من باب اللغة تدخل "نجاة" وطن الخزامى!! الأديب شاهر خضرة

من باب اللغة تدخل

من باب اللغة تدخل "نجاة" وطن الخزامى!!

قراءة في "وطن من الخزامى يحضنني" للشاعرة المغربية نجاة رجاح أم سناء

شاهر خضرة*

 

نجاة رجاح (أم سناء)، شاعرة وإعلامية مغربية، وأستاذة للغة العربية، صدرت لها عدة دواوين شعرية منها: "حلم على مدار اللجة"، و"قصائد تحت الاحتلال"، و"أحاديث زمن الأفول". نُشرت كتاباتها في صحف ومجلات عربية ودولية، وتُرجمت بعض قصائدها إلى لغات متعددة.

 

حين انتهيت من قراءة ديوان "وطن من الخزامى يحضنني" لم أشعر أنني خرجت من كتاب شعر بالمعنى التقليدي للكلمة، بقدر ما شعرت أنني خرجت من سيرة وجدانية طويلة لامرأة تحاول أن تنجو من العالم باللغة. وهذا ربما أول ما ينبغي قوله عن هذا الديوان:

نحن لسنا أمام مشروع شعري مشغول بهاجس الصرامة الفنية، ولا أمام كتابة حداثية باردة تُعنى باقتصاد الصورة بقدر ما نحن أمام صوت يكتب لأنه يخشى الصمت، ويبالغ أحياناً لأنه يخاف الانطفاء، ويكرر مفرداته لا لأنه لا يملك غيرها بل ليبقى واقفاً وسط هذا الخراب الداخلي الطويل.

من هنا تبدو قراءة هذا الديوان بمنظار نقدي تقني خالص قراءة ناقصة، لأن القيمة الحقيقية فيه لا تكمن دائماً في تماسك القصيدة بقدر ما تكمن في حرارة التجربة نفسها. هناك نصوص مترهلة فعلاً، وهناك فائض إنشائي واضح، واستدعاء متكرر لمفردات الحزن والرحيل والحصار والبحر والنوارس والجرح، لكن خلف هذا كله توجد ذات أنثوية مجروحة تحاول أن تجعل من القصيدة بيتاً مؤقتاً، أو وطناً صغيراً يمكن احتماله.

ولعل أجمل ما في الديوان أنه لا يتعامل مع الوطن بوصفه شعاراً سياسياً جاهزاً، بل بوصفه شعوراً مهدداً بالفقد. الوطن هنا ليس خارطة بقدر ما هو حالة داخلية. لذلك يذوب الحبيب في الوطن، وتذوب الأم في الأرض، وتتحول القصيدة نفسها إلى شكل من أشكال الاحتماء. حين تقول الشاعرة: "أنام بعينيك لأنها وطني"، فهي لا تكتب استعارة شعرية مدهشة بقدر ما تعلن حاجة روحية عميقة إلى مأوى. الحب هنا ليس غزلاً تقليدياً، بل محاولة للعثور على مكان آمن داخل إنسان آخر.

لهذا السبب أيضاً يبدو الرجل في كثير من نصوص الديوان أقل حضوراً كشخص وأكثر حضوراً كرمز للخلاص أو الطمأنينة أو الاستمرار. إننا لا نعرف ملامحه تقريباً، لكننا نعرف أثر غيابه. وحين يغيب يتحول العالم كله إلى خراب نفسي. لهذا تمتلئ القصائد بمفردات الانتظار والرحيل والحنين والانكسار، حتى يبدو الديوان أحياناً كأنه نشيج طويل أكثر منه بناءً شعرياً محسوباً.

ومع ذلك فإن هذا النشيج نفسه هو ما يمنح النص صدقه. فالشاعرة لا تبدو منشغلة بصناعة الإدهاش البلاغي بقدر انشغالها بقول الألم كما تشعر به. ولهذا نجد في الديوان عبارات تبقى في الذاكرة لا لأنها عظيمة فنياً، بل لأنها خرجت من منطقة شعورية حقيقية، مثل قولها: "أضمد جرحي بقصيدة"، أو "لكنهم لم يستطيعوا تجريدي من القصيدة"، أو "أحلم بوطن من الشعر". هذه الجمل لا تعتمد على التعقيد ولا على المغامرة اللغوية، لكنها تمتلك شيئاً نادراً نسبياً في كثير من الشعر المعاصر: الصدق العاطفي غير المتصنع.

ومن اللافت أيضاً أن الأم تحتل في هذا الديوان موقعاً يتجاوز العلاقة البيولوجية المعتادة. الأم هنا أصل روحي، وأرض أولى، ومرجع وجداني ثابت في عالم يتداعى باستمرار. في القصيدة الأولى تحديداً، تبدو الأم كأنها آخر ما تبقى من اليقين. ليست مجرد شخصية عابرة في الذاكرة، بل رمزاً للحماية والصبر والقداسة اليومية. لذلك لا تأتي الأم في الديوان منفصلة عن الوطن، بل متداخلة معه، حتى يصير فقدان الأم شبيهاً بفقدان الأرض، ويغدو الحنين إليها جزءاً من الحنين إلى الذات القديمة.

