مشفى المواساة الجامعي بدمشق: 80 عامًا من العطاء... ونداء لإعادة الإعمار بعد التحرير* د. تمام كيلاني

مشفى المواساة الجامعي بدمشق: 80 عامًا من العطاء... ونداء لإعادة الإعمار بعد التحرير*  د. تمام كيلاني

مشفى المواساة الجامعي بدمشق: 80 عامًا من العطاء... ونداء لإعادة الإعمار بعد التحرير*

 

د.تمام كيلاني*

 

 

 

المقدمة: حجر أساس وضعه الاستقلال

 

في عام 1946، وسوريا تتنفس هواء الاستقلال حديثًا، وقف الرئيس الوطني شكري القوتلي ليضع حجر الأساس لصرح طبي وتعليمي سيصبح لاحقًا أيقونة الطب في سوريا والمنطقة: مشفى المواساة الجامعي بدمشق*.

 

لم يكن مجرد مشفى. كان مشروع دولة وليدة تؤمن بأن الاستقلال الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان. من الصحة والتعليم. من أن يكون للمواطن السوري مشفى يضاهي أرقى مشافي العالم، لا يذل فيه فقير ولا يُرد فيه مريض.

 

واليوم، وبعد 80 عامًا على ذلك الحجر، وبعد زيارتي هذا اليوم للمشفى والالتقاء بمديره الاستاذ امين سليمان مدير المشفى والأستاذ بسام درويش رئيس قسم الأمراض الصدريه و راحتها وبعض الاساتذه في المشفى نقف أمام المواساة ونسأل: ماذا بقي من حلم القوتلي؟

 

1. البداية: هدية الاستقلال للشعب 1946 - 1970

 

أ. النشأة والرؤية

افتُتح المشفى رسميًا في خمسينيات القرن الماضي على مساحة شاسعة في حي المزة بدمشق. كان الهدف مزدوجًا: 

1. مشفى خيريًا: يستقبل فقراء دمشق والريف مجانًا، تنفيذًا لاسمه "المواساة".  

2. مشفى جامعيًا: تابعًا لكلية الطب في جامعة دمشق، ليكون ميدان التدريب الأول لأطباء سوريا.

 

ب. العصر الذهبي

في عهد الاستقلال وحتى نهاية الستينات، كان المواساة مفخرة. جُهز بأحدث الأجهزة في ذلك الوقت. استقطب كبار الأساتذة الذين تخرجوا من فرنسا وبريطانيا وأمريكا. أصبح قبلة المرضى من كل المحافظات السورية، ومن الأردن ولبنان والعراق والخليج. 

 

كان يضم أكثر من 800 سرير، ويجري آلاف العمليات الجراحية النوعية سنويًا. تخُرّج منه عمالقة الطب السوري: أساتذة في القلبية، والهضمية، والجراحة العصبية، والعينية. من لم يمر على المواساة لم يصبح طبيبًا حقيقيًا في سوريا.

 

ولن نبالغ إذا قلنا إن هذا الصرح خدم الملايين من المرضى خلال 80 عامًا. كل بيت في سوريا تقريبًا له قصة مع المواساة: ولادة، أو عملية، أو شفاء، أو حتى وفاة كريمة.

 

2. المواساة: جامعة داخل مشفى 

 

قيمة المواساة لم تكن في جدرانه، بل في دوره التعليمي. كان "مدرسة الطب السريري" في سوريا:

 

قاعات الدرس: آلاف الأطباء وقفوا في قاعاته المدرجة يستمعون لأساتذة كبار يناقشون الحالات السريرية المعقدة.

المكتبة: ضمت مكتبته آلاف المراجع والدوريات الأجنبية التي كانت شريان المعرفة قبل عصر الإنترنت.

المؤتمرات : استضاف أول المؤتمرات الطبية التخصصية في سوريا، وكان منبرًا لتبادل الخبرات مع أطباء العالم العربي وأوروبا.

 

من رحم المواساة وُلدت معظم الاختصاصات الطبية في سوريا. كان هو "الأم" التي تُنجب الأقسام والمشافي الأخرى.

 

3. مرحلة التدهور: كيف نُهك صرح عمره 80 عامًا؟

 

مع وصول النظام السابق، بدأت قصة الإهمال الممنهج. تحوّل المواساة تدريجيًا من "صرح القوتلي" إلى "شاهد على الفساد".

 

أ. التجفيف المالي والإهمال المتعمد

1. توقف التحديث : بقي المشفى يعمل بأجهزة من السبعينات والثمانينات. أجهزة الطبقي المحوري والمرنان كانت إما معطلة أو مواعيدها بالشهور. غرف العمليات تآكلت جدرانها.

2. البنية التحتية: تشققت الجدران، وتسربت المياه، وتعطلت المصاعد التي تنقل المرضى. أصبح نقل مريض من الطابق الأول للخامس عملية جراحية بحد ذاتها.

3. هجرة الكوادر: بسبب الرواتب المضحكة والتضييق الأمني، هاجر خيرة أساتذته وأطبائه. بقي المشفى على أكتاف المقيمين وطلاب الدراسات الذين يعملون بلا مقابل يُذكر.

 

ب. تحويله من مشفى للمواساة إلى مشفى للمعاناة

الاكتظاظ : مريضان وأحيانًا ثلاثة على سرير واحد في أقسام الداخلية. 

نقص الدواء: أصبح على أهل المريض تأمين الشاش والمصل والخيوط الجراحية من خارج المشفى.

المحسوبيات : تحوّل "الدور" إلى "واسطة". والفقير الذي أُنشئ المشفى لأجله، أصبح آخر من يُعالج.

 

لقد فعل النظام السابق بالمواساة ما فعله بكل القطاع الصحي في سوريا: أهمله، ولم يجدده، وتركه يتهالك ، حتى أصبح المبنى المتهالك مرآة لوطن متهالك.

 

4. نداء الواجب: المواساة اليوم بحاجة إلينا جميعًا

 

واليوم، بعد التحرير، بدأت صفحة جديدة. هذا المشفى بحاجة ماسة إلى الدعم المالي والتجهيزات والأجهزة الحديثة لينهض من جديد. فالبنية التحتية متهالكة، وأجهزة التشخيص والعلاج إما مدمرة أو متقادمة لا تصلح لطب القرن الحادي والعشرين.

 

ونحن، كأطباء سوريين في أوروبا وفي كل أصقاع العالم، تقع على عاتقنا مسؤولية تاريخية وأخلاقية لإعادة تأهيل هذا الصرح ، فمن تعلم فيه، ومن شُفي فيه، ومن حمل اسم "طبيب سوري" بفضل أساتذته، مدين له.

 

إن الإدارة الجديدة ممثلة بمدير المشفى الحالي الأستاذ الدكتور أمين سليمان ، تعمل مع زملائها من أطباء وممرضين وفنيين ليل نهار، بإمكانيات شبه معدومة، لإعادة هذا المشفى إلى مكانته العلمية والإنسانية التي يستحقها. هم يزرعون الأمل في أرض أُحرقت، ولكن اليد الواحدة لا تصفق.

 

5. الخاتمة: فلنقف يدًا بيد... حملة لإحياء المواساة

 

إن إعادة إعمار سوريا تبدأ من إعادة إعمار "المواساة". ولهذا، علينا أن نقف يدًا بيد، ونطلق حملة وطنية ودولية لإعادة إحياء وإعمار هذا الصرح العلمي الكبير، خاصة بعد أن دمره وأنهكه النظام البائد. 

 

هي دعوة لكل طبيب سوري في المهجر، ولكل خريج من كلية طب دمشق، ولكل إنسان شريف: المواساة استقبلتكم يوم كنتم طلابًا، واستقبلت أهلكم يوم كانوا مرضى. اليوم هي تناديكم.

 

فلتكن حملة "وفاء للمواساة": بالمال، وبالأجهزة، وبالخبرات، وبالتدريب، وبالدورات عن بعد. حتى يعود اسم "المواساة" كما أراده شكري القوتلي: مواساة للمريض، وفخرًا للطبيب، ومنارة للعلم.

 

رحم الله شكري القوتلي الذي بنى، وبارك الله بكل يد تبني اليوم، وشفى الله كل مريض ينتظر أن يعود المواساة كما كان: بيت الشفاء الكبير.

 

*رئيس الجمعية الطبيه الاوربيه العربيه

 

 

مشفى المواساة الجامعي بدمشق: 80 عامًا من العطاء... ونداء لإعادة الإعمار بعد التحرير*  د. تمام كيلاني

تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

الدكتور حسان نجار… طبيب الأمة وضميرها الحي!! د. تمام كيلاني

الدكتور حسان نجار… طبيب الأمة وضميرها الحي!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! د قاسم عبد العزيز الدوسري

هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! د قاسم عبد العزيز الدوسري
بوابة دمشق

افتتاح مدرسة "عبد الله بن مسعود" في قسطون وسط فرحة غامرة من الطلاب والأهالي!! روعة سنوبر

افتتاح مدرسة "عبد الله بن مسعود" في قسطون وسط فرحة غامرة من الطلاب والأهالي!! روعة سنوبر
بوابة دمشق

ترجَّلَ الكلبُ.. ترجَّلَ!! بقلم القاص عمر ايوب

ترجَّلَ الكلبُ.. ترجَّلَ!! بقلم القاص عمر ايوب
بوابة دمشق

د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!! روعة سنوبر

د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!! روعة سنوبر
بوابة دمشق

عائلة طلاس: من وزارة الدفاع إلى قاعة المحكمة في باريس!! د. تمام كيلاني

عائلة طلاس: من وزارة الدفاع إلى قاعة المحكمة في باريس!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

من عرش القاهرة إلى موائدنا: حلوى" أم علي" !! د. تمام كيلاني

من عرش القاهرة إلى موائدنا: حلوى" أم علي" !! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

تابعونا


جارٍ التحميل...