الأحمق الصغير!!
الأحمق الصغير!!
جبر الهندي*
ميَّزه من ذقنه المعقوفة، وشعر بخدر بارد يسري في أطرافه، فأدرك أنه هو. كأن الزمن انثنى على نفسه، أو أن أحدهم ضغط على زر المشاعر القديمة فانهمرت عليه انفعالات الطفولة دفعة واحدة. ابتلع ريقه بصعوبة، وأعاد ضبط أنفاسه.
هناك، على الطاولة المقابلة، جلس كابوس طفولته.
لا أعلم أيَّ نوع من الطفولة عشتم، أيها السادة، لكن عالم الأطفال ليس لطيفًا كما نحب أن ندعي. فأكثر الندوب التي نحملها في أرواحنا نُقشت في تلك المرحلة المبكرة من العمر.
وصديقنا هذا، كانت طفولته أشبه بالجحيم، بفضل الشخص الذي يراه أمامه الآن بعد ثلاثين عامًا.
سنوات طويلة من التنمر والسخرية والأذى، قادها فتى شقيّ ذو ذقن معقوفة وابتسامة دنيئة، لطالما نعته بـ"الأحمق الصغير" وجعل منه أضحوكة.
كان أضعف من أن يدافع عن نفسه، وأجبن من أن يشتكي، فظل يختبئ، ويغيّر طريقه، ويهرب متى لمح ذلك الوجه.
لكن شبحه ظل يلاحقه في كل موقف يستدعي الشجاعة والمواجهة والدهاء. وفي ليالي الفراغ، كان السؤال ذاته يتسلل إليه:
"هل ما زلتَ ذلك الأحمق الصغير؟"
قضى حياته كلها ينتقم من ذلك الطفل الضعيف داخله — تمرينًا رياضيًا وجِدًّا في العمل وصعودًا اجتماعيًا — وكأنه يطارد خياله القديم ليمحيه.
ومع ذلك، سيكون من المبالغة أن ندعي أنه عاش حياته في انتظار هذه اللحظة.
الآن يجلس خصمه أمامه، كهلٌ أصلع مترهِّل، لا يشبه الشقي الذي يسكن ذاكرته. إلى جانبه امرأة متوسطة الجمال.
استعاد جملة قرأها يومًا:
"على المرء أن يواجه جميع مخاوفه القديمة دفعة واحدة."
تحسس ذراعيه القويتين مبتسمًا بثقة خفيّة. ها نحن ذا، وجهًا لوجه. دار الزمن دورته. لقد آن أوان الحساب.
لم يحدد شكل انتقامه:
هل يكفي أن يعرِّفه بنفسه، متباهيًا بما صار إليه من نجاح وثروة؟
أم يبصق في وجهه أمام الناس؟
ربما سيسحبه خارج المطعم ويذيقه طعم الذل القديم.
انتظر اللحظة المناسبة، ولم تَطُل، غادرت السيدة الطاولة نحو دورة المياه.
نهض، عدَّل سترته، واتجه نحوه بخطى ثابتة.
وقف أمامه، فرفع الكهل رأسه ببطء وقال:
– عمت مساءً يا سيدي، هل من خدمة أقدمها لك؟
– أمعن النظر جيدًا… لعلَّك تتذكر أحدهم.
ابتسم الكهل بلطف مبالغ فيه، محرِّكًا كرسيًا:
– تفضل بالجلوس، أرجوك.
جلس، تنفس بثقل متعمَّد.
قال الرجل:
– اعذرني أيها المحترم، فأنا أعاني شيئًا يشبه فقدان الذاكرة.
ردَّ بحدة وسخرية:
– مثلك لا يُصاب بمثل هذا!
ابتسم الكهل بأسى:
– ربما... لكن هذا الشيء اللعين الذي أحمله في رأسي مسح كثيرًا من ذاكرتي… منذ فقدت ابني الوحيد. كدت أفقد عقلي، ولولا النسيان، لهلكت.
ارتبك صديقنا. توقف صوته الغاضب، وحل محله سكون وارتباك.
قال بصدق مفاجئ:
– آسف لسماع ذلك.
وشعر للحظة أن عدالة السماء أخذت حقَّه، لكن سرعان ما غمره خجل من حقد قديم ظل يحمله.
(يا لحماقتي... يا لعدم نضجي!!)
عاد إليه صوت الكهل:
– هلا عرَّفتني بنفسك؟ هل كنا صديقين؟
– بشكل أو بآخر، جمعتنا طفولة مشتركة.
– كم يؤسفني ألا أتذكرك. ذاكرتي تمسح حتى اللحظات غير المؤلمة. أعيش اليوم بعالم صغير بلا ماضٍ. أرجوك، هل جمعتنا مقاعد الدراسة أم ملاعب الصبا؟
صمت الرجل قليلًا، ثم قال بهدوء:
– لا عليك يا سيدي... ليس هناك ما يستحق الذكر. على كل حال، بشكل أو بآخر أنا مدين لك بما أنا عليه اليوم.
قال الكهل بلطف:
– يسرني ذلك. وددت لو بقيت معك أكثر، تبدو حقًا شخصًا نبيلًا، لكن علي مرافقة زوجتي... أي شخص من الماضي يذكِّرها بابننا. استسمحك عذرًا.
نهض ببطء، وهمَّ بالمغادرة.
حرَّك نعته له بـ"الشخص النبيل" غرورًا واستعلاءً بداخله. فصافحه بجدية لا تخلو من ود، وأصرَّ على تسديد الفاتورة بدلًا عنه.
بهدوء ورضًا، تابعه بعينيه، والكهل يغادر متأبطًا ذراع زوجته.
ربما كان سيحدث أصدقاءه حين يحضرون عن فضيلة الغفران...
لولا أنه سمع الرجل يهمس لزوجته وهو يبتسم ابتسامة دنيئة:
(لا أحد يا عزيزتي... إنه لا أحد مهم. مجرد أحمق صغير قديم)
نظر إلى انعكاسه في الزجاج أمامه، ورأى وجهين متداخلين — الطفل القديم والرجل الذي صار.
ابتسم بمرارة وسخرية، لم يدرٍ أيُّهما كان الأحمق فعلًا.
* كاتب سوري.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
شرق غرب وجهاً لوجه.. في رواية "توتنغهام في علبة لشمانيا"!!
معرض دمشق الدولي للكتاب ٢٠٢٦: عودة ثقافية جديدة!!
الاكثر شهرة
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...
بالله قفي قصيدة د. عبد الولي الشميري
بالله قِفيشعر الدكتور عبد الولي الشميري ما بالُ الحُبِّ مَشانِقُهُتَغتالُ الصَّبَّ وتُحْرِقُهُ؟والش...