طه دخل الله عبد الرحمن..!! ملامحُ ناقدٍ تعلَّمَ من الحرفِ أن يُضيءَ ولا يُحرق ومن الزمنِ أن يُنضجَ ولا يُطفئ.
طه دخل الله عبد الرحمن..!! ملامحُ ناقدٍ تعلَّمَ من الحرفِ أن يُضيءَ ولا يُحرق ومن الزمنِ أن يُنضجَ ولا يُطفئ.
روعة سنوبر*
ليست هذه الصورةُ، في حقيقتها، صورةَ رجلٍ استوقفته العدسة لحظةً ثم مضت، بل هي وقفةُ معنى أمام مرآةٍ من ضوء؛ مشهدٌ تختزن ملامحُه أعوامًا من التأمل، وتفيض تفاصيلُه بما لا تقوله الكلمات إلا بعد طولِ إصغاء. فهنا لا يطلّ الوجه بوصفه تضاريسَ جسد، ولا تطلّ الهيئة بوصفها ترتيبًا للثوب، بل يطلّ الإنسان بما حمل من أسئلة، وما عبر من تجارب، وما أبقى في روحه من آثار القراءة والكتابة والإنصات إلى الناس والنصوص.
إنّ في وجه الناقد طه دخل الله عبد الرحمن هدوءَ من عرف أن الأعمار لا تُقاس بعدد الأيام، بل بما تخلّفه الأيام في القلب من بصيرة، وفي العقل من اتساع، وفي اللسان من عدل. إنّه وجهٌ لا يتعجل أن يروي حكايته؛ لأن الحكايات الكبيرة لا تُقال دفعةً واحدة، بل تُفصح عن نفسها على مهل، كما يُفصح الفجر عن ضوئه قطرةً قطرة، وكما تنفتح الوردة لا صخبًا ولا استعراضًا، بل وفاءً لسرّها الكامن في أعماقها.
وفي الجبين المقيم بين العينين ظلالُ رحلةٍ طويلة؛ كأن كلَّ خطٍّ فيه قافلةُ فكرٍ مرّت، وكلَّ تجعيدةٍ توقيعُ سؤالٍ أقام في القلب حتى صار جزءًا من هيئة الوجه. ليست تلك الأخاديدُ انحناءاتِ تعبٍ وحسب، بل مساراتُ تأملٍ، وشواهدُ احتكاكٍ صادقٍ بالحياة؛ فمن لم يتعب في سبيل الفكرة لم يعرف لذّتها، ومن لم يسهر على المعنى لم يدرك كيف يصبح للكلمة وجدان، وللعبارة ضمير، وللنقد رحمةٌ وعدل.
إن الزمن، حين يمرّ ببعض الوجوه، يُثقِلها حتى تنطفئ، وحين يمرّ بوجوهٍ أخرى، يصفّيها حتى تشعّ؛ ويبدو أن هذا الوجه من الوجوه التي مرّ بها العمر فزادها وضوحًا، لا وحشةً، وألبسها مهابةً، لا جمودًا. فالشيب الذي يتخلل الشعر ليس غبارَ خريفٍ، بل فضةُ تجربة؛ بياضٌ صاغته الليالي التي لم تكن ليلًا من السهر العابر، بل ليلًا من صحبة الكتب، ومنازلة الأفكار، ومراجعة النفس قبل مراجعة الآخرين. هو شيبُ من أدرك أن المعرفة لا تُكتسب بالتكديس، بل بالتأمل؛ وأن الكلمة لا تكتمل زينتها إلا إذا اغتسلت في نهر التجربة.
وفي العينين من الفطنة ما يجعل المرءَ يشعر أن صاحبهما لا ينظر إلى الأشياء ليحصي ملامحها، بل لينفذ إلى أسرارها. إنهما عينان لا تقفان عند القشرة، ولا تنخدعان بزخرف العبارة؛ عينان تفهمان أنّ النصّ ليس سطرًا مرصوصًا، بل نبضُ كاتبٍ، وذاكرةُ مجتمعٍ، ومرآةُ زمنٍ، وصدى سؤالٍ لا يجد دائمًا جوابًا. ولهذا لا تبدو النظرةُ نظرةَ قاضٍ يتربّص بالهفوات، ولا نظرةَ متفرّجٍ يطلب اللذة العابرة، بل نظرةُ من يقترب من الكلمات كما يقترب الطبيب من نبض مريضه: حذرًا، ورحمةً، وخبرةً، ورغبةً في أن يعيد إلى المعنى عافيته إن اختلّ ميزانه.
