“اغفر لأعدائك، لكن لا تنسَ أسماءهم”: دروس سوريا بين الماضي والحاضر!!

“اغفر لأعدائك، لكن لا تنسَ أسماءهم”: دروس سوريا بين الماضي والحاضر!!
د. تمام كيلاني

“اغفر لأعدائك، لكن لا تنسَ أسماءهم”: دروس سوريا بين الماضي والحاضر!!

 

د. تمام كيلاني*

قال الرئيس الأمريكي جون كينيدي: “اغفر لأعدائك لكن لا تنسَ أسماءهم”. هذه المقولة تتجاوز الزمن والمكان، لتصبح مرآة لفهم الكثير من الصراعات الوطنية والسياسية، ولا سيما ما تمر به سوريا اليوم، حيث ما زالت الدولة الحديثة تكافح لإرساء الاستقرار بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار.

سوريا، التي عانت من عقود من الحكم الاستبدادي، ودخلت حقبة عصفت بها الحروب الداخلية وويلات حزب البعث والعصابات الأسدية تحاول اليوم أن تنهض كبنية حديثة للدولة، مؤسساتها تعود للعمل، ومدنها تحاول إعادة الحياة تدريجيًا بعد سنوات من الانهيار. لكن الطريق إلى الدولة الحديثة لم يكن ولا يزال مفروشًا بالورود.

فلول النظام السابق، الذين كان حكمهم مرادفًا للقمع والسيطرة المطلقة، ما زالوا يحاولون عرقلة أي خطوات نحو الاستقرار والديمقراطية. يسعون لإعادة سوريا إلى الحقبة البائدة، حيث الخوف والقهر والديكتاتورية كانت قواعد المجتمع والسياسة، متجاهلين المعاناة الهائلة التي سببها النظام البائد لشعبه ولسوريا على مدى عقود. هؤلاء لا يتورعون عن استخدام كل الوسائل، من النفوذ الاقتصادي والسياسي إلى الفتن الطائفية، لمحاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

في هذا السياق، تصبح مقولة كينيدي أكثر من مجرد كلمات، فهي دعوة للغفران، ولكن مع يقظة مستمرة. الغفران هنا ليس تنازلاً عن العدالة أو نسيان التاريخ، بل هو فهم أن التجاوز عن الأخطاء الماضية يمكن أن يكون خطوة نحو المصالحة الوطنية، شرط أن لا يُسمح لإرث الفساد والقمع بالعودة. يجب تذكر أسماء من عطلوا الدولة، ومن عملوا ضد مصالح الشعب، لمنعهم من تكرار أخطاء الماضي، ولحماية الدولة الحديثة من الانزلاق إلى الاستبداد مرة أخرى.

السؤال الأساسي الذي تواجهه سوريا اليوم هو: كيف يمكن بناء دولة حديثة مستندة إلى القانون والمؤسسات، بينما يتربص فلول الماضي لمحاولة استعادة النفوذ؟ الإجابة تكمن في الجمع بين الوعي التاريخي والمصالحة الحقيقية، وبين الحزم في مواجهة أي محاولات لإلغاء المكاسب الوطنية. الغفران هنا ذكي، والذاكرة حاضرة، واليقظة مطلوبة دائمًا.

سوريا الحديثة بحاجة إلى شعور جماعي بأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى على أخطاء الماضي، وأنه لا مكان للأنظمة القمعية في وطن يسعى للحرية والاستقرار. الغفران لا يعني ضعفًا، والذاكرة لا تعني الانتقام، بل يعني بناء دولة عادلة، قوية، ومستعدة لمواجهة أي تهديدات من فلول الماضي.

في نهاية المطاف، سوريا اليوم تعلمنا درسًا حيًا: يمكن أن نغفر، لكن لا يجب أن ننسى أبدًا أسماء من حاولوا تدمير الوطن، حتى يبقى المستقبل ملكًا للشعب، لا لأشباح الماضي.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

حين يغيب الميزان ويحضر المزاج: من خراب نصف قرن إلى أمل عام 2026

حين يغيب الميزان ويحضر المزاج: من خراب نصف قرن إلى أمل عام 2026
الثقافة والأدب

الله – الأنا – الآخر: ترتيب الأولويات ومسار الحرية الداخلية

الله – الأنا – الآخر: ترتيب الأولويات ومسار الحرية الداخلية
الثقافة والأدب

دع الأيام تفعل ما تشاء.. وطِب نفسًا إذا حكم القضاء

دع الأيام تفعل ما تشاء.. وطِب نفسًا إذا حكم القضاء


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...