الشك القاتل
الشك.. القاتل الصامت
ق.ق:لطيفة محمد حسيب القاضي
الساعة حوالي الثانية عشر، والجو صحو، والشمس مشرقة في السماء تنثر أشعتها الدافئة على الأرض مع نسيم خفيف يرفرف على الوجوه. أثناء الرواح من المدرسة إلى البيت أرى ماجد ابن الجيران الذي ارتبطت به عاطفيا منذ كنا صغار نلعب سويا في الشارع، يخاف ماجد عليَّ كثيرًا.
ينطلق إلى الشارع منتشي فرحًا يشتري لي نهاية كل شهر هدية أحبها مثل الشوكولاتة، دفتر جميل دمية قطنية ملونة، قنينة عطر، وغيرها تلك الهدايا التي احتفظ بها حتى الآن.
هي فكرة تسللت لي كما يتسلل الشيطان لداخلنا ليغوينا، كسرطان خبيث يتكاثر بداخلي يبتلع كل أمان ليحل محله الخوف، والتوتر، فأصبحت حياتي كغيمة سوداء تعكر صفو حياتي وينخر في روحي. حرمتني أن أرى متعة الحياة.
أنا سعاد متوسطة الجمال، هادئة، ترتيبي الثانية بي ثلاثة بنات. والدي يعمل طبيب أسنان ووالدتي تعمل في مجال الصحافة والإعلام، تذيع برنامج يومي فيه حوارات مع نخبة من المثقفين والأدباء، وعلى الرغم من انشغالها إلا أنها لم تقصر يوما في والدي وفينا. تقسم وقتها بين العمل والبيت، وبالمناسبة أمي بالرغم من أنها إعلامية معروفة ألا أنها تتسم بالخجل الشديد تخجل من البوح بمشاعرها نحونا، بالتالي فهي لا تقبلنا أو تضمنا إليها للأسف الشديد هذا الذي ورثته من أمي.
خلال ذلك كان اتفاق العائلتين أن سعاد لماجد وماجد لسعاد.
أنهى ماجد الثانوية العامة بتفوق. حصل على منحة دراسية في لندن لاستكمال دراسته في الترجمة. بالفعل سافر ماجد للندن وانا بطبيعة الحال استكملت دراستي الجامعية حتى انهيتها.
عاد ماجد من لندن، انتابتني فرحة الحياة لأنني اشتقت إليه كثيراً.
درس أربعة سنوات فوجد وظيفة هنا دون عناء بعدما درس اللغة الانجليزية فأتقنها. لذلك من البساطة والسهولة أن يجد وظيفة.
تمت خطبتنا رسميا ولكن ثمة تردد رهيب يحاصرني من ناحية الموافقة على استكمال الزواج شك يهلكني يحرمني النوم يغرقني في بحر من التفكير العميق في ماجد. ثمة أسئلة تجري في رأسي مثل سباق خيل أيهما يسبق الآخر. فأقول لنفسي: ماجد الشاب الوسيم الذكي هل من الممكن شاب بهذه المواصفات لم تلفته فتاة في لندن؟ هل يعقل بأنه لم يقم علاقات نسائية هناك، نتيجة لتلك المعطيات كنت مترددة في استكمال الزواج منه.
تزوجنا ومن أول يوم في زواجنا والشك يحوم عليَّ من كل الجوانب، اقوم بتفتيش هاتفه كلما سنحت لي الظروف عندما أجده نائم أفتش في جيوبه على أجد الدليل على خيانتي. نجبت منال ووسام، ومر على زواجنا عشرة سنين ولم انتهي من سلسلة البحث والتدقيق والبحث في الناشئ حتى اثبت خيانته لي. منذ الايام الأولى لزواجي وانا اترصد له لكي أمسك عليه دليل خيانة.. اراقب نظراته لصديقاتي وقريباتي.
الخيانة من وجهة نظري ليس أن يقيم الرجل مع المرأة علاقة جسدية، ولكن لها معانٍ مختلفة في تفكيري ، بل التفكير في أمرأه أخرى خيانة، النظرة خيانة، الكلمة خيانة حتى التفكير في ملامح امرأة أخرى خيانة أي تصرف يخص أمرأه سواي خيانة.
الشك أصبح يراوضني في كل تصرفاته، كاد يلتهمني مثل الحوت الذي يلتهم الضحية. أدخلته حياتي بمحض إرادتي وأصبحت ألعوبة بين يديه.
ماجد الإنسان الجميل الذي يخاف على مشاعري، يحبني، ومتعلق كثيرًا بأولاده، يسعى من أجل راحتي. يقدم لي كل ما هو جميل منذ اليوم الذي تزوجنا فيه، حريص على أن تكون حياتي هادئة ومريحة قدر الإمكان. في البداية من زواجنا، أنفق وقتا طويلا في البحث عن منزل مثالي فسعى للعثور على منزل مريح وآمن ومناسب لاحتياجاتي. من مساحة وعدد الغرف والتهوية، والإضاءة والمناظر الخلابة التي تطل من النوافذ. يساعدني في أعمال المنزل باستمرار ويحاول إيجاد طرق للتخفيف عني والتقليل من مسؤولياتي. ويحرص على قضاء الوقت معي ومع الأولاد بحب وإدخال البهجة إلى حياتنا اليومية.
لكن الشك يدمرني كل يوم، أشك في كل شيء فيه، مشاعره حنانه، اهتمامه حالة من الا استقرار النفسي والفكري. لدي خوف وجودي يتمثل على شكل وسواس الشك.
لطالما تصورته إنسانًا لعوبًا وزير نساء.
ماجد كان أذكى من أن يضيع حياتنا الزوجية بعلاقة عابرة أو حتى بنظرة آثمة.
لا أدري هل هذا ما أشعر به. هل قلة ثقة بنفسي أو جمالي، أو جسدي أو أخلاقي سؤال يتردد على دائما.
بعد هذه السنوات الطويلة قررت أن أذهب إلى شركة الاتصالات وابحث عن رقمه والرسائل التي تصل إليه وأخذت بطاقته، وبطاقتي وذهبت للشركة طالبة فاتورة تفصيلية لهاتف ماجد، أخذت الأرقام وذهبت إلى مركز الاتصالات واتصلت بكل رقم تلو الآخر لاكتشاف دليل خيانته..
كل الأرقام كانت لزملائه في العمل وأخوته ورقمي أنا..
(إن بعض الظن أثمن)..
الوهم كان المحرض الرئيسي لي. وحتى الآن لم أثبت على ماجد بالدليل القاطع أني لم ألمه وإن شكي ليس باطلا. ربما احتاج لسنوات كثيرة حتى أجد الدليل الذي أبحث عنه..
أثناء ذلك يجب على ألا أدع الشك يطفو للسطح حتى لا اخسر عائلتي.