تلك العينان توحيان بأن النقد، في جوهره، ليس مطرقةً تهوي على رؤوس النصوص، ولا منبرًا يُقام عليه الناقد ليعلن سلطان رأيه؛ إنه فنُّ الإنصاف، وحكمةُ التمييز، وملكُ القدرة على أن تقول: هنا يضيء الجمال، وهنا يتعثر التعبير، من غير أن تظلم جمالًا لعيب، ولا تُسقط عيبًا لمجاملة. فالناقد الحقّ لا يفتش في البستان عن شوكةٍ لينكر الورد، ولا ينشغل بعطر الورد حتى يغفل عن شوكه؛ وإنما يضع كلَّ شيءٍ في موضعه، ويمنح كلَّ معنى قدره، ويجعل من الحكم جسرًا إلى فهمٍ أعمق، لا سورًا يعزل النص عن قارئه.
أما الابتسامة، فتبدو كأنها بقيةُ ضوءٍ على وجه مساءٍ هادئ؛ ليست ابتسامة من يراهن على الإعجاب، ولا من يبتاع القبول بالمجاملة، بل ابتسامة من تصالح مع ذاته، وعرف من الناس ما يجعله رفيقًا بهم دون أن يكون أسيرًا لتقلباتهم. فيها شيءٌ من تواضع العارف، وتؤدة المجرب، وطمأنينة من أدرك أن الإنسان لا يكبر بما ينتصر به على الآخرين، بل بما ينتصر به على نزق نفسه وغواية ادعائه.
إنها ابتسامة تقول، من غير كلام: إن العلم إن لم يُهذّب صاحبه صار عبئًا، وإن الثقافة إن لم تفتح في الروح نافذةً للرحمة صارت جدارًا من الترفع. وفيها من الرقة ما يخفف صرامة الفكر، ومن الرصانة ما يحفظ للرقة هيبتها؛ كأنها نقطةُ توازنٍ بين العقل الذي لا يساوم على الحقيقة، والقلب الذي لا يساوم على إنسانيته.
وتجيء هيئته في البدلة الداكنة كأنها قصيدةٌ اختارت وزنها بعناية؛ لا لون فيها يطغى، ولا تفصيل يسرق المعنى من صاحبه. السواد هنا ليس انكماشًا على الظل، بل عمقٌ يمنح الضوء الذي يجاوره قيمة؛ والقميص الأبيض، بصفائه، يبدو كصفحةٍ لم تكتبها المجاملة، وكفجرٍ صغيرٍ يشقّ غلالة المساء. أمّا ربطة العنق ذات النقوش المتناسقة، فتبدو كأنها انتظامٌ صغيرٌ في قلب المشهد، أو كأنها توقيعٌ بصريّ يوازن بين وقار الهيئة وحيوية التفاصيل.
وليست أناقته أناقةَ من يريد أن يسبق الكلام بثوبه، بل أناقة من أدرك أن الترتيب ضربٌ من احترام الذات، وأن البساطة حين تُحسن اختيار موضعها تصبح أرفع من التكلّف. ففي هندامه هدوءٌ لا يطلب التصفيق، وفي وقفته اقتصادٌ لا يطلب الإبهار؛ وكل ذلك يقول إن الرجل لا يحتاج إلى زينةٍ فائضة ليكون حاضرًا، لأن الحضور الحقيقي يبدأ حين يكون للإنسان داخلٌ عامر، ولسانٌ مسؤول، وأثرٌ لا يحتاج إلى صياح كي يُرى.
ولعل أجمل ما توحي به الصورة أنّ الرجل يبدو أقرب إلى حارسٍ أمين على شرف الكلمة منه إلى صاحب سلطةٍ عليها. فلا يلوح فيها المتعالي الذي يجعل من النقد سلّمًا إلى علوّه، ولا المتجهم الذي يظنّ الصرامة قسوةً، ولا المتساهل الذي يخلط الرحمة بالتنازل عن الميزان؛ بل يلوح ذلك المثقف الذي يعرف أن الكلمة أمانة، وأن المعنى قد يُجرح بسوء الفهم كما يُجرح الإنسان بسوء الظن، وأن النصّ لا يُنصف إلا إذا اجتمع للناقد علمٌ يضيء، وذوقٌ يرقّق، وضميرٌ يعدل.
