أزمة المثقف والسلطة..!! أنس بابكر محمد

أزمة المثقف والسلطة..!! أنس بابكر محمد

أزمة المثقف والسلطة..!!

 

أنس بابكر محمد*

 

منذ أن وُجدت السلطة وُجد المثقف. وعلاقة المثقