جبر الخواطر
د. تمام كيلاني
جبر الخواطر
د. تمام كيلاني
ليست العبادة في المفهوم الإسلامي مقصورة على الشعائر الظاهرة، ولا محصورة في الأفعال التعبدية المجردة، بل هي منظومة متكاملة من القيم والسلوكيات التي تعبّر عن حضور الإنسان مع الله في تعامله مع ذاته ومع الآخرين. فالعبادة في جوهرها وعيٌ أخلاقي، ومسؤولية إنسانية، وسلوك يومي يعكس الإيمان في الواقع العملي. ومن أسمى هذه القيم وأجلّها: عبادة جبر الخواطر، تلك العبادة الإنسانية العميقة التي تستهدف القلوب قبل الأجساد، وتلامس الأرواح قبل المظاهر.
وجبر الخاطر عبادة خفيّة، لا تقوم على الاستعراض ولا تنتظر الثناء، بل تنبع من إحساسٍ صادق بمعاناة الآخر، واستجابةٍ واعية لضعفه الإنساني. وهي سلوك أخلاقي راقٍ يقوم على احتواء الألم، وتخفيف الحزن، وردّ الاعتبار النفسي لمن أنهكته الظروف أو أقعده الوجع. وقد تتجلّى هذه العبادة في كلمة طيبة، أو موقفٍ داعم، أو صمتٍ مُواسٍ، أو فعلٍ عملي يُعيد للإنسان ثقته بنفسه وبالحياة.
وقد قدّم التراث الديني والأخلاقي نماذج متعددة لجبر الخواطر، تؤكد أن العناية بالحالة النفسية للإنسان جزء لا يتجزأ من منظومة القيم الإيمانية، وأن الطمأنينة القلبية مقدَّمة في كثير من الأحيان على مجرد إنجاز الفعل الظاهري. فجبر الخاطر ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة إنسانية، وركنًا أصيلًا في بناء المجتمعات المتماسكة.
ومن الأقوال الشائعة على ألسنة الحكماء:
“من مشى بين الناس جابرًا للخواطر أدركه الله في جوف المخاطر”
وهو قولٌ مشهور في المعنى، وإن لم يثبت نصًّا حديثيًا، إلا أن مضمونه ينسجم انسجامًا عميقًا مع مقاصد الشريعة وقيم الرحمة والإحسان.
إن جبر الخواطر هو فقه القلوب، وأدب الرفقة، وتجسيد عملي لمعاني الرحمة والتكافل. وهو سلوك يقوم على إقالة العثرات، والتماس الأعذار، وحسن الظن، ومشاركة الإنسان أخاه الإنسان في ضعفه قبل قوته. فالناس لا ينسون من وقف إلى جانبهم في لحظات الانكسار، بقدر ما ينسون كثيرًا من الكلمات والخطب.
ولا يقتصر مفهوم جبر الخواطر على العلاقات الفردية أو المواقف الشخصية، بل يمتد ليشمل كل عملٍ مؤسسي أو مهني يستهدف تخفيف معاناة الناس، ولا سيما الفئات الأضعف في المجتمع. ومن هنا يبرز الدور المحوري للأطباء والمؤسسات الصحية بوصفه أحد أوسع وأعمق ميادين جبر الخواطر في عصرنا الحديث.
فحين يحضر إلى الطبيب مريضٌ مثقل بالألم، قلقٌ من التشخيص، خائفٌ من المجهول، محدودُ الإمكانات أو عاجزٌ عن تحمّل كلفة العلاج، فإن استقبال هذا المريض بعين الرحمة، وإصغاء الطبيب له، ومنحه الوقت الكافي للفهم والشرح والتطمين، لا يُعدّ مجرد أداءٍ مهني، بل يدخل في صميم عبادة جبر الخواطر. فالتشخيص الدقيق، والكلمة المطمئنة، والاهتمام الإنساني، كلها عناصر تعالج النفس قبل أن تعالج الجسد.
وحين يُقدَّم العلاج لمن لا يملك ثمنه،
وحين يُعاد الأمل لمريضٍ أثقله المرض وأضعفته القدرة،
وحين تُسهم المبادرات الطبية في إنقاذ الأسر من الانهيار النفسي والاجتماعي،
فإن ذلك يمثّل جبرًا حقيقيًا للخاطر، يتجاوز حدود الممارسة المهنية إلى فضاء العبادة الإنسانية.
ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء المراكز الصحية، والمستوصفات الطبية، والمبادرات العلاجية المجانية أو منخفضة التكلفة، لا يُعدّ عملًا إنسانيًا فحسب، بل هو جبرٌ مؤسسيٌّ للخواطر، يهدف إلى صون الكرامة الإنسانية، وتخفيف القلق الوجودي المرتبط بالمرض، وإشعار الإنسان بأنه غير متروكٍ في ضعفه.
وتندرج في هذا الإطار الجهود الإغاثية الطبية التي يقوم بها الأطباء، واتحادات الأطباء، والجمعيات الطبية، وغيرها من المبادرات التي تجمع بين العلم والرحمة، وبين المهنية والضمير الإنساني. فهذه الجهود لا تعالج الجسد وحده، بل تُعيد التوازن النفسي، وتمنح المريض القدرة على المقاومة، وتفتح له نافذة أمل في لحظة قد تبدو مظلمة.
وقد لخّص بعض العلماء هذا المعنى حين اعتبروا جبر الخواطر من أعظم العبادات، لأنه يقوم على أن تكون سندًا لمن انهارت قواه، ونورًا لمن أظلمت دروبه، وملاذًا آمنًا لمن ضاقت به السبل. فهو فعل إنساني جامع، يجمع بين الرحمة والمسؤولية، وبين الإيمان والعمل.
إن الله سبحانه وتعالى يحب الإحسان، ويحب من يحسنون إلى عباده، والبرّ لا يبلى، وأثره يبقى في النفوس طويلًا. وما أحوج عالمنا المعاصر، المثقل بالأزمات والآلام، إلى إحياء عبادة جبر الخواطر، لا سيما في القطاع الصحي، ليكون الطبيب رسول طمأنينة، والمؤسسة الصحية حصن أمان، فتغدو الرحمة ممارسة يومية، ويغدو الطب أحد أنبل تجليات الإيمان في الواقع الإنساني .