في تشريح العتمة البشرية: حين يخلع الإنسان ظِلَّه
د. تمام كيلاني
في تشريح العتمة البشرية: حين يخلع الإنسان ظِلَّه
د. تمام كيلاني*
مؤخرًا عادت إلى الواجهة ما عُرف بـ قائمة إبستين، تلك الوثائق التي كشفت جانبًا مظلمًا من عالم النخب حين تجتمع الثروة الهائلة مع النفوذ والسرية وغياب المساءلة. لم تكن القضية مجرد فضيحة أخلاقية، بل مرآة لوجه قديم في النفس البشرية:
ماذا يحدث للإنسان حين يوقن أنه فوق القانون؟
هذا السؤال لا يخص جزيرة بعيدة ولا عالمًا مغلقًا على الأثرياء وحدهم، بل يطرق أبواب التاريخ في أماكن كثيرة في العالم من ايام رواية سدوم المائة والعشرون (The 120 Days of Sodom).. وكاتبها هو الأرستقراطي الفرنسي سيء السمعة (الماركيز دي ساد)، الرجل الذي اشتق علماء النفس من اسمه مصطلح "السادية
ومن مدينة حماة السورية إلى سجون تدمر وصيدنايا، ومن مقابر البوسنة الجماعية إلى كل بقعة تحولت فيها السلطة إلى رخصة مفتوحة للقتل.
قضية إبستين ليست استثناءً، بل نموذج. نموذج لإنسان امتلك المال والنفوذ والقدرة على الإفلات من العقاب، فبدأ يرى الآخرين لا كبشر، بل كأدوات لإشباع نزواته. وحين ننظر إلى ما جرى في مجزرة حماة عام 1982، ندرك أننا أمام الظاهرة ذاتها ولكن بثوب سياسي وعسكري.
في حماة لم يكن القتل مجرد وسيلة لإخماد ثورة ، بل تحوّل إلى ممارسة روتينية. ومع التكرار، تفقد الجريمة دهشتها، وتتحول من فعل شاذ إلى إجراء. أخطر ما في الأمر ليس عدد الضحايا فحسب، بل التحول النفسي لدى الجناة، حين يصبح القتل وظيفة، والتعذيب مهارة، وسحق البشر جزءًا من العمل اليومي.
على مدى عقود، حُكمت سوريا بمعادلة واضحة: القوة فوق القانون، والأمن فوق الإنسان، والولاء فوق العدالة. ومع الزمن، تشكّلت دولة تشبه مزرعة مغلقة، تُدار بالخوف وتُسقى بالدم.
سجون مثل تدمر وصيدنايا لم تكن مجرد أماكن احتجاز، بل مصانع منظمة لإنتاج الألم. داخل تلك الجدران، جرى تدمير الإنسان جسدًا وروحًا، حتى صار الصراخ خلف الأبواب صوتًا عاديًا، لا يستدعي دهشة ولا يحرك ضميرًا.
ثم جاءت الثورة السورية، فانكشفت الطبقات الأعمق لهذا النظام. مقابر جماعية، ومكابس بشريه ومدن مدمرة، ملايين المهجرين. لم يكن ذلك انحرافًا طارئًا، بل امتدادًا طبيعيًا لمسار طويل من نزع الإنسانية.
والصورة ذاتها تكررت في أماكن أخرى من العالم. في حرب البوسنة والهرسك، وتحديدًا في مجزرة سربرنيتسا، ظهرت شهادات عن حضور أشخاص أثرياء من دول أوروبية، بعضهم من إيطاليا، لم يأتوا بدافع عقائدي أو سياسي فحسب بل بدافع أخطر: تجربة القتل بوصفه متعة.
حين يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها الدم بلا ثمن، يصبح العنف نشاطًا، وتتحول الإبادة إلى مشهد، ويغدو الألم مادة للتسلية.
القاسم المشترك بين جزيرة إبستين، وحماة، وسجون سوريا، وسربرنيتسا، ليس المكان ولا اللغة ولا العرق ،بل حالة نفسية واحدة: إنسان يمتلك سلطة بلا رقيب.
عندما تُرفع المساءلة، ويغيب الشعور بالمحاسبة، تتعطل في الدماغ الدوائر المسؤولة عن التعاطف، ويبدأ الآخرون بالتحول إلى أشياء. ومتى صار الإنسان شيئًا، سقطت كل الخطوط الحمراء.
الشر في جوهره ليس دائمًا صفة فطرية، بل ثمرة بيئة تسمح له بالنمو. ينمو حين لا يوجد قانون فعّال، ولا وازع داخلي، ولا خوف من الله.
الفراغ الروحي يتحول إلى حفرة سوداء، يحاول صاحبها ملأها بالسلطة والجنس والعنف والسيطرة، لكن الحفرة لا تمتلئ.
القرآن لخص هذه المأساة كلها في جملة واحدة:
{كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَآهُ اسْتَغْنَىٰ}
حين يرى الإنسان نفسه مستغنيًا عن الله،
مستغنيًا عن القانون،
مستغنيًا عن الناس…
يطغى.
والطغيان ليس فقط ظلم الآخرين،
بل تدمير النفس أولًا.
الحدود التي وضعها الله ليست قيودًا،
بل أسوار حماية.
ومن يخلع هذه الأسوار،
لا يصبح حرًا…
بل يصبح فريسة لعتمةٍ تمشي على قدمين.