حين تبتسم الحياة: العلم الحديث يكتشف كنز القيم الإنسانيه
د. تمام كيلاني
حين تبتسم الحياة: العلم الحديث يكتشف كنز القيم الإنسانيه
القيم الإنسانية الخالدة بين العلم الحديث وهدي النبوة
د. تمام كيلاني*
في عالمٍ تتسارع فيه الاكتشافات العلمية وتتطور فيه الأبحاث الطبية والنفسية بشكل مذهل، يظل السؤال الأهم حاضرًا: ما الذي يجعل الإنسان يعيش حياة أطول وأكثر صحة وسعادة؟ هل هي الأدوية الحديثة فقط؟ أم التكنولوجيا المتقدمة؟ أم أن السر أعمق من ذلك بكثير؟
أقامت جامعة هارفارد واحدة من أطول الدراسات العلمية في تاريخ البشرية، حيث امتدت هذه الدراسة لما يقارب ثمانين عامًا، وهدفت إلى معرفة العوامل الحقيقية التي تصنع حياة إنسانية سعيدة وصحية وطويلة. وقد شملت الدراسة آلاف الأشخاص من خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة، وتمت متابعة تفاصيل حياتهم الصحية والنفسية والاجتماعية على مدار عقود.
المثير للاهتمام أن نتائج هذه الدراسة لم تركز على الثروة، ولا على الشهرة، ولا على المناصب، ولا حتى على مستوى الذكاء، بل خلصت إلى ثلاث ركائز أساسية تساهم بشكل مباشر في إطالة العمر، وتقوية المناعة الذاتية، وتحقيق السعادة الداخلية للإنسان.
أولًا: بناء علاقات طيبة مع الآخرين
أكدت الدراسة أن الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات إنسانية دافئة ومستقرة مع أسرهم وأصدقائهم ومحيطهم الاجتماعي يتمتعون بصحة أفضل، ويعانون من أمراض أقل، ويعيشون عمرًا أطول. فالعزلة والوحدة تُعدّان من أخطر ما يهدد صحة الإنسان النفسية والجسدية، بينما تمنح العلاقات الطيبة شعورًا بالأمان والدعم والانتماء.
الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، يحتاج إلى المشاركة والحوار والمودة. وكلما كانت علاقاته قائمة على الاحترام والتفاهم والتعاون، انعكس ذلك إيجابًا على استقراره النفسي، وهو ما ينعكس بدوره على صحة الجسد.
ثانيًا: إكرام الفقراء والمساكين ومساعدة المحتاجين
بيّنت الدراسة أن ممارسة العطاء والعمل الخيري ترفع من مستوى الرضا الداخلي لدى الإنسان، وتقلل من مشاعر القلق والاكتئاب، كما تحفّز إفراز هرمونات السعادة في الدماغ. العطاء لا ينفع المحتاج فقط، بل يعود نفعه الأكبر على المعطي نفسه.
عندما يشعر الإنسان أنه سبب في تخفيف ألم الآخرين، أو إدخال السرور إلى قلوبهم، تتغيّر نظرته للحياة، ويشعر بقيمة وجوده، ويكتسب معنى أعمق لحياته. وهنا تتحول السعادة من حالة مؤقتة إلى شعور دائم بالسلام الداخلي.
ثالثًا: التسامح والعفو عن الآخرين
أظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين يحملون الضغائن والأحقاد يعيشون في حالة توتر مستمر، مما ينعكس سلبًا على ضغط الدم وصحة القلب والمناعة. أما الذين يتصفون بالتسامح والعفو، فيعيشون براحة نفسية أكبر، ويتمتعون بصحة أفضل.
التسامح لا يعني الضعف، بل هو قوة داخلية عظيمة، تعكس نضج الإنسان وقدرته على تجاوز الألم وعدم السماح للماضي بأن يسيطر على حاضره ومستقبله.
وهنا تتجلى عظمة الإسلام، الذي سبق العلم الحديث بأكثر من أربعة عشر قرنًا في ترسيخ هذه القيم الإنسانية. فقد لخّص النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذه المبادئ الخالدة في حديث جامع مانع حين قال:
“صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعفُ عمن ظلمك”.
هذا الحديث الشريف يضع منهجًا متكاملًا لبناء إنسان متوازن نفسيًا، قوي أخلاقيًا، وسعيد في دنياه وآخرته. فهو يدعو إلى إصلاح العلاقات حتى مع من أساء، وإلى العطاء حتى لمن بخل، وإلى العفو حتى عمن ظلم.
إن توافق نتائج العلم الحديث مع تعاليم الإسلام ليس أمرًا مستغربًا، فالدين الإسلامي جاء لهداية الإنسان إلى ما فيه خيره وصلاحه في الدنيا والآخرة. وكلما تعمقنا في فهم القيم الإسلامية وتطبيقها في حياتنا اليومية، أدركنا أنها ليست مجرد عبادات شكلية، بل منظومة متكاملة لصناعة إنسان راقٍ ومجتمع متماسك.
ختامًا، إن السعادة الحقيقية لا تُشترى بالمال، ولا تُنال بالمناصب، ولا تتحقق بكثرة الممتلكات، بل تُبنى في القلب من خلال علاقات صادقة، ويدٍ معطاءة، وقلبٍ متسامح. هذه هي وصفة الحياة الطيبة التي أكدها العلم، وسبق إليها الإسلام، وستظل صالحة لكل زمان ومكان.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا