الموريسكيون في إسبانيا دراسة تاريخية في الذاكرة والهوية والتحولات المعاصرة..!! د. تمام كيلاني
الموريسكيون في إسبانيا
دراسة تاريخية في الذاكرة والهوية والتحولات المعاصرة..!!
د. تمام كيلاني*
مقدمة
يحتل تاريخ الموريسكيين مكانة خاصة في الدراسات التاريخية الأوروبية؛ إذ يمثل نقطة التقاء بين الدين والسياسة والهوية، ويجسد واحدة من أعقد مراحل التحول في تاريخ إسبانيا. فلم يكن سقوط غرناطة سنة 1492 نهاية الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، وإنما كان بداية مرحلة جديدة اتسمت بمحاولات إعادة تشكيل المجتمع الإسباني على أساس الوحدة الدينية الكاثوليكية، وهي العملية التي استغرقت أكثر من قرن، وانتهت بطرد الموريسكيين بين عامي 1609 و1614.
ولم تكن هذه الأحداث مجرد وقائع سياسية، بل تركت آثارًا اجتماعية واقتصادية وثقافية لا تزال محل دراسة حتى اليوم. فإسبانيا الحديثة، رغم اختلافها الجذري عن إسبانيا القرن السادس عشر، ما زالت تحمل في لغتها وعمارتها وذاكرتها العامة آثار الحضارة الإسلامية، كما شهدت خلال العقود الأخيرة عودة الحضور الإسلامي في إطار الهجرة وحرية الاعتقاد، الأمر الذي أعاد فتح النقاش حول العلاقة بين الماضي والحاضر.
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تاريخية متوازنة لقضية الموريسكيين، مع إبراز دور أسرة هابسبورغ في استكمال سياسات إنهاء الوجود الإسلامي، ثم مناقشة طبيعة الحضور الإسلامي المعاصر في إسبانيا بعيدًا عن التوظيف الأيديولوجي أو القراءة الانتقائية للتاريخ.
أولًا: الأندلس… حضارة امتدت ثمانية قرون
بدأ الوجود الإسلامي في الأندلس عام 711م، واستمر حتى سقوط غرناطة عام 1492م، وهي فترة قاربت ثمانية قرون. وخلال هذه المدة شهدت مدن مثل قرطبة وغرناطة وإشبيلية وطليطلة ازدهارًا علميًا وثقافيًا جعلها من أهم مراكز المعرفة في أوروبا.
وقد أسهم المسلمون في تطوير أنظمة الري والزراعة، وأدخلوا محاصيل جديدة، وأنشؤوا مكتبات وجامعات، وازدهرت في ظلهم علوم الطب والفلك والرياضيات والفلسفة. كما أصبحت الأندلس مركزًا لحركة الترجمة التي نقلت التراث اليوناني والعربي إلى أوروبا اللاتينية، وكان لذلك أثر بارز في النهضة الأوروبية.
ولم تكن الحضارة الأندلسية حكرًا على المسلمين، بل شارك في بنائها علماء ومفكرون من المسلمين والمسيحيين واليهود، في إطار اجتماعي شهد درجات متفاوتة من التعايش تبعًا لاختلاف العصور والظروف السياسية.
ثانيًا: سقوط غرناطة وبداية سياسة التنصير
عندما سلم السلطان أبو عبد الله محمد الثاني عشر (المعروف في عبد الله الصغير وفي المصادر الإسبانية باسم بوأبديل) مدينة غرناطة للملكين الكاثوليكيين فرديناند الثاني وإيزابيلا الأولى، نصت معاهدة التسليم على حماية المسلمين وضمان حرية عقيدتهم ولغتهم وممتلكاتهم.
غير أن هذه الضمانات سرعان ما تراجعت، وبدأت حملات التنصير الإجباري بقيادة الكاردينال فرنسيسكو خيمينيث دي سيسنيروس، فتحول عشرات الآلاف من المسلمين إلى المسيحية قسرًا، وأصبحوا يعرفون باسم الموريسكيين.
وقد حافظ كثير منهم على الإسلام سرًا، فمارسوا الصلاة والصيام وقراءة القرآن داخل بيوتهم، بينما أصبحوا في نظر السلطات موضع شك دائم.
ثالثًا: أسرة هابسبورغ واستكمال مشروع إنهاء الوجود الإسلامي
( عام 1278، حصلت العائلة على دوقيتي Austria وStyria، لتصبح النمسا مركز حكمها الرئيسي)
مع انتقال العرش الإسباني إلى أسرة هابسبورغ، دخلت قضية الموريسكيين مرحلة جديدة اتسمت بتشديد السياسات الدينية.
في عهد الإمبراطور شارل الخامس (كارلوس الأول)، أصبحت إسبانيا القوة الرئيسة المدافعة عن الكاثوليكية في أوروبا، في ظل الصراع مع الدولة العثمانية والإصلاح البروتستانتي. وفي هذا السياق، عُدَّ الموريسكيون عنصرًا غير مندمج سياسيًا ودينيًا، رغم أن معظمهم كانوا يعيشون في البلاد منذ أجيال.
ثم جاء عهد الملك فيليب الثاني، فاشتدت إجراءات المنع، وشملت اللغة العربية، والملابس، والاحتفالات، والعادات الاجتماعية، كما توسعت صلاحيات محاكم التفتيش. وأدى ذلك إلى اندلاع ثورة البشرات (1568–1571)، التي انتهت بقمعها ونقل آلاف الموريسكيين من غرناطة إلى مناطق أخرى.
أما المرحلة الحاسمة، فجاءت في عهد الملك فيليب الثالث، الذي أصدر بين عامي 1609 و1614 أوامر الطرد الجماعي للموريسكيين. وقد غادر مئات الآلاف البلاد إلى المغرب والجزائر وتونس والدولة العثمانية، منهين بذلك آخر وجود إسلامي تاريخي منظم في إسبانيا.
ويرى مؤرخون مثل هنري كامن (Henry Kamen) وتريفور دادسون (Trevor J. Dadson) أن القرار كان نتاج تداخل عوامل دينية وسياسية وأمنية، أكثر من كونه استجابة لواقع اجتماعي موحد، إذ كان كثير من الموريسكيين قد اندمجوا في الحياة الاقتصادية الإسبانية، ولم يكونوا يشكلون تهديدًا فعليًا للدولة.
رابعًا: محاكم التفتيش والهوية الدينية
أصبحت محاكم التفتيش الأداة التنفيذية لسياسة التوحيد الديني، فكانت تراقب تفاصيل الحياة اليومية للموريسكيين، وتعاقب على أي ممارسة مرتبطة بالإسلام أو الثقافة العربية.
وقد وثقت سجلات المحاكم اتهامات تتعلق بالوضوء، والصيام، واستعمال اللغة العربية، والاحتفاظ بالمصاحف، وهي وثائق تمثل اليوم مصدرًا مهمًا لدراسة الحياة اليومية للموريسكيين.
خامسًا: آثار الطرد على إسبانيا
أدى طرد الموريسكيين إلى خسائر اقتصادية واضحة، خاصة في مناطق فالنسيا وأراغون، حيث كانوا يمثلون نسبة كبيرة من العاملين في الزراعة والصناعات التقليدية.
ويشير عدد من الباحثين إلى أن الدولة الإسبانية خسرت شريحة واسعة من المزارعين المهرة وأصحاب الخبرة في إدارة المياه والزراعة، وهو ما انعكس على الإنتاج الزراعي في العقود اللاحقة.
وفي المقابل، أسهم الموريسكيون في المجتمعات التي استقروا فيها، ولا سيما في المغرب العربي، حيث نقلوا خبراتهم الزراعية والصناعية والحرفية.
سادسًا: الإرث الحضاري للأندلس
رغم انتهاء الحكم الإسلامي، بقيت آثار الحضارة الإسلامية حاضرة في العمارة واللغة والثقافة الإسبانية.
ويُعد قصر الحمراء ومسجد قرطبة وبرج الخيرالدة في إشبيلية من أبرز الشواهد على هذا الإرث، كما تضم اللغة الإسبانية آلاف الكلمات ذات الأصل العربي، خاصة في مجالات الزراعة والعلوم والإدارة.
ولهذا يؤكد كثير من المؤرخين أن الحضارة الإسلامية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الهوية التاريخية لإسبانيا.
سابعًا: عودة الحضور الإسلامي في إسبانيا
مع التحول الديمقراطي بعد عام 1975، وإقرار دستور 1978، أصبحت حرية الدين مضمونة قانونيًا.
وأدى ذلك، مع الهجرة القادمة من شمال أفريقيا وآسيا، إلى عودة الوجود الإسلامي بصورة قانونية، وظهور المساجد والمراكز الإسلامية، إضافة إلى اعتناق عدد من الإسبان للإسلام.
ويختلف هذا الحضور جذريًا عن الوجود الإسلامي في العصور الوسطى؛ فهو وجود مدني وديني في إطار دولة دستورية تقوم على المواطنة وسيادة القانون.
خاتمة
تكشف قضية الموريسكيين عن تعقيدات العلاقة بين الدين والسلطة والهوية في التاريخ الأوروبي. وقد لعبت أسرة هابسبورغ دورًا محوريًا في استكمال السياسات التي انتهت بطرد المسلمين من إسبانيا، لكن تلك السياسات لم تستطع محو الإرث الحضاري العميق الذي تركته الأندلس.
واليوم، يعود الإسلام إلى إسبانيا في سياق مختلف تمامًا، يعكس قيم التعددية وحرية الاعتقاد، بينما يبقى تاريخ الموريسكيين شاهدًا على أهمية قراءة الماضي بروح علمية، بعيدًا عن التوظيف السياسي، واستلهام دروسه في بناء مجتمعات أكثر احترامًا للتنوع والكرامة الإنسانية.
المراجع
1.حسين مؤنس، تاريخ المسلمين في الأندلس، دار النهضة العربية.
2.محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، خمسة أجزاء، مكتبة الخانجي، القاهرة.
3.عبد الرحمن علي الحجي، التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة.
ثانيًا: المراجع الأجنبية
1. Harvey, L. P. Muslims in Spain, 1500–1614. University of Chicago Press.
2.Heinz Halm
Die Mauren: Geschichte und Kultur
Verlag C.H. Beck, München.
يعد هاينز هالم من أبرز المستشرقين الألمان، ويتناول تاريخ المسلمين في الأندلس والثقافة الإسلامية في الغرب الإسلامي.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
أوروبا والمسلمون… حين يصبح سؤال المستقبل أكبر من سؤال الاندماج..!! د. تمام كيلاني
من النشر إلى التأثير.. منتدى دولي في فيينا يعيد تعريف البحث العلمي!
ليس كل سوري خبرًا سيئًا… عندما تصبح الصورة الناقصة خطرًا على المجتمع..!! د. تمام كيلاني
المكتب الثقافي المصري في فيينا.. دبلوماسية ثقافية ترسّخ الحضور المصري في أوروبا!!
Persönlichkeiten, die den Weg der islamischen Präsenz in Europa geprägt haben Omar Al-Rawi … Ein Lebensweg im Zeichen von Teilhabe, Dialog und gesellschaftlicher Verantwortung
فيينا… مدينة جودة الحياة تستقبل المؤتمر الثالث والثلاثين لاتحاد الأطباء والصيادلة العرب في النمسا..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...