الطبّ الذي لا يُدرَّس في كليات الطب !! د. تمام كيلاني

الطبّ الذي لا يُدرَّس في كليات الطب !!  د. تمام كيلاني

الطبّ الذي لا يُدرَّس في كليات الطب !!

 

تمام كيلاني*

 

في كليات الطب نتعلّم الكثير… وربما نتعلّم كل شيء تقريبًا عن المرض.

نتعلّم كيف نقرأ التحاليل، وكيف نفكّ شيفرة الأعراض، وكيف نتعامل مع الحالات المعقّدة، وكيف نواجه الطوارئ حين تكون الحياة على الحافة.

 

نتعلّم التشريح بدقة، والفسيولوجيا بتفاصيلها، والأدوية بآثارها، والبروتوكولات بصرامتها.

ونقضي سنوات طويلة في محاولة أن نصبح “أطباء جيدين” بمعايير العلم: التشخيص الصحيح، القرار السريع، والمعالجة الدقيقة.

 

لكن وسط هذا الزخم العلمي كله… هناك شيء لا يُقال لنا بوضوح.

شيء لا يُدرّس في المحاضرات، ولا يظهر في الامتحانات، ولا يُقاس بالدرجات.

 

ذلك الشيء هو:

كيف نكون أطباء بحق.

 

كيف لا نفقد الإنسان داخل المريض.

وكيف لا يتحوّل العلم إلى جفاف، والدقة إلى قسوة، والمهارة إلى استعجال.

 

في بداية الطريق، يدخل الطبيب عالم المهنة بحماسٍ كبير.

يريد أن يتعلم، أن ينجح، أن يثبت نفسه، أن يُنهي الحالات بكفاءة، أن ينجو من ضغط الوقت، أن يواكب ازدحام العمل.

 

ومع الوقت، يبدأ إيقاع الحياة في فرض نفسه.

عيادات مزدحمة، طوابير طويلة، أوراق لا تنتهي، قرارات متتالية، مرضى يتتابعون بسرعة تشبه السيل.

 

وهنا يحدث التحوّل الصامت…

دون أن يشعر الطبيب.

 

يبدأ يرى المريض كـ“حالة”.

ثم كـ“ملف”.

ثم كـ“موعد”.

 

ليس بدافع القسوة، بل بدافع التكرار.

فالإنسان حين يُرهَق، يبدأ يختصر العالم كي يستطيع الاستمرار فيه.

 

لكن الطب لا يحتمل هذا الاختصار.

 

لأن كل مريض يدخل العيادة لا يدخل جسدًا فقط…

بل يدخل قصة كاملة.

 

يدخل بخوفه الذي لم يقله، وبأسئلته التي أخفاها، وبليالٍ طويلة من القلق، وبخيالات قد تكون أقسى من المرض نفسه.

يدخل وهو يوازن بين الأمل والذعر، بين الثقة والارتباك، بين ما يريد أن يسمعه وما يخشى أن يسمعه.

 

والطبيب الذي لا يرى هذا البُعد… يرى نصف الحقيقة فقط.

 

في يومٍ عادي من أيام العمل، قد يمر الطبيب بعشرات الحالات.

لكن بالنسبة للمريض، تلك اللحظة ليست “حالة من عشرين حالة”…

بل ربما هي أهم لحظة في أسبوعه، أو شهره، أو حتى في حياته كلها.

 

وهنا يبدأ السؤال الأخلاقي العميق:

 

هل نعامل كل مريض كأنه الوحيد في يومنا… أم كأنه واحد من كثيرين؟

 

هل نسمع لنفهم… أم نسمع لنُجيب وننتقل بسرعة؟

 

هل نُعطي المريض حقه في الكلام… أم نُسرع لندخل في الحالة التالية؟

 

إن الطب ليس فقط علم قرار… بل علم حضور.

حضور الطبيب الكامل أمام إنسانٍ متعب.

 

الإنصات في الطب ليس مجاملة.

والشرح ليس ترفًا.

والهدوء ليس ضعفًا.

 

بل هي أدوات علاج لا تقل أهمية عن الدواء نفسه.

 

كم من مريض خرج من غرفة الطبيب وهو لم يفهم شيئًا، ليس لأن العلم ناقص، بل لأن التواصل كان ناقصًا؟

وكم من مريض ازداد قلقه فقط لأنه لم يجد وقتًا يسأل فيه؟

وكم من حالة ساءت نفسيًا رغم أن علاجها الطبي صحيح، لأن الجانب الإنساني غاب؟

 

الطب الذي يهمل النفس… يعالج نصف الإنسان فقط.

