الصحراء والطفولة المتأخرة في رواية "التبر" لإبراهيم الكوني!

الصحراء والطفولة المتأخرة في رواية
غلاف التبر

الصحراء والطفولة المتأخرة في رواية "التبر" لإبراهيم الكوني!

 

محمد رستم*

 

إذا كان حنا مينه ابن الساحل قد سخّر معظم أعماله لتصوير البيئة البحرية فإن ابن الصحراء إبراهيم الكوني قد خصّ عشرة من أعماله لرسم صورة للبيئة الصحراوية.

من العنونة نبدأ،لأنها العتبة الأولى للمروية وهي المفتاح الدلالي لكامل المنجز وقد أخذت بعداً رمزياً هنا يوسع معنى هذا الحامل ليشمل جوانب الرواية كلها وقد اعتمد الكاتب مفردة معرفة واحدة /التبر/ هذه المفردة التي تنطوي على كثافة رمزية وتعبيرية تستبطن الحالة المؤلمة والمأساوية التي انتهى إليها الأخّيد وقد قدمها الكاتب باعتبارها مبتدأ ووضع الخبر طي الكتمان ليغمّ على المتلقي معناها ولتكون أحداث المروية هي الخبر الذي يوضح لنا ما حكاية هذا التبر. وتأتي هذه الـ(أل) الجنسية التي توضح جنس هذا المعدن الأصفر الذي يقف بكل أشكاله خلف الكثير من الأحداث في المجتمع الإنساني وبحسب الأساطير إنما هو تميمة للشر والأذى جاء في المنجز (امتدت يداه إلى عرين اللعنة الكامنة في الكنوز فتلطخت يداه. والتبر هو الذهب في حالته الخام قبل أن تمسّه يد الحرفة. حيث تختلط ذراته بالتراب والشوائب وكأن الكاتب يريد أن يقول إن منجزه يتناول حالة البداوة حيث الحياة ما تزال بسيطة تجري على الفطرة والسجية. هي ما تزال خاماً في حالتها البدائية كما الصحراء التي لا يمكن إلاّ أن تكون نموذجاً للطبيعة البكر. إذن هي المشابهة بين التبر والحياة في الصحراء. وقد شكل التبر هذا انعطافة كبيرة في حركة السرد بل هو من رسم النهاية السوداوية المؤلمة والدراماتيكية الفظيعة التي آل إليها الأوخيّد. كما ظهرت الحالة البدائية كذلك في الخلطة العجيبة من الغيبيات اللاهوتية التي تبدت كشاخصات على رصيف السرد (معتقدات وثنية ـ أقوال السوفوكليس مقاطع من العهد القديم /أقوال للبيهقي ـ وجلال الدين الرومي ـ وآيات من القرآن الكريم) وهذه البداوة في المروية وإن برزت كبداوة إسلامية على الأغلب إلاّ أن الكاتب تقصّد بها بداوة إنسانية معتمداً (الأساطير ـ العهد القديم ـ التراث الإسلامي) وعقائد بدائية (الاعتقاد بالآلهة ـ تانيت) حيث كانوا يقدمون النذور لها.

وموجز الرواية أن الأوخّيد بن أخنوخن شيخ قبيلة امنغ ساتن هذا الشيخ الذي لعب دوراً كبيراً في صد هجمات الغزاة على الصحراء وبخاصة الفرنسيين وقد قدم زعيم أهجار هدية للأوخّيد (مهري) (جمل منسوب إلى قبيلة مهرة اليمنية). وقد انفرد هذا المهري بصفات فهو من سلالة نادرة (أبلق ـ رشيق ـ ممشوق القوام ـ نبيل ـ شجاع وفي) والأهم من ذلك كله أنه غزال بصورة مهري بل هو أشبه بالإنسان من حيث الاستجابة وردة الفعل. هو إنسان في صورة جمل لذا فقد صار مطلباً للكثيرين كلّ منهم يقول (نريد نسلاً من السلالة المنقرضة ـ المهاري البلقاء في إبلنا عمل ستحسدنا عليه القبائل) وهذا ما جعل الأوخّيد يتعلق به تعلقاً روحيّاً وقامت بينهما علاقة محبة وصداقة وحين أراد الشيخ أخنوخن من ابنه الأوخّيد أن يتزوج ابنة عمته (لأن الإرث حسب أعرافهم يعود لابن الأخت) لكنّ الأوخّيد رفض وتزوج من (أيور) حسناء جميلة تمتاز بجاذبية وروح مرحة لها ابتسامة سحرية وصوت عذب فأنجب منها طفلة.

