عائلة طلاس: من وزارة الدفاع إلى قاعة المحكمة في باريس!! د. تمام كيلاني

عائلة طلاس: من وزارة الدفاع إلى قاعة المحكمة في باريس!!  د. تمام كيلاني

عائلة طلاس: من وزارة الدفاع إلى قاعة المحكمة في باريس!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

 

لم يكن اسم "طلاس" في سوريا مجرد اسم عائلة. كان لعقود طويلة مرادفًا للسلطة العسكرية، وللقصر الجمهوري، وللصفقات التي تُعقد في الظل. واليوم عاد الاسم إلى الواجهة، لا من باب دمشق، بل من قاعات القضاء الفرنسي. قضية "لافارج" وضعت العائلة أمام مرآة التاريخ، والمرآة لا تجامل.

 

1. فراس طلاس وفضيحة لافارج: المسمار الأخير

 

الفضيحة التي فجرها القضاء الفرنسي حقيقية وموثقة. فراس طلاس صدرت بحقه مذكرة توقيف دولية بتهمة "التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وتمويل الإرهاب" على خلفية صفقات شركة لافارج مع تنظيم داعش لتأمين عمل معمل الإسمنت في جلابيا بين 2012-2014. القضاء الفرنسي يعتبر أن الشركة دفعت أموالاً لداعش مقابل استمرار العمل، وكان فراس طلاس شريكًا محليًا أساسيًا في المعمل عبر شركة "تامسيل".

 

هذه القضية ضربت أي مشروع سياسي محتمل للعائلة في مقتل. فمناف طلاس، شقيق فراس، قدّم نفسه بعد انشقاقه عام 2012 كـ"ضابط منشق" و"وجه معتدل" يمكن أن يكون جزءًا من الحل. لكن السياسة لا تعترف بالفصل الميكانيكي بين الأشقاء حين يكونون شركاء بالمال والسلطة طيلة عقود. الرأي العام، وخاصة في الوسط المعارض، يرى أن "المنظومة واحدة". مذكرة التوقيف بحق فراس طالت السمعة السياسية لمناف مباشرة، سواء كان متورطًا أم لا. فالسياسة لا تعرف "البراءة الشخصية" فقط، بل تعرف "الإرث العائلي".

 

فهل انتهى مشروع مناف؟ على الأرض نعم. بعد 2015 اختفى تدريجيًا من الواجهة، ولم يعد يُطرح كاسم في أي تفاوض جدي. قضية لافارج كانت المسمار الأخير في نعش محاولات إعادة تدوير الاسم.

 

2. مصطفى طلاس: 32 عامًا على كرسي وزارة الدفاع

 

لفهم الحاضر لا بد من العودة إلى الأب المؤسس لسلطة العائلة: مصطفى طلاس. تولى وزارة الدفاع 32 سنة، من 1972 إلى 2004، وكان الذراع العسكري لحافظ الأسد بلا منازع. في عهده وقعت مجازر الثمانينات، وعلى رأسها حماة 1982. وهنا لا نتحدث بتكهنات، بل بتصريح موثق أدلى به رفعت الأسد على قناة العربية عام 2012، قال فيه إن مصطفى طلاس كان يوقع أسبوعيًا على كشوف إعدامات بالجملة.

 

كان يُلقب بين خصومه بـ"صرماية حافظ الأسد"، في إشارة إلى تبعيته المطلقة للرئيس. وبغض النظر عن القسوة اللفظية للوصف، فهو يعكس نظرة قطاع واسع من السوريين لدوره: لم يكن شريكًا في القرار، بل منفذًا مطيعًا له.

 

التقيت مصطفى طلاس في مكتبه عام 2003 مع ثلاثة زملاء لي حيث احدهم كان يعرف مدير مكتبه بحكم ان مدير المكتب من نفس القريه التي ينحدر منها زميلي طبيب النسائيه ودخلنا مكتبه وحصل التعريف ووجدت انه يكن كرها شديدا لمدينة حماه ولاهلها ولا حظت تراجع تركيزه وكثرة استطراداته وانشغاله بالحديث عن مغامراته الشخصية والنسائية على حساب الملفات العسكرية. صورة وزير دفاع أعظم جيش في المنطقة وهو ينسى سياق حديثه كل خمس دقائق، كانت بالنسبة لكثيرين تلخيصًا لمأساة البلد.

 

3. هل يخرج الابن من جلباب أبيه؟

 

هذا هو السؤال الجوهري الذي يُطرح عن مناف طلاس. والجواب لا يمكن أن يكون نظريًا، لأن مناف لم يُختبر بالسلطة الفعلية أبدًا. لكن الناس تحكم عليه بثلاثة معايير:

 

1. الإرث السياسي : ابن المنظومة يصعب أن يخرج منها. مناف تربى في بيت كان شريكًا أساسيًا بالقرار والقمع والفساد لأربعة عقود. الخروج من هذا الإرث يحتاج قطيعة حقيقية، لا بيان انشقاق فقط.

2. الإرث المالي : ثروة العائلة لم تُصنع من راتب وزير دفاع. صفقات السلاح، الوكالات الحصرية، الشراكات التجارية مع الدولة، ثم قضايا مثل لافارج، كلها تضع علامات استفهام ضخمة حول مصادر المال. والمال السياسي لا ينفصل عن الموقف السياسي.

3. السلوك بعد 2012 : مناف منذ انشقاقه بقي في "المنطقة الرمادية". لم يشكل حالة معارضة حقيقية، لم يفتح ملفات، لم يعتذر عن إرث العائلة، لم ينحز بوضوح لضحايا النظام الذي كان جزءًا منه. حاول أن يكون "مقبولًا من الجميع"، فكانت النتيجة أنه خسر ثقة الجميع.

 

لذلك استقر في الوعي الجمعي السوري، معارضة وموالاة، مبدأ "المجرب لا يُجرب". والأبناء عادة امتداد لآبائهم ما لم يثبتوا العكس بالفعل لا بالكلام. ومناف لم يثبت العكس. بل إن قضية شقيقه فراس أعادته إلى المربع الأول، وربطت اسمه مجددًا بصفقات الدم.

 

قصة عائلة طلاس ليست قصة فساد فردي، بل قصة نظام حكم. نظام قام على دمج السلطة بالثروة، وعلى توزيع البلد كإقطاعيات بين مراكز القوى. مصطفى طلاس كان أحد أعمدة هذا النظام، وفراس ومناف كانا ورثته الطبيعيين.

 

القضاء الفرنسي اليوم يحاسب فراس طلاس بالقانون. أما التاريخ، فقد حاسب مصطفى طلاس بالذاكرة. وذاكرة السوريين، وخاصة أهل حماة، لا تسقط بالتقادم.

 

ومناف طلاس يقف اليوم بين محكمتين: محكمة الرأي العام التي أصدرت حكمها، ومحكمة التاريخ التي تنتظر منه فعلًا واحدًا يثبت أنه ليس امتدادًا لأبيه. وحتى الآن، لم يأتِ هذا الفعل. رحم الله شهداء سوريا.

 

* رئيس اتحاد الأطباء والصيادلة العرب/ النمسا.

عائلة طلاس: من وزارة الدفاع إلى قاعة المحكمة في باريس!!  د. تمام كيلاني


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

تابعونا


جارٍ التحميل...