 

وهنا تبدأ الفكرة الأعمق تتشكل:

أن الطبيب لا يُقاس فقط بقدرته على التشخيص، بل بقدرته على الفهم.

 

أن يفهم أن الصمت أحيانًا خوف.

وأن التوتر أحيانًا سؤال غير منطوق.

وأن التعلّق بكلمة الطبيب ليس ضعفًا، بل بحث عن طمأنينة.

 

ومع هذا الفهم، يبدأ الفرق الحقيقي بين الطبيب والحكيم.

 

فالطبيب قد يكون دقيقًا، علميًا، منهجيًا، قويًا في التحليل واتخاذ القرار.

لكن الحكيم هو من يرى ما وراء ذلك كله.

 

الطبيب يرى المرض.

أما الحكيم فيرى الإنسان الذي يحمل المرض.

 

الطبيب يقرأ الأرقام.

أما الحكيم فيقرأ ما بين السطور.

 

الطبيب يعالج العضو المتعب.

أما الحكيم فيعالج الخوف الذي يسكن الإنسان.

 

الطبيب قد يصف العلاج الصحيح.

أما الحكيم فيعرف متى تكون الكلمة جزءًا من العلاج، ومتى يكون الصمت جزءًا من الرحمة.

 

الطبيب يُتقن “ماذا نفعل؟”.

أما الحكيم فيُتقن “كيف نقول؟” و“كيف نُشعر؟” و“كيف نترك أثرًا دون أن نؤذي؟”.

 

وهذا الفرق ليس تنظيرًا… بل جوهر الممارسة الطبية.

 

لأن المريض لا ينسى فقط ما قيل له…

بل ينسى أحيانًا “كيف قيل له”.

 

لا ينسى التشخيص فقط…

بل ينسى الشعور الذي خرج به من الغرفة.

 

وهنا تكمن مسؤولية الطبيب الأخلاقية العميقة:

 

أن لا يكون مجرد ناقلٍ للمعلومة، بل حاملًا للرحمة معها.

أن لا يكون سريعًا على حساب الإنسان.

أن لا يختصر القصة حتى تضيع ملامحها.

أن لا يمرّ على الألم وكأنه تفصيل يومي عادي.

 

فالطب، في حقيقته، ليس مواجهة مرض فقط…

بل مواجهة خوف إنسان.

 

ومع مرور الزمن، يكتشف الطبيب الحقيقي أن النجاح المهني لا يُقاس بعدد الحالات التي عالجها، بل بعدد القلوب التي طمأنها.

 

ويكتشف أن أعظم مهارة يمكن أن يمتلكها ليست فقط الدقة في التشخيص…

بل الدقة في التعامل مع إنسانٍ ضعيف أمامه.

 

لذلك، لا يصبح الطبيب طبيبًا بحق بمجرد الشهادة.

ولا بالترخيص.

ولا بعدد سنوات الخبرة.

 

بل يصبح طبيبًا حين يتغير شيء في داخله:

حين يبدأ يرى المريض كإنسان كامل، لا كحالة طبية.

 

حين يدرك أن كلمته قد تكون علاجًا… أو جرحًا.

حين يفهم أن حضوره نفسه جزء من العلاج.

 

وهنا تتضح الصورة الأخيرة بوضوح:

 

الطبيب يعالج ما يظهر أمامه.

أما الحكيم فيرى ما لا يُقال، ويعالج ما لا يُرى.

 

والطب حين يفقد الحكمة… يصبح علمًا باردًا.

لكن حين يلتقي العلم بالحكمة… يصبح إنقاذًا للإنسان ، لا للجسد فقط.

 

*رئيس الجمعية الطبيه الاوربيه العربية.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

أجنحة مكسورة..!! عبد الرحمن العباسي

أجنحة مكسورة..!! عبد الرحمن العباسي
بوابة دمشق

حسن علي البطران ..القفز قريبا..بين الشاطئ والجبال!!

حسن علي البطران ..القفز قريبا..بين الشاطئ والجبال!!
بوابة دمشق

مالذي يدور في الكثير من عقول السوريين؟ بشار الحاج علي

مالذي يدور في الكثير من عقول السوريين؟ بشار الحاج علي
بوابة دمشق

الوعي المحبوس ….بين سكرات الموت ومختبرات ستوني بروك!! د. تمام كيلاني

الوعي المحبوس ….بين سكرات الموت ومختبرات ستوني بروك!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

تابعونا


جارٍ التحميل...