لكنّ الحكاية تنحو جهة تعلق الأوخّيد بالمهري الأبلق تعلقاً مرضيّاً فهو يرى فيه صديقاً ويخاطبه على هذا الأساس (يسأله لماذا تخبئ عني؟ أعرف أنك تطير إلى محبوبتك يرد عليه المهري (أو. ع. ع.) فيضحك الأوخّيد ويستمر في مداعبته وصار الأوخّيد مثل المهري يرتحل إلى مضارب قبيلة أخرى ويغازل النساء قال له شيخ القبيلة الشيخ طربوش (شرفت ديارنا أيها النبيل سليل النبلاء).

ونتيجة لتلقيح النوق السارحة في مراعي الصحراء. أصيب المهري بالجرب، الشيخ موسى قال له شفاء جملك في آسيا (نبات) وهذا النبات مرادف للجنون فيوبخ الأوخّيد المهري (هذه نتيجة طيشك ماذا كسبت من مغامرتك ألم تسمع الشيخ موسى يقول (الأنثى أكبر مصيبة للذكر) يسبل الحيوان جفنيه خجلاً ويجيبه في ندم (أو ع ـ ع ـ) فيبتسم الأوخّيد بمرارة ويقول آه الندم الندم لا يفيد اصبر ـ اصبر فقط الحياة هي الصبر... يزحف المهري المسكين ويدس رأسه في لحاف صديقه النائم. يحيطه أوخّيد بذراعيه ويبكيان معاً وحين حلّ القحط شوى الأوخّيد حذاءه وأكله وقال للمهري إياك أن تخبر أحداً هذا سرّ فرد المهري (أ. ع...ع.).

وذهب أوخّيد بالأبلق إلى الوادي حيث العشبة الدواء وحين أكل منها أصابه مس الجنون فقطع عقاله وانطلق يعدو لكن أوخّيد كان قد تعلق بذيله فحرث الصحراء بجسده وهو معلق بالذيل. فتمزقت الثياب وتهشم الجسد وقفز إلى الهاوية الظلماء ومات وعاد إلى الحياة. وأحسّ بأن دمهما اللزج المتخثر يتمازج الآن ويختلط وهذا ما تسميه العجائز بالتآخي. عهد الوفاء الأبدي لقد ارتبطا اليوم بالدم. أخوّة الدم أقوى من أخوّة النسب. لقد كان الأوخّيد في البرزخ بين الدنيا والآخرة. فأخذه المهري إلى البئر حين كاد أن يموت عطشاً ومقابل شفاء الأبلق يشتري الأوخّيد جملاً ليقدمه كنذر للآلهة تانيت) لكن الجمل ذبح في عرس (أيور) القادمة من تمبكتو والتي تزوجها دون موافقة أبيه ومن خلال الأحلام وتفسير العرافات تبين أن تانيت تطلب المهري ثمناً للنذر لكن الأوخّيد يرفض.

ويحل القحط والجفاف والفقر في الصحراء. حتى أن عائلات بأكملها ماتت ودفنت في مقابر جماعية. قالت له زوجه لن نموت ومهري مثله يسرح أمام البيت لكن أوخّيد رفض كلامها. وقال المرأة النبيلة لا تشتهي لحم المهاري حتى لو ماتت جوعاً. لكنه رضي أخيراً برهن المهري لدودو.

وفي حالة من القلق يتساءل الأوخّيد. هل يرهن نفسه في قبضتهم بمجرد أن كل الناس تفعل ذلك ويتخلى لهم بالمقابل عن صديق الدنيا والدين.

