ممرات الانتظار!! سمية جمعة
غلاف مجازي
ممرات الانتظار!!
سمية جمعة*
في شوارع المدينة المتعبة اكتظت بأنفاسنا سيارة الإسعاف، مادت بنا يمنة ويسرا كقارب أنهكه عناد الموج، لم يكن نواح صافرتها وحده الذي كان يشغل ضجيج رأسي، بل ثقل رأس سناء المنسدل على ذراعي..
عيناها الجاحظتين يبثان الرعب في الروح، حين أمعنت النظر بوجهها، كانت كمن يحاول تثبيت صورة أخيرة للعالم قبل أن يبتلعها الغياب.
ومع كل اهتزازة قاسية، كانت خصلات شعرها السوداء تتناثر بين يدي لتعكس سواد صبغتها الفاحمة والمشغولة بعناية..
وهي تغفو على زندي هذت بكلماتٍ مبهمة، وبقوة عجيبة كانت تمسك بي، وكأني استحلت بين يديها تلك القشة التي يعلق عليها الغريق أمل نجاته، وكأن جسدي هو اليابسة الوحيدة التي تحلم بالوصول إليها للخروج من جنون هذا البحر المائج.
بما استطعت إليه سبيلا، مستنجدة بما علق في رأسي من ابتهالات الدعاء:
_ يا شافي.. يا معافي.. يا من تفك كل عسر بيسر.
تنبهت إليها حينما ضغطت على رسغي هامسة بصوت بعيد:
_ لا تتركيني.
بيني وبين روحي تنهدت بعمق وقلت لي، يا لضعفنا المغلف بالجبروت..
انحنيتُ نحوها، لم أرتدِ هذه المرة قناع القوة ولم أقل لها "أنا هنا" بيقين كاذب، بل وجدتني أتحسس جبينها بأصابع ترتعش، وأتوسل للزمن أن يتجمد، ولو لدقيقة واحدة قبل انقطاع أخر سبيل لانفاسها..
المسعف الجالس قبالتنا
كان يصارع اهتزاز السيارة في محاولة يائسة لتثبيت كيس المصل المشنوق فوق رؤوسنا بيدها التي بدا الشحوب يعتليها..
شتم بصوت مخنوق بعبارات الحنق، حين عبرت السيارة حفرة عميقة، وهو يجمع من أخاديد جبينه سيل حبات العرق المتدفقة، بدت لي تلك الشتيمة العفوية حينها أكثر صدقاً من كل عبارات المواساة.
كنتُ في حيرةٍ من أمري؛ فلأول مرة أجد نفسي وجهاً لوجه أمام مسؤولية بهذا الحجم، وحيداً تماماً، دون قدرة على الاتصال بأهلها أو إخبارهم بأن سناء تتلاشى بين يديّ.
لم تكن الحياة كما توقعتها أبداً؛ خضتُ معارك كثيرة كي أقف على قدمي، وتارة كانت تخونني قواي وتارة أخرى أشعر بقوة خارقة تتسرب إلى روحي، لكنني الآن كنت مجرد شاهدٍ مشلول..
عند بوابة الطوارئ تبدد كل شيء، فجأة انفتحت الأبواب على مصراعيها، ليدهم الضوء الأبيض القاسي القاسي عيوننا، امتدت أيدٍ خشنة لتسحبها مع سريرها المتحرك.
بقيتُ واقفاً في مكاني، ويداي لا تزالان محنيتين على شكل جسدها، أحمل هواءً ثقيلاً وفراغاً ينهش أصابعي. تحسستُ كم قميصي حيث بقي عالقا بي ما تبقى من عطرها، وكأنه تذكار أخير تركته لي في هذا الزحام.
على مقعد خشبي متهالك يقبع في ركن منسي جلست أراقب نملة صغيرة تائهة تذرع حواف البلاط بكل جهاته تائهة مثلي.
غافلتني ابتسامة مارقة بالسؤال، كيف يلتفت المرء لهذه التفاهات في ذروة ارتباكه؟
أهل هذا ما نسميه الهروب أماما من وقع الموت؟
تنبهت لي في اللحظة الأخيرة وركزت عيوني من جديد على ذلك الباب ينفتح لمرة تالية، لتخرج منه سناء لتخبرني -ولو بهذيانها- أنني لم أخذلها.
*كاتبة سورية/ حمص.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قلق الفكر العربي :كيف خسرنا السؤال؟ عمر سعيد
هل العين الجمالية تغطي قبح الواقع؟ د. قاسم عبد العزيز الدوسري
الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...