من عرش القاهرة إلى موائدنا: حلوى" أم علي" !! د. تمام كيلاني
د. تمام كيلاني * رئيس اتحاد الأطباء والصيادلة العرب/ النمسا.
من عرش القاهرة إلى موائدنا: حلوى" أم علي" !!
د. تمام كيلاني*
قبل أن تصبح "أم علي" طبق الحلوى الأشهر في مصر وبعض الدول العربيه ، وقبل أن تفوح رائحة السمن والمكسرات من الأفران لتستقر على موائدنا، كانت الاسم مجرد صرخة ثأر في أروقة قلعة الجبل. خلف كل ملعقة نرفعها اليوم تقف حكاية مُلك وغيرة ودم، وبطلتها امرأتان: واحدة حكمت مصر وأسرت ملك فرنسا، والأخرى قتلتها بالقباقيب وخلّدت اسمها في قدر من الفخار.
شجرة الدر لم تكن زوجة سلطان فقط. كانت سلطانة بذاتها. لم تولد على العرش، بل انتزعته. كانت جارية اشتراها السلطان الصالح نجم الدين أيوب، لكنها بعقلها وجمالها صارت زوجته وأم ولده ووزيرته الخفية. وحين داهم الموت السلطان سنة 1249م ودمياط تحت سنابك خيول لويس التاسع ملك فرنسا، فعلت شجرة الدر ما يعجز عنه الرجال. أخفت موت زوجها ثلاثة أشهر كاملة. ختمه في يدها، والأوامر تخرج باسمه، والجيش يقاتل وهو يظنه حيًا. حكمت مصر والسلطان ميت. كانت هي القائد الأعلى، ووزير الحربية، وصاحبة القرار. بعدها بايعها المماليك رسميًا. صارت "الملكة عصمة الدين أم خليل". سُكّت الدنانير والدراهم باسمها، ودُعي لها على المنابر في القاهرة ودمشق: "واحفظ اللهم الملكة ملكة المسلمين عصمة الدنيا والدين". امرأة تجلس على عرش صلاح الدين الأيوبي، وتدير أخطر حرب في الشرق. وفي عهدها، وتحت سلطتها المباشرة، حدث ما أذل أوروبا كلها. معركة المنصورة سنة 1250م. قاد المماليك بيبرس وأقطاي الميدان، لكن القرار السياسي والعسكري الأعلى كان بيدها. هي من أدارت الحرب. وانتهت بكارثة على فرنسا: جيش لويس التاسع أُبيد، وأخوه روبرت دارتوا قُتل، والملك لويس التاسع نفسه وقع أسيرًا مع نبلائه في دار ابن لقمان بالمنصورة. تخيل المشهد: ملك فرنسا، قائد أكبر حملة صليبية، مقيد بالسلاسل في بيت قاضي المنصورة. والآمرة الناهية في القاهرة امرأة. هي من فاوضت على مصيره. هي من فرضت شروطها: فدية أربعمئة ألف دينار تدفع لخزائنها، وجلاء فوري عن دمياط، وتعهد بعدم العودة. ووقّع الملك الأسير صاغرًا. لويس التاسع خرج من الأسر ليصبح قديسًا في بلاده، لكنه خرج مهزومًا من امرأة. شجرة الدر لم تكتفِ بحكم مصر... كسرت هيبة ملوك أوروبا وهي على العرش. لهذا السبب كان سقوطها مدويًا. لأنها لم تكن مجرد جارية طموحة. كانت ملكة حقيقية، قائدة، حاكمة، وآسرة للملوك. أذلّت أوروبا، لكن المجتمع والخليفة العباسي لم يغفرا لها كونها امرأة. ضغطوا حتى تنازلت عن العرش وتزوجت قائد المماليك عز الدين أيبك ليكون سلطانًا صوريًا وهي الحاكم الفعلي من خلفه. لكن السلطة لا تقبل القسمة على اثنين، والضرة لا تقبل ضرة. حين قرر أيبك الزواج عليها من ابنة صاحب الموصل، استبقته إلى القبر وقتلته في القلعة سنة 1257م. غير أن أيبك كان له زوجة أولى قبل شجرة الدر، امرأة من عامة الناس اسمها "أم علي" نسبة لابنها المنصور علي. هذه المرأة التي لم تحكم ولم تقرأ كتب السياسة، علّمت السلطانة معنى الثأر. رشت جواري القصر بالذهب، فاقتحمن على شجرة الدر حمامها. لم يقتلنها بسيف أو خنجر يليق بالملوك، بل بالقباقيب الخشبية الثقيلة. ضربنها حتى تهشم جسدها وماتت تحت أقدامهن. كانت المهانة مقصودة: السلطانة التي روّعت ملك فرنسا، تموت حافية مضروبة بالنعال. أُلقِيت جثتها من سور القلعة وبقيت ثلاثة أيام في الخندق عبرة لمن يعتبر، قبل أن تُدفن في القبة التي بنتها لنفسها. ماتت شجرة الدر، لكن "أم علي" أرادت أن يكون موتها عيدًا. أمرت طباخي القصر أن يبتكروا حلوى لم تعرفها القاهرة من قبل. فتوا الرقاق، وأغرقوه باللبن والسمن والسكر، وزيّنوه بالمكسرات التي لا يأكلها إلا الأغنياء. حُملت الصواني إلى أزقة القاهرة ووزعت على العامة والفقراء. كان الناس يأكلون ويتساءلون عن المناسبة، فيأتيهم الجواب شامتًا ومختصرًا: "هذه حلوى أم علي... احتفالًا بمقتل شجرة الدر". من يومها سقط اسم الحلوى الأصلي ولبست اسم "أم علي" أم السلطان الطفل المنصور علي الذي حكم مصر سنتين ثم عُزل ومات منسيًا. مات ابنها، لكن اسمها بقي خالدًا على كل مائدة. نحن اليوم لا نأكل مجرد رقاق ولبن. نحن نأكل صفحة من تاريخ المماليك. في كل ملعقة دهاء امرأة أخفت موت سلطان وحكمت دولة وأسرت ملك فرنسا وفرضت شروطها عليه. وفيها غيرة امرأة قتلت زوجها كي لا يشاركها فيه أحد. وفيها ثأر امرأة سحقت سلطانة بالقباقيب. وفيها عبقرية شعب حوّل دم القصور إلى حلوى توزع في الأزقة. "أم علي" ليست طبقًا شعبيًا فحسب، بل هي النصب التذكاري الألذ لصراع امرأتين سحقت إحداهما الأخرى. واحدة كتبت اسمها على عملة الدولة وأسرت ملوك أوروبا، والثانية كتبت اسمها على قدر من الفخار فخلدها الزمن. فحين تتصاعد رائحة "أم علي" من الفرن وتذوب في الفم حلاوتها، تذكر أن هذا الطعم الدافئ وُلد من قصة باردة كحد السيف. تذكر أن المرأة التي يستهين بها التاريخ قد تحكم إمبراطورية وتأسر ملكًا، وقد تُقتل بنعل، وقد تصنع من ثأرها حلوى تعيش ألف عام. شجرة الدر سقطت من فوق السور بعد أن أسقطت ملك فرنسا، وأم علي صعدت إلى كل بيت. وبين السقوط والصعود... استوت الحلوى.
* رئيس اتحاد الأطباء والصيادلة العرب/ النمسا.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قلق الفكر العربي :كيف خسرنا السؤال؟ عمر سعيد
هل العين الجمالية تغطي قبح الواقع؟ د. قاسم عبد العزيز الدوسري
الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...