والسؤال هنا كيف يكون المهري صديق الدين إن لم ير فيه إنساناً عاقلاً بل إن الكاتب يعطي لصداقتهما بعداً رمزياً لاهوتياً يقول: رأى صداقتهما في الزمن الأول قبل أن يولدا عندما كانا صوتاً للريح... صدى الأغنية نواح زغرودة حورية في الفردوس كيف يتخلى عن نصفه الإلهي ويقايضه بوهم الدنيا لقد وقع أوخّيد ضحية الخديعة من ابن عم زوجته الذي أقرضه المال في وقت المجاعة ولم يستطع السداد وبدأت رحلة الابتزاز من دودو أخذ منه المهري كرهن وبدأ يعذب المهري كنوع من أساليب الضغط وعندما أراد استرداده أصرّ دودو أن يطلّق الأوخّيد زوجته مقابل أن يعيد له الأبلق لأنها ابنة عمه وهو يريد أن يتزوجها لأنها حبيبته التي منعته خلافات الأقارب من الاقتران بها. ولأن آفة العقل الهوى فقد رضي الأوخّيد بطلاق زوجته. فشاع في الصحراء أنّه باع زوجته وطفلته مقابل حفنتين من التبر... وتساءل الأوخّيد هل هذا نذر تانيت؟ أم لعنة الأب؟.. كيف يصبر على شيء كهذا... إنه أكبر من العار وأسوأ من الموت.... هو لم يبع أحداً سوى قيوده... كان يسعى لأن يتحرر لقد وقع ضحيّة سهلة في الفخ الذي نصبه دودو.

وكي يمحو العار الذي ركبه ترصّد دودو فوجده يستحم في عين للماء فأطلق عليه النار... قتله ونثر فوق جثمانه الغارق في الماء حفنتي التبر التي منحها دودو له ـ فجاء أقارب القتيل من آير وانتشروا في الصحراء طلباً لرأسه هم في الأصل ورثة احتجوا بالقرابة كي يفوزوا بالثروة فعرف الصحراء لا يبيح تقاسم الثروة قبل الانتقام للقتيل رشوا الرعاة والرحل الخبراء بتفاصيل الصحراء.. الذهب الملعون قادهم إليه اهتدوا إلى مقره بآثار المهري وكي يصلوا إليه قاموا بكي الأبلق بالنار وصلت رائحة الشياط إلى أنفه وسمع صراخ الأبلق فخرج من مكمنه وذهب إليهم من تلقاء نفسه. فشدوا اليد اليمنى والرجل اليمنى إلى جمل واليد الأخرى والرجل الأخرى إلى جمل آخر.

أحرقوا أجسام الجمال بألسنة السياط. قفز أحدهم نحو اليمين والآخر في الاتجاه المضاد... وجد نفسه في البرزخ... رأى الفردوس... زغردت الحوريات وناحت الجنيات في جبل الحساونة اجتث الجمل الأيمن فخذ أوخّيد الأيمن وذراعه اليمنى أقبل البدين وفي يده لمع سيف أمسك بالرأس طار السيف في الفضاء ونزل على الرقبه... (قُتل كما انتقمت تانس من ضرتها الشريرة). (من أسطورة تانس واطلانتس)... هذه هي الصحراء... وهذه قساوتها قلوب كالحجارة لا ترق... لعل مثل هذا الشكل من الإعدام كان شائعاً عند بعض القبائل العربية.

لقد أثث الكاتب حكايته على العلاقة الخاصة بين أوخّيد والأبلق معتمداً على التاريخ والأسطورة ومفاهيم وقيم الصحراء فقد عاد إلى الجذور القديمة للطوارق مروراً بالإسلام وأخذ الكاتب يقطف من سلال الموروث الأسطوري واللاهوتي وخوابي الذاكرة ما يفيض من المأثور والمنقول ويشكل فيها خلطة عجيبة.

فبدت العلاقة دافئة نبيلة عاطفية بين الأوخّيد والمهري مقارنة بالعلاقة الباردة والخشنة بل والغلظة أحياناً بين الأوخّيد وزوجته وابنته فالأنثى هي التي جلبت البلاء للمهري وهي التي دفعته لأن يعد ويخلف ويحنث يقول:

هي جميلة حقاً ناعمة حقاً كالأفعى ولكنها تلدغ (ومن هي المرأة إنها الوهق الذي خلفه إبليس كي يجر به الرجال من رقابهم ومن هو الولد... إنه اللعبة التي يتلهى بها الأب وما هو العار إنه الوهم). وهنا يبدو الأوخّيد وكأنه أدار ظهره للعلاقة مع أسرته وقبيلته فلم تبد الأسرة هنا حاضنة إنسانية تخفف عن الأوخّيد ثقل الواقع وغائلة الفقر والحاجة بل على العكس فواقع الفقر والحاجة وعقليته المريضة جعلته يذهب إلى تسخيف المفاهيم والقيم الاجتماعية ويرى فيها قيداً ـ لقد وقع تحت حمولة من الخيبات كل ذلك لأن الأوخّيد رأى في المهري إنساناً يقول: هل رأيت أجمل منه وأنبل...؟ والنبل صفة أخلاقية تنأى عن عالم الحيوان ومن المعروف أن هناك علاقة تنشأ بيد الفارس وجواده. لكن تلك العلاقة تبقى في إطار عالمين مختلفين لا يمكن هدم الأسوار بينهما... لكن الحالة المرضية للأوخّيد والتي أسميها الطفولة المتأخرة، جعلته يرى في المهري إنساناً وصديقاً وتبدت المكاشفة الوجدانية من قبل الأوخّيد متمادية الأرداف ومتكررة في أكثر من مكان فهو مصلوب على خشبة عشقه للمهري ـ إنه تغوّل الهوس والشطط المرضي حتى بات وكأنه خارج دائرة المجتمع الإنساني (الأسرة والقبيلة) إنه صوت نشاز يشاكس ترنيمة الحياة. بل صار يعتبر إن الفضل في تحطيم قيود الحياة الزوجية والأسرة والأعراف يعود للمهري. وبالتأكيد فإن تعلقه بالمهري أوصله إلى منعطفات زلقة أخرجته من أسوار القبيلة شكل هذا التعلق فاتحة الشبهات الرجيمة فارتكب معصية مخالفة السائد (تفضيل الحيوان على الزوجة والأسرة) مما دفعه إلى لجة الموت قتلاً هذا الموت الذي جاء فظيعاً.

لذا فإننا نرى أن هناك عقدة سيكولوجية ومن آثارها حدثت التحولات السلوكية والنفسية للأوخّيد فجاءت السردية مكتظة بالغرائبية التراجيدية وبالتأكيد فإننا إن لم نُدخل الأوخّيد خانة المرضى النفسيين فإن ذلك سيعصف بمعقولية الشخصيّة. بمعنى أن الأوخّيد يعاني من حالة نفسية سببها متلازمة عشقه للمهري الذي رأى فيه كتابه الأقدس فأخذته عزة حبه الطفولي للأبلق إلى نهاية الفجيعة لذا فقد اختار وبإرادته نهايته المأساوية تحت تأثير حالته المرضية.

لقد كان الأوخّيد معتقاً بحبه للمهري وهذا الحب كان العنصر الأساس المهمين على حركة السرد. وتحت تأثير هذه الحالة لسعته عقارب الانعزالية والفردانية فمضى على سراط التغرب عن قبيلته وناسه وجسّد بسلوكه هذا المعايير الإنسانية المشوهة والناقصة فوقعت المرأة وهي الضلع القاصر والخاصرة الرخوة وقعت ضحية لهذه الحالة الشاذة.

ومن الملاحظ أن الأديب إبراهيم الكوني لم يذكر أي سبب وراء الحالة النفسية التي سيطرت على الأوخّيد فجعلته يتعلق بالمهري بينما نرى أن الكتاب يبينون الأسباب الكامنة وراء التغييرات التي تحدث لشخصياتهم فمثلاً نابكوف في روايته لوليتا يوضح العوامل الكامنة وراء شذوذ وانحراف بطله أو مرضه النفسي الذي دفعه إلى عشق الفتيات وهن في سن المراهقة (المسعورات بالشبق) كما يسميهن. ويعيد ذلك إلى حرمانه من حنان الأم وهو طفل. وللنشأة المشبوهة له. إذ تجري في عروقه دماء كثير من الأمم (أبوه سويسري ـ وأمه إنكليزية ـ والجد فرنسي والجدة نمسوية) ولعل الصدمة التي سببتها وفاة (أنابيل) حبيبته في مرحلة المراهقة قد عززت التشتت النفسي الذي أصابه وهذا قد أوقف نموّه العاطفي وشكل عقبة أمام أي غرام صادفه في سني شبابه البارد وفي رواية السراب قام نجيب محفوظ بتغطية شخصيّة (كامل) بكل ما يلزم ليبدو نموذجاً للمريض النفسي (المهزوز نفسياً) أي تأمين العوامل الخارجية من تربية ونمط حياة فقد عاش (كامل) مدللاً وأمه المطلقة والمحرومة من ولديها يقول كامل (كانت مصابة في صميم أمومتها فوجدت فيّ أنا السلوى والعزاء والشفاء) لقد أولم الكاتب كل ما يلزم للمرض النفسي يقول (أمي هي حياتي ـ وحياتي هي أمي) وكما جاء في المروية فقد ظلّ ينام في حضن أمه كطفل صغير حتى بعد أن غدا شاباً مكتمل الرجولة. وبسبب احتكار أمه له وحرمانه من اللعب مع أقرانه لسعته عقارب العزلة وحرم من دفء العلاقات الاجتماعية بل صار يرى في الآخرين أعداء. وغدا يشعر بالعجز إذ مارس عليه المجتمع الكبح بشدة فالخجل عنده متورم حد الطفح. وبات يخاف من الأنثى فانفصل عن الواقع وغدا يعيش أحلام اليقظة وكثيراً ما فكر بالانتحار. فخانه جسده تحت تأثير الخجل والخوف ودفعه عجزه إلى الإحباط ولم يتمكن من الزواج. فأمه كرمز طاهر حاضرة معه في خلوته مع زوجته. إذ لم يقدر أن ينزل الحب الطاهر إلى وحل العملية الجنسية الحيوانية وحين رسم الأديب سامر الشمالي صورة بطله (صفوان) في رواية خلف الجدران تحت الشمس بدا مشوّهاً نفسياً وأخلاقياً وقيمياً وأوضح العوامل الكامنة وراء هذا الانحراف فهو ينتمي إلى أسفل السلم الاجتماعي ومن ركنه المنغمس بقذارة السلوك اللاإنساني فأمه مومس ووالده سكير نتن يعمل حارساً لمقبرة كان يضاجع جثث الموتى لذا نشأ صفوان وعاش طفولته في المقبرة بلا أصدقاء وعندما كبر صار زبوناً للمباغي... أما الأديب إبراهيم الكوني فقد فاته أن يبين الأسباب وراء الحالة النفسية التي سيطرت على الأوخّيد وجعلته على الحالة التي تبدى فيها.

وحول المؤدى الفكري أو الهدف الإشاري الذي يجب أن ينحو جهة القيم الإيجابية. فلعل المروية هنا تريد أن تشير إلى أن من يحطم جدران الحياة الزوجية والأسرية والجماعة ينتهي إلى الضياع والموت ونلحظ كيف أن الخطاب الروائي مهموماً بوصف الصحراء وقساوة الحياة فيها حتى شكلت الفضاء الجغرافي للمنجز إذ أن مادتها الحكائية تهجس بنمط الحياة الصحراوية وقيم وأعراف البداوة حتى لتكاد الصحراء أن تشكل بطولة خاصة فتبدو مكاناً معمداً بالشقاء والحاجة والفقر في امتدادات غارقة في اليباس والصفرة والضجيج فمرايا الرواية تعكس بجلاء قسوة الصحراء ذاكرتها وحاضرها. وبينما تبدو المدينة رمزاً للتراكم الحضاري تأتي الصحراء كحالة معاكسة ومؤشر على البدائية المطلقة والخواء من كل مؤشرات التطور... إنها بيئة طاردة للحياة وليست جاذبة لها هي بحر من الرمال ولا شيء غير ذلك.

وتبرز على هامش الحياة في بيئة كهذه الأساطير والمعتقدات الجاهلية والجن والعرافون. ورد في المنجز (الصحراء الرملية لا تعد بشيء ـ الصحراء الرملية خائنة... عدم.... لا عشب... لا شجر بري ولا حيوانات برية). لذلك تقسو النفوس وتكثر غزوات الأقوياء على الضعفاء وكثيراً ما كانت قبيلة الأوخّيد تغير على الأقوام السمر داخل القارة وكان والده يتنازل عن نصيبه من الغنائم باستثناء النساء يتخذهن محظيات بل إنه تزوج عدداً منهن على سنة الله ورسوله برغم أنهن مجوسيات وكمحاولة من الكاتب ليؤكد واقعية روايته نجده يذكر أسماء كثير من الأماكن المعروفة. (الصحراء الجنوبية والشمالية ـ زورزانين ـ سحيل أباد ـ غدامس أغاديس ـ صحراء دنبابة ـ الكفرة ـ الجبل الأخضر).

كما نلحظ أن الأديب إبراهيم الكوني يعمد إلى إشاعة اللفظ الجمالي والصورة الشاعرية في سردياته.

أخيراً لقد استطاع إبراهيم الكوني أن يحقق الإرضاء الجمالي من خلال الأحداث المؤثرة في المتلقي.

 

*كاتب سوري/ حمص.


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية

 القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...

إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

تابعونا


جارٍ التحميل...