قراءة أدبية في نص *مداهمات للشاعرة *نجاة رجاح*..!! المستشار محمد فادي زين العابدين

قراءة أدبية في نص *مداهمات للشاعرة *نجاة رجاح*..!! المستشار محمد فادي زين العابدين

قراءة أدبية في نص *مداهمات للشاعرة *نجاة رجاح*..!!

 

المستشار محمد فادي زين العابدين*

 

 

يحمل نص «مداهمات» تجربة شعرية تقوم على رصد لحظات الاقتحام الداخلي التي يتعرض لها الإنسان في مسيرته الوجودية؛ فالشاعرة لا تتحدث عن مداهمات خارجية بقدر ما ترصد تلك الحالات التي تدخل إلى أعماق الروح فتغير ملامحها، وتعيد تشكيل علاقتها بالذات والعالم.

 

يقوم النص على تكرار العبارة المفتاحية «حين يداهمني»، وهي بنية إيقاعية ودلالية تمنح القصيدة وحدتها الداخلية. فالمداهمة هنا ليست فعلًا عدائيًا فقط، بل لحظة مواجهة واختبار؛ إذ تتحول القصيدة، والليل، والعشق، والحزن، والموت، والصمت، والخوف، والغربة، والماضي، إلى أبواب تدخل منها التجربة إلى مساحة الوعي.

 

في المقطع الأول: «حين يداهمني القصيد..

أتّشح بمصابيح القوافي

تنتصب قامتي الشعرية

وأرتدي معطفًا من حروف»

 

تقدم الشاعرة صورة الشاعر الذي لا يستقبل القصيد كفكرة عابرة، بل كحالة وجودية تمنحه القوة والهوية. فالقوافي تتحول إلى مصابيح، والحروف إلى معطف، وهي صور تكشف عن علاقة حميمية بين الذات واللغة، حيث يصبح الشعر حماية وضياء.

 

أما في مواجهة الليل: «حين يداهمني الليل..

أتمدد على عتباته

فيأتيني البحر طُوًى»

 

فنلمح انتقالًا من المشهد الحسي إلى المشهد الرمزي؛ فالليل ليس مجرد زمن، بل فضاء للتأمل، والبحر يصبح رمزًا للاتساع والغموض والاحتواء.

 

وفي مقطع العشق: «حين يداهمني العشق..

تتبدل ملامح وجهي

يعتريني الوجد

وأفتضح»

 

تظهر الشاعرة الجانب الإنساني العاري من التجربة؛ فالعشق عندها قوة تكشف الإنسان أمام نفسه، وتسقط الأقنعة، إذ يصبح الحب حالة من الانكشاف الجميل.

 

ويأتي الحزن بصورة مغايرة للمألوف: «حين يداهمني الحزن..

تعلو شجرتي

وتسمق

لا يطالها الخريف»

 

فهنا لا يكون الحزن سببًا للذبول، بل مصدرًا للنمو. إنها مفارقة شعرية تجعل من الألم طاقة حياة، ومن التجربة القاسية جذورًا تمنح الذات صلابتها.

 

أما حضور الموت في النص: «حين يداهمني الموت..

أسكن ملكوت الله

أبتهل... أتهجد...»

 

فلا يقدم الموت بوصفه نهاية مظلمة، بل انتقالًا روحيًا يحمل معنى السكينة والاستسلام للإيمان، فيتحول الخوف من النهاية إلى حالة تأمل وطمأنينة.

 

ويبلغ النص ذروته في مقطع الغربة: «حين تداهمني الغربة..

يقيم وجهي هنا

وقلبي مقيم هناك»

 

حيث تختصر الشاعرة تجربة المنفى والانقسام الداخلي في صورة مكثفة؛ فالجسد يعيش في مكان، بينما الروح مرتبطة بمكان آخر.

 

أما النهاية: «وحين تداهمني الشهادةُ..

يسيل دمي أخضرًا

ويصير لي جناحان»

 

فتفتح بابًا رمزيًا واسعًا، حيث تتحول الشهادة إلى ولادة جديدة، ويتحول الدم إلى علامة حياة، والجناحان إلى رمز للارتقاء والتحرر.

 

إن جمال نص *مداهمات* يكمن في قدرته على تحويل الحالات الإنسانية الكبرى إلى صور شعرية مكثفة، فهو نص لا يهرب من مواجهة الحياة، بل يعيد تأويلها. فكل مداهمة تصبح فرصة لاكتشاف جانب جديد من الذات، وكل مواجهة تتحول إلى لغة.

 

إنها قصيدة عن الإنسان حين يواجه نفسه، وعن الشاعر حين يحول ما يقتحمه إلى ضوء، وحين يجعل من الحرف مساحة للنجاة.

 

قراءة أدبية: المستشار محمد فادي زين العابدين/لبنان

 

 

 

 

" مداهمات "

١_ حين يُداهمني القصيد..

أتَّشح بمصابيح القوافي

تنتصب قامتي الشعرية 

وأرتدي معطفا من حروف..!

 

٢_ حين يُداهمني الليل..

أتمدد على عتباته

فيأتيني البحر طُوًى..!

 

٣_حين يُداهمني العشق..

تتبدل ملامح وجهي

يعتريني الوَجد

وأفتضح..!

 

٤_ حين يُداهمني الحزن..

تعلو شجرتي

وتسمُق

        تسمُق

لايَطالُها الخريف..!

 

٥_ حين يُداهمني الموت..

أسكن ملكوت الله 

أبتهلُ..

أتهجَّدُ..

أخيط كفني

وأحضر جنازتي..!

 

٦_ حين يُداهمني الصمت..

أغفو قليلا..

وأصحو..

أصبح أكثر قوة

لأحاصر صمتي..!

 

٧_ حين يُداهمني الخوف..

أتعوذ

أتساءل

أبحث

عن مكمن الخوف..!

 

٨_ حين تُداهمني الغربة..

يُقيم وجهي هنا

وقلبي مُقيمٌ هناك .!

 

٩_ حين يُداهمني الماضي..

أشتاق لشجر الذاكرهْ..!

 

١٠_ وحين تُداهمني الشهادةُ..

يسيل دمي أخضرا

ويصير لي جناحان..!!

 

نجاة رجاح /المغرب

 

 

* ناقد وأديب لبناني.

تعليقات


الاكثر شهرة
ظل!! روعة سنوبر

ظل!!   روعة سنوبر*       حزينٌ هو، ولا يدري حجمَ بوحِه المسجونِ. أتراه مطرٌ أُغدقَ من عينين ش...

كفارة!!

كفارة!!   سميحة عطية*   أشتهي لقاءك: بعيدةٌ عن الجميع بعناقٍ يُرهقُ أنفاسي وأنفاسك بصوتٍ...

عودة!! نعمت الحاموش

  عودة!!   نعمت الحاموش*   دائما تعود.. كشتاء عاصف تعود.. كقمر أيلول. عابسا تعود.. دائما تع...

المشهد الأخير..!! روعة سنوبر

المشهد الأخير..!!   روعة سنوبر*     لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...

تابعونا


جارٍ التحميل...