إنّ الناقد، في أسمى صوره، لا يقف على هامش الإبداع ليُحصي عثراته، بل يسير إلى جواره ليكشف مسالكه، ويعين القارئ على رؤية ما غاب عنه، ويعين الكاتب على أن يسمع في عمله نبضًا ربما لم يكن قد سمعه بعد. ومن هنا تبدو ملامح طه دخل الله عبد الرحمن حاملةً لهذا المعنى النبيل: معنى الرجل الذي لا يجعل المعرفة سوطًا، بل يجعلها سراجًا؛ لا يجعل البلاغة حجابًا للمباهاة، بل يجعلها بابًا للفهم؛ لا يطلب من الكلمة أن تخضع له، بل يخدمها كي تبلغ مكانها اللائق في وجدان الناس.
وفي الخلفية المائلة إلى العتمة والحمرة، يتكاثف إحساسٌ رمزيّ جميل؛ كأنّها غروبٌ لا يعلن النهاية، بل يهيئ لميلاد تأملٍ آخر. فالحمرة وراءه تومئ إلى دفء التجربة، والسواد يلمّح إلى عمق المسافة التي قطعتها الروح، وبينهما يظهر الوجه كقنديلٍ لا ينازع الظلام وجوده، بل يمنحه معنى النور. إنها خلفيةٌ تجعل الحضور أشبه بخلاصة نهارٍ طويلٍ من الفكر، استراح في ساعة الغروب، لا لينطفئ، بل ليمنح الضوء هيئةً أكثر رهافة وصدقًا.
وإذا كانت الصورة تحفظ من الإنسان ظاهره، فإن هذه الصورة توحي بما هو أبعد من الظاهر: تحفظ هيئة رجلٍ حملته المعرفة إلى التواضع، وقادته التجربة إلى الرفق، وأوصلته القراءة إلى ذلك الصمت النبيل الذي لا يخلو من القول. فليس الصمتُ عنده فراغًا، بل امتلاء؛ وليس الهدوءُ غيابًا، بل حضور؛ وليس الوقارُ ثقلًا، بل خفةُ روحٍ عرفت مكانها بين الناس فلم تحتج إلى أن تثبت نفسها في كل حين.
إنه وجهٌ يجمع، في صمته، سَجْعَ الحكمة: فكرٌ لا يزهو، وذوقٌ لا يجفو، وعلمٌ لا يقسو، وقلبٌ لا يلهو. وجهٌ يقول إن الثقافة، حين تستقر في وجدان صاحبها، لا تظهر في كثرة المصطلحات، بل في حسن النظر، وعدل الحكم، ورقّة المعاملة، وجمال العبارة. ووجهٌ يذكّرنا بأن أجمل ما تصنعه السنوات ليست الشهادات ولا الألقاب، بل تلك السكينة التي تمنح الإنسان قدرةً على أن يكون عميقًا من غير تعقيد، بليغًا من غير ادعاء، كبيرًا من غير كبرياء.
وهكذا يقف طه دخل الله عبد الرحمن في هذه الصورة لا بوصفه رجلًا التقطته الكاميرا، بل بوصفه معنىً التقطته الحياة: رجلٌ من معدن التجربة، ومن ماء الحروف، ومن ضوء البصيرة. فإذا مرّت به العين توقفت احترامًا، وإذا أنصتت إليه الروح شعرت أنّ وراء الصمت مكتبةً، ووراء الابتسامة فلسفةً، ووراء الوقار قلبًا يعرف أن الكلمة إن لم تكن عدلًا وجمالًا ورحمة، فما هي إلا صوتٌ يمرّ ثم يضيع.
- مدير تحرير فن ومدن للاعلام.
الاكثر شهرة
ظل!! روعة سنوبر
ظل!! روعة سنوبر* حزينٌ هو، ولا يدري حجمَ بوحِه المسجونِ. أتراه مطرٌ أُغدقَ من عينين ش...
عودة!! نعمت الحاموش
عودة!! نعمت الحاموش* دائما تعود.. كشتاء عاصف تعود.. كقمر أيلول. عابسا تعود.. دائما تع...
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر* لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...