الفنان الأضحوكة!!
الفنان الأضحوكة!!
قصة: حمزة الياسين*
استيقظ "فريد"، الفنان التشكيلي ذو الآراء الحادة اللاذعة عن الفن، والمتطرف في إيمانه بفكرة الفرادة، إلى الحد الذي يجعله يحسب نفسه التمثيل الوحيد الحقيقي لها:
إنه وحده صاحب الأفكار الفنية الأصيلة، ووحده الذي ينهل من بحر أفكاره وعوالمه الجوانية العميقة الخاصة. وحده الذي يملك أفكارًا حقًا، وصاحب الخطوط المحسوبة المدروسة في أصغر تفصيلاتها.
هو، باختصار حسب إيمانه، الفنان الحقيقي الوحيد المتواجد في الكون، بل إن العالم لم يعرف قبله فنانًا حقيقيًا؛ وهذا الكون "التافه" مدين له، وينبغي عليه أن يركع ويصلي ويفتخر أنه استطاع أخيرًا أن ينجب فنانًا من طرازه.
سحب جسده، ونظر إلى لوحة مستغرقًا بالتفكير بها. تتشكل اللوحة من تمازجات بقع زرقاء وحمراء يتهيأ للناظر إليها أنها تحاول تشكيل جمجمة طفل، وفوقها بقعة سوداء داكنة تشبه شاربًا كثًا، ومن البقعة يمتد خيط أسود ليطوق "الجمجمة" وخط آخر يطوق النهاية العلوية لضربات خضراء متمايلة، تحاول تشكيل جذع امرأة بثديين ضخمين.. وكل ذلك ضمن خلفية رمادية كئيبة.
بدت له اللوحة في الليلة الماضية ناقصة: ثمة ضربة ريشة دقيقة واحدة تنقص لتعبر اللوحة عن كل الأفكار الخلاقة التي تجول في ذهنه؛ ولقد تعذب طوال الليل وهو يحدق إليها يائسًا، مستجدِيًا إيجاد المكان المناسب للضربة وشكلها.
"أجل، أجل.. وجدتها!" صرخ متحمسًا، نهض عن سريره بحركات منفعلة، واتجه إلى لوحته. أمسك ريشته وابتسم معجبًا بدهائه: "إنني لفنان حقًا!" قال هازًا رأسه: "ليست ضربة ريشة ما ينقص، بل بضع نقاط فحسب.. نقطتين حمراوين بالتحديد!"
غمس ريشته في اللون الأحمر القاني، وضع نقطة على "الشارب": "أجل، أجل.. يا للروعة!"
فكر قليلاً.. وضع نقطة أخرى تحته... تراجع إلى الوراء خطوة.. صارت رؤيته للوحة شاملة الآن: "أوووه.. إنها مثالية بالكامل.. يا للدقة والعظمة! "
ثم ها هو ذا يترك ريشته.. يشعل سيجارة كمكافأة له على براعته، ويجلس على سريره مفتتنًا مرح المزاج، يسحب أنفاسًا عميقة شرهة، ويتبسم مزهوًا.
بعد قليل من الوقت، أشعل "ف." حاسبه المحمول، وسجل دخوله على حساب "الفيسبوك" الخاص به.. فكر لبرهة بتصوير لوحته ونشرها، لكنه سرعان ما عدل عن فكرته: "البشر ليسوا أهلًا لفهم ما أرسمه بعد!"
بدأ يقلب بين الصفحات بدون اكتراث، وجعل إصبعه ينزلق بنزق، مهملًا قراءة أي شيء، ولا يتنازل ليتأمل صورة أو لوحة واحدة؛ فليس لدى البشر ما هو أهل لإثارة اهتمامه بعد.
وبينما هو كذلك، إذا به يرى لوحة بسيطة جدًا: بضع خطوط سوداء، على خلفية بيضاء بالكامل، ترقص برشاقة، وتشكل في مجموعها جذع امرأة عارٍ بصدر نافر وورك ممتلئ. استوقفَتْه اللوحة لأنها لاقت تفاعلًا كبيرًا، لكن ما جذبه إليها بالذات، تعليق بارز يشيد بالعبقرية الفنية التي تتجلى في بساطتها، وببراعة الفنان الذي خلق من مجموعة خطوط، قد تبدو عشوائية، أعمق الأفكار وأجملها.
أصيب صاحبنا بحنق خانق، واغتاظ كأن جحيمًا تَمَوْر فيه، وكأنه وجد في هذه الكلمات إهانة تُوجه إليه بالذات، وبشكل مباشر:
"لا أفهم أين يمكن أن توجد قيمة في عمل "فني" لم يستغرق خلقه دقيقة واحدة! ليست اللوحة هذه أكثر من قطعة قمامة. إنها التعبير المباشر عن الانحطاط والرداءة الفنية فحسب."
كتب ذلك، وكبس زر نشر التعليق.
فجّر تعليقه استياءً عارمًا، وسرعان ما انهالت التعليقات، مثل الرصاص، مهاجمة إياه. كان تعليقه أشبه بإطلاق الرصاصة الأولى في خط جبهة، وكما يقال في المثل الدارج "حين تقع البقرة..."
انصبت الهجمات، في المجمل، على وصفه بالإنسان الغيور الرديء، وأنه إنما يحاول، من خلال كلامه، إثارة الاهتمام والانتباه حوله، وأن الدافع وراء تحقيره للوحة هو حسد وحقد مرضي؛ لأنها لاقت من التفاعل ما لا تلقاه أعماله.
بينما تطرق أحدهم إلى الأمر من ناحية فنية وتجنب مهاجمة شخصه، مستشهدًا بكلمات لبيكاسو:
"كانت لوحة مُنجزة في لحظة؛ ولكنها لحظة حملت خبرة حياة كاملة"
وتحداه آخر أن يستطيع هو ذاته أن يخترع رسمًا مشابهًا.
ونوّه رابع إلى أن اللوحة متشكلة من حروف كلمة عربية، وأنه، رغم كونه عربيًا، لا يستطيع قراءتها.
لم يستسلم "فريد" لكل ذلك، بل ردّ الصاع عشرة، وهاجم الجميع دون استثناء.
سخر، وتحدى، ولم يتورع عن أن يحقر بيكاسو ذاته. وذهب إلى ما هو أكثر شناعة، فكشف عن غرائز عنصرية بإظهاره احتقارًا أكبر للعمل بعد أن أشير إلى أنه عربي: "لقد أشير إلى أن العمل عربي... لذاااااا!"
وراح يصور بعض أعماله وينشرها متهكمًا، ومتفاخرًا بالوقت الطويل الذي قضاه في إنجاز كل واحدة منها.
لم تستطع اللوحات، التي كانت عميقة وجميلة والحق يقال، أن تشفع له، فكلما تكلم ونشر لوحات أكثر، كلما صنع من نفسه أضحوكة أكثر، وأثار السخط والاستهزاء، وفي أحسن الأحوال، الشفقة عليه.
لقد صنع من نفسه عدوًا للجميع، ووجد متعة عظيمة في ذلك. كل كلمة تحقير تُوجه إليه تملؤه غبطة؛ وكأنها ترسيخ لحقيقته الخالدة: "إنه يطل على العالم من على قمة جبل، والبشر جميعًا يتعثرون أسفل المنحدر!"
لكنه رغم ذلك، أحس تصدعًا طفيفًا ينمو تحت قدميه..
* كاتب سوري.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
في يومها العالمي... المرأة السورية تسأل: مما تخافون أيها الرجال؟
الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...