أما الطبيعة في هذا الديوان فلا تُستخدم كزينة لغوية، بل كامتداد للحالة النفسية. الخزامى، والنخيل، والزيتون، والبحر، والنوارس، والليمون، والسنابل، كلها تتحول إلى كائنات تشارك الشاعرة جرحها الداخلي. البحر تحديداً يؤدي دوراً مهماً في النصوص؛ فهو مرة مرآة للذات، ومرة فضاء للمنفى، ومرة طريق للحلم المؤجل. وحتى النوارس التي تتكرر كثيراً تبدو كأنها استعارة للروح المعلقة بين الرحيل والرغبة في العودة.

ولعل ما يميز الديوان أيضاً أنه ينتمي بوضوح إلى الحساسية الشعرية العربية التي تشكلت في التسعينيات وبداية الألفية؛ تلك المرحلة التي امتزج فيها الحب بالقضية، والمنفى بالعاطفة، والذات بالجماعة، حتى صار من الصعب الفصل بين الجرح الشخصي والجرح العربي العام. لهذا تظهر غزة ودمشق وبغداد والأندلس ومراكش وغيرها لا كأسماء جغرافية فحسب، بل كجغرافيا روحية تسكن النص وتعيد تشكيل وجدانه.

غير أن الشاعرة تنجح أحياناً في تجاوز الخطابية التي وقعت فيها قصائد عربية كثيرة من هذا النوع، وذلك حين تعود إلى الداخل الإنساني العاري. ففي اللحظات التي تخف فيها الرغبة في الهتاف، يصبح النص أكثر صدقاً وأكثر قدرة على التأثير. هنا بالضبط تظهر أجمل مناطق الديوان: حين تتكلم المرأة لا الشاعرة، وحين يتقدم الكائن المرهق على اللغة المتزينة.

وربما لهذا السبب بدت النصوص القصيرة في الديوان أكثر قوة من بعض القصائد الطويلة. ففي المقاطع المكثفة نلمح قدرة أفضل على التقاط اللحظة الشعرية دون إنهاكها بالشرح. هناك جمل قصيرة تلمع فجأة وسط الفيض العاطفي، مثل ومضات نجت من التعب. وهذا ما يجعل القارئ يشعر أن الشاعرة تمتلك حساً شعرياً حقيقياً، حتى وإن لم تستطع دائماً السيطرة الكاملة على اندفاعه.

ولعل ما يمنح هذه النصوص قدرتها على البقاء، رغم تفاوتها الفني، أنها لا تبدو مكتوبة من موقع اليقين، بل من منطقة هشّة ومكشوفة إنسانياً. فالشاعرة لا تتعامل مع القصيدة بوصفها مساحة لإعلان القوة، بل بوصفها مكاناً للاعتراف بالتعب والخوف والاحتياج العاطفي. ولهذا يشعر القارئ أحياناً أنه لا يقرأ نصوصاً مصقولة بقدر ما يقرأ أثر حياة كاملة تحاول أن تترك صوتها قبل أن يبتلعها الصمت.

في أحد المقاطع المتأخرة تقول الشاعرة: "رحيلي لا ينتهي، والنوارس". هذه الجملة الصغيرة تكاد تختصر مناخ الديوان كله. الرحيل هنا ليس حدثاً يقع ثم ينتهي، بل حالة وجودية مستمرة، فيما تبدو النوارس كأنها الشاهد الوحيد على هذا العبور الطويل. لا شيء درامياً في العبارة، لكنها تحمل ذلك التعب الهادئ الذي يرافق إنساناً اعتاد الفقد حتى صار جزءاً من إيقاعه الداخلي.

وفي موضع آخر تقول: "جسد سميته وطناً.. ونسيت أنه بلا وطن". هنا تبلغ القصيدة واحدة من أكثر مناطقها مرارة وهدوءاً معاً. فالوطن لا يعود مكاناً مفقوداً فقط، بل يتحول إلى استعارة مكسورة داخل الجسد نفسه. كأن الذات حاولت الاحتماء بنفسها، ثم اكتشفت أن الداخل أيضاً مهدد بالتشرد.

كما تتوقف القراءة طويلاً أمام قولها: "أستخرج الشمس من ذاتي". ليست الجملة مبنية على تعقيد لغوي، لكنها تكشف جوهر التجربة كلها تقريباً. فالشاعرة لا تنتظر الخلاص من الخارج، بل تحاول انتزاع الضوء من منطقة مثقلة بالحزن والانكسار. وهنا بالذات يتحول الشعر من شكوى إلى محاولة بقاء.

لكن اللافت أن الشاعرة، رغم هذا التعب الوجداني الكثيف، لا تسقط تماماً في العدمية. فثمة دائماً محاولة خافتة للتمسك بالحياة، حتى لو جاءت عبر صور بسيطة ومتكررة أحياناً. الضوء، البحر، الندى، النوافذ، الفجر… كلها عناصر تعود باستمرار داخل النصوص، لا بوصفها زينة شعرية، بل كعلامات نجاة صغيرة تحاول الذات عبرها مقاومة الاختناق الداخلي.

وربما لهذا السبب تحديداً لا تبدو اللغة في هذا الديوان لغة شاعر منشغل بإبهار قارئه بقدر ما تبدو لغة كائن متعب يحاول أن يحمل ذاكرته الشخصية والعاطفية عبر الكتابة. حتى التكرار نفسه لا يبدو دائماً ضعفاً أسلوبياً خالصاً، بل أثراً نفسياً لجرح لا يغادر مكانه بسهولة. فالكلمات تعود لأن الفقد نفسه يعود، ولأن الذات ما تزال تدور داخل الدائرة الوجدانية نفسها، محاولة أن تجد مخرجاً ولو عبر القصيدة.

ولهذا لا تظهر دمشق وغزة والأندلس ومراكش كأماكن جغرافية باردة، بل ككائنات وجدانية تشارك الشاعرة تعبها الداخلي. الأمكنة هنا ليست خلفية للقصيدة، بل جزء من جرحها، حتى يبدو النص أحياناً كأنه خريطة عاطفية لعالم عربي مثقل بالخسارات والمنفى والحنين.

وفي قصيدة بعنوان «مازلت أحلم» لا يأتي الحلم بوصفه وعداً بالنجاة أو تفاؤلاً سهلاً، بل كصيغة هشّة لمقاومة اليأس. فحتى داخل القصيدة نفسها يبدو العالم مثقلاً بالغياب والخذلان، إلى درجة تقول فيها الشاعرة: «لا شيء يحمل الفرح». ولهذا يبدو الحلم هنا أقرب إلى عناد داخلي خافت منه إلى يقين حقيقي بالخلاص.

ومع الوقت يبدأ القارئ بالشعور أن القصيدة، في هذا الديوان، لا تُكتب بوصفها فعلاً جمالياً خالصاً، بل بوصفها وسيلة بقاء نفسي. فالشاعرة لا تتعامل مع اللغة كمساحة للعرض البلاغي، بل كشيء يشبه الملجأ الداخلي؛ مكان صغير تحاول الذات أن تحتمي فيه من فائض الخسارة المحيط بها.

ولهذا تبدو كثير من النصوص وكأنها لا تبحث عن الإدهاش بقدر ما تبحث عن الطمأنينة. حتى أكثر الصور بساطة تأتي محمّلة بحاجة عاطفية واضحة، كأن الكتابة نفسها محاولة لإعادة ترميم الداخل المتصدع، لا لإنتاج قصيدة مكتملة وفق المعايير الفنية الصارمة.

وربما لهذا السبب أيضاً لا يشعر القارئ بأنه أمام شاعر يراقب تجربته من الخارج، بل أمام ذات تعيش داخل الجرح نفسه وتكتب منه مباشرة. فالمسافة بين الكائن والقصيدة تكاد تختفي هنا، حتى تبدو اللغة أحياناً امتداداً للحالة النفسية أكثر من كونها بناءً أدبياً مستقلاً عنها. ولهذا تبقى تلك الحرارة الوجدانية حاضرة في النص حتى في لحظاته الأضعف فنياً. فالديوان لا ينتصر دائماً كشكل شعري متماسك، لكنه ينجح غالباً في أن يترك أثراً شعورياً حقيقياً، لأن القارئ لا يواجه قصائد مصنوعة ببرودة، بل يواجه حياة كاملة تحاول أن تمر عبر الكلمات.

ولعل هذا ما يجعل "وطن من الخزامى يحضنني" أقرب إلى سيرة وجدانية مكتوبة بالشعر منه إلى مشروع شعري مغلق على تقنياته الخاصة. فالنصوص هنا لا تتحرك من فكرة جمالية مسبقة، بل من حاجة داخلية إلى الكلام، وإلى مقاومة الصمت، وإلى تأجيل الانكسار عبر اللغة.

 

** كاتب سوري / ألمانبا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

الطبّ الذي لا يُدرَّس في كليات الطب !! د. تمام كيلاني

الطبّ الذي لا يُدرَّس في كليات الطب !! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

أجنحة مكسورة..!! عبد الرحمن العباسي

أجنحة مكسورة..!! عبد الرحمن العباسي
بوابة دمشق

حسن علي البطران ..القفز قريبا..بين الشاطئ والجبال!!

حسن علي البطران ..القفز قريبا..بين الشاطئ والجبال!!
بوابة دمشق

مالذي يدور في الكثير من عقول السوريين؟ بشار الحاج علي

مالذي يدور في الكثير من عقول السوريين؟ بشار الحاج علي
بوابة دمشق

الوعي المحبوس ….بين سكرات الموت ومختبرات ستوني بروك!! د. تمام كيلاني

الوعي المحبوس ….بين سكرات الموت ومختبرات ستوني بروك!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

تابعونا


جارٍ التحميل...