التعليم أولوية سورية الجديدة… لا نهضة بلا تحرير العقول
د. تمام كيلاني
التعليم أولوية سورية الجديدة… لا نهضة بلا تحرير العقول
د. تمام كيلاني*
على مدى أكثر من نصف قرن، كان التعليم في سورية أداة سياسية قبل أن يكون مشروعًا وطنيًا للمعرفة. منذ أن أحكم حزب البعث قبضته على مفاصل الدولة، تحولت المدارس إلى منصات لتلقين الأجيال شعارات الحزب وأولوياته، وكأن الانتماء للوطن يمر حصريًا عبر الولاء للحزب. هذا المسار الممنهج جعل العقول تتشكل داخل قوالب ضيقة، حيث التفكير النقدي مرفوض وممنوع ، والبحث الحر مثار ريبة بل شبه مستحيل والإبداع مهدد ما لم يكن موجهًا لخدمة الأيديولوجيا الحاكمة.
هذه السياسة التعليمية الموجَّهة أنتجت أجيالًا متعاقبة تعاني من فقر في أدوات التحليل، وضعف في المبادرة، وغياب في القدرة على ربط المعرفة بالواقع. كان يمكن للتعليم أن يكون قاطرة للنهوض، لكنه تحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج نفس المنظومة الفكرية والسياسية، جيلاً بعد جيل.
اليوم، ونحن أمام منعطف تاريخي، لا يمكن الحديث عن “سورية جديدة” إذا لم نضع إصلاح التعليم في صدارة الأولويات الوطنية. إصلاح حقيقي، لا شكلي، يبدأ بمراجعة شاملة للمناهج، وتحريرها من أي وصاية حزبية أو سياسية، وإعادة تعريف دور المدرسة والجامعة كمؤسسات لصناعة العقول، لا كمنابر للتعبئة الأيديولوجية.
إعادة تثقيف الشباب… مهمة عاجلة
الشباب السوري اليوم، رغم كل ما مرّ به من أزمات وحروب وشتات، ما زال يمتلك طاقة هائلة إذا ما وُجهت الوجهة الصحيحة. لكن إعادة تثقيفهم لن تتحقق إذا بقيت نفس الأدوات القديمة بيد نفس العقول التي قيدت التعليم لعقود. نحن بحاجة إلى مثقفين مستقلين، أصحاب فكر حر، يقودون عملية إعادة البناء الثقافي والفكري، بعيدًا عن منطق الولاء والاصطفاف السياسي.
على الحكومة الجديدة في سورية أن تدرك أن الاستثمار في التعليم ليس بندًا ثانويًا، بل هو شرط وجود. لا تنمية بلا تعليم حر، ولا اقتصاد قوي بلا عقول مبتكرة، ولا ديمقراطية بلا مواطن قادر على التفكير النقدي.
سورية الجديدة… تبدأ من الصف الأول
قد يظن البعض أن بناء الدولة يبدأ من قمة الهرم، لكن الحقيقة أن الهرم بلا قاعدة متينة ينهار سريعًا. وقاعدة سورية الجديدة هي التعليم. كل إصلاح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي لن يصمد إذا لم يستند إلى مجتمع واعٍ، وهذه الوعي تصنعه المدرسة والجامعة قبل أي مؤسسة أخرى.
إن تحرير التعليم من قيود الماضي هو معركة وعي لا تقل أهمية عن أي معركة سياسية أو عسكرية خضناها أو سنخوضها. فإذا أطلقنا سراح العقول، أطلقنا سراح الوطن بأكمله.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بالنمسا/ فيينا
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
سوريا بين الذاكرة والمستقبل: من الانقسام إلى فلسفة التلاقي! د. تمام كيلاني
عيد الفطر السعيد في فيينا.. تظاهرة دينية واجتماعية
الثورة السورية: من جدلية القمع إلى انتصار الإرادة التاريخية
حاكم مصرف سورية المركزي بضيافة اتحاد الاطباء العرب في فيينا!!
أتاك الدور يا دكتور: من صرخة أطفال درعا إلى سقوط الخوف!
الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...