورة وسعد "المعتر" الفقير، وتنتهي بعد إكمال دراستهما العليا ونيل روز الدكتوراة في الكيمياء بالزواج وسفرهما رغماً عن إرادة الأهل إلى إحدى الدول التي تستثمر خبرات واكتشافات الباحثة الحالمة الطموحة وتسخّرها للإنجازات العلمية التي تخدم تلك الدولة، وحين تخطط للعودة إلى بلادها يجري خطفها لإجبارها على البقاء وعدم الكشف عن المنجزات العلمية التي قدّمتها.

لقد اتفق كثيرٌ من النقاد ومؤرّخي الأدب وتواضعوا على أن السرد هو التتابع والتسلسل الذي يظهر عند الراوي أو السارد، من خلال تحويل مجموعة من الأحداث، والأزمنة، والأماكن، إلى مدونة منتظمة تُعبّر بشكل واضح وصريح عن واقع يمكن معايشته وتخيله، له عدة أشكال تختلف باختلاف الزمن، وله أهمية كبيرة في إثارة التشويق لدى المتلقي وتحقيق الهدف في إيصال الفكرة من الكتابة، وهو الأساس في ظهور الحكاية في الأدب.

وعلى هذا وفي قراءة عجلى يمكن القول: إن واقعية الحكايات التي لجأت إليها الكاتبة عائشة قسوم في كلتا الروايتين، فرضت واقعية سردية موازية في الرواية الأولى، وواقعية ممزوجة بشعرية سردية في الثانية وقد تحرّرت فيها قليلاً من وطأة السرد الواقعي، وذلك كله في لغة مشدودة وأحداث متواشجة متصاعدة وشخصيات برعت كثيراً في رسم معالمها الخارجية ورصد تحولاتها النفسية والعاطفية، ولاسيما في مواجهتها منظومة العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية المتحولة، إن كان نتيجة الحرب أو الأعراف التي تحكمنا وينبغي علينا أن نتحداها.

تقول شروق في رواية "ذاكرة بيضاء": "الذاكرة بيضاء، لا تحمل سوى الحبّ والفرح، إنني الآن هنا في أوج جمالي وعافيتي، وأنا من سجنتُ نفسي في هذا القفص اللعين بعد كل ما مرّ معي من خيبة وانكسار، عندما أنظر إلى مرآتي أرى جمالي، فأعلم أنني ما زلت على قيد الحياة، أضحك من أعماقي، فأنا أستحقّ الحياة بكل معانيها، صوت فيروز يحرك مشاعري، وفنجان قهوتي يأخذني إلى عالم آخر من دون وصاية أو رقيب".

ويبدو أن هذا الأسلوب التقليدي والنمط الكلاسيكي الذي اتبعته الكاتبة في بناء الرواية فنياً سيغدو مفهوماً ومبرراً، ولاسيما أنها ما زالت، رغم صدور ثلاث روايات لها، في طور التجريب والبحث عن هوية تنأى فيها وتختلف عن السائد والمألوف في الرواية السورية، ونزعم أنها نجحت في ذلك إلى حدّ بعيد.

يُذكر أن الأديبة عائشة إبراهيم قسوم ابنة مدينة حمص، درست الموسيقا، وعملت لسنوات مدرّسة لها، ونفّذت أنشطة موسيقية، وشاركت في عدة ندوات أدبية وعملت مع "اليونيسيف" في ورشات دعم النساء والأطفال ضحايا الحرب، وهي تكتب إلى جانب الرواية الشعر والقصة القصيرة الساخرة.

 

*كاتب وناقد فلسطيني سوري/ دمشق.

 

 

 

تعليقات


الاكثر شهرة
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني

      شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟   د. تمام كيلاني*   حين تخرج من بيتك في سوريا اليوم...

تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)

  تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)   د. تمام كيلاني*   الخلفية والصعود إلى الحكم...

أيها القلبٌ!!

  أيها القلبٌ!! محاسن الجندي*   لاغصن إلاّ وهو ملتفٌّ بغصن لاعشبة في الأرض ماعاشت ليوم وحدها.....

من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!! سعيد محتال

من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!!   سعيد محتال*  ...

تابعونا


جارٍ التحميل...