“الكتابة صرخة الحرية: من صمت الخوف إلى زلزال الحقيقة”

“الكتابة صرخة الحرية: من صمت الخوف إلى زلزال الحقيقة”
د. تمام كيلاني

“الكتابة صرخة الحرية: من صمت الخوف إلى زلزال الحقيقة”

 

د. تمام كيلاني

 

الكتابة ليست ترفًا. ليست لعبة كلمات. ليست زينة لغوية.
الكتابة موقف. الكتابة حرب على الركود. الكتابة فعل تغيير.
من يكتب دون أن يغيّر، لا يكتب. من يكتب بلا خوف، ولا تحدٍّ، ولا مساءلة، لا يكتب. هو يدوّن الصمت، يكرر الخراب، يطبع القيود على الورق.

الكتابة لا تؤمن بالثبات، لأن الثبات موت مؤجل. ولا تؤمن بالتكرار، لأن التكرار مرض العقل والمجتمع. ولا تؤمن بالحياد، لأن الحياد في زمن الاستبداد جريمة.
ومع ذلك، الكتابة لا تؤمن بالتفجير اللحظي، بالضجة، بالضربة العابرة التي تمتص الغضب وتترك الجذور صامدة. الكتابة الحقيقية تزرع زلزالًا بطيئًا، تغيّر الوعي قبل أن تهز العالم.

لقد أوقفونا سنوات طويلة عن أن نعلن كتاباتنا، عن أن نرفع صوتنا، عن أن نكتب الحقيقة خوفًا على أهلينا في سوريا. أجبرونا على دفن الأقلام، على دفن أفكارنا، على دفن أصواتنا تحت طين الخوف. سنوات طويلة عاشها العقل في الأسر، وعاش القلم في صمت جبري.

لكن اليوم جاء يوم التحرير.
وسوريا بعد التحرير ليست سوريا قبل التحرير.
الخراب الذي حاولوا فرضه على الحروف والعقول لم يدم.
الكتابة اليوم حرّة، صادقة، جريئة، صاخبة، مستعدة لمواجهة كل ما حاول الاستبداد أن يمسخ ويطمس.

يسألني البعض: لماذا أنت ناقد لزمن البعث وعهد الأسد البائد؟
أجيبهم بصوت عالٍ لا يلين: لأنهم دمروا الحجر قبل البشر. هجروا الناس كما يُهجر الغريب أرضه. كتموا الأفواه، سحقوا الحريات، صادروا الأملاك، نهبوا الأموال، ولم يتركوا وراءهم سوى الخراب. سوريا لم تكن وطنًا، بل مزرعة لهم وحدهم، تُروى بالخوف، تُزرع بالذل، وتُحصَد بالصمت.

لقد حولوا المدينة إلى صمت صخري، والقرية إلى قبر جماعي، والحياة إلى تكرار مستحيل، والأمل إلى كلمة محرّمة. وكل ذلك يجعل الكتابة ضرورة وجودية، فعلًا حيًا، مقاومة لا يمكن تأجيلها.

الكاتب الحقيقي ليس مهرج احتجاج، ولا ثائر موسمي، ولا موظف غضب. الكاتب عدوّ ثابت لما هو مستقر. الكاتب شهيد الصمت، حارس الحقيقة، منفذ زلزال بطيء يفضح كل خيانة.

الكتابة اليوم ليست مجرد كلمات على ورق. إنها إعلان وجود، إعلان أننا لم ولن نستسلم، وأن كل ما دُمّر يمكن إعادة بنائه. نحن الذين كتبنا في الخفاء، سنكتب الآن بصوت عالٍ، بصوت يهز الصمت ويهز الخراب، بصوت لن يقبل المواربة أو التردد.

الكتابة لا تبحث عن تصفيق، ولا عن حب سطحي، ولا عن رضا ساذج. إنها تبحث عن أثر طويل الأمد، عن الزلزال الذي يهز الأسس، عن الحقيقة التي تصطدم بالظلام وتضيء الطريق.

من لا يؤمن بالتغيير، لا يحق له أن يدّعي الكتابة. ومن يرضى بالثبات، يكتب نهايته بيديه. الكتابة وحدها تفتح الطريق، تحفر من أجل الحقيقة، وتعيد الحياة إلى من هجرها الاستبداد، وتعلن أن زمن الخوف لن يدوم إلى الأبد.

الكتابة صرخة الحرية، زلزال بطيء، سلاح ضد الظلم، وعد بالعدالة. هي النور الذي يخرج من بين الأنقاض ليذكّرنا أننا قادرون على إعادة كتابة العالم، حجرًا فوق حجر، كلمة فوق كلمة، أمل فوق خيبة.

الكتابة اليوم ليست مجرد فعل أدبي.
الكتابة اليوم إعلان حرب على الخوف، على الظلم، على الخراب، على كل ما يحاول أن يحاصر العقل والروح.
الكتابة هي الحرية، بصوت عالٍ، بلا تراجع، بلا اعتذار، بلا خوف.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

ناظم القدسي… رئيس الحرية الذي أسقطه الانقلاب وأحياه التاريخ

ناظم القدسي… رئيس الحرية الذي أسقطه الانقلاب وأحياه التاريخ
الثقافة والأدب

حين تبتسم الحياة: العلم الحديث يكتشف كنز القيم الإنسانيه

حين تبتسم الحياة: العلم الحديث يكتشف كنز القيم الإنسانيه
الثقافة والأدب

في تشريح العتمة البشرية: حين يخلع الإنسان ظِلَّه

في تشريح العتمة البشرية: حين يخلع الإنسان ظِلَّه
الثقافة والأدب

قراءاة انطباعية للنص الشعري "قلم وردود" للشاعرةالعراقية حميدة جاسم علي!

قراءاة انطباعية للنص الشعري "قلم وردود" للشاعرةالعراقية حميدة جاسم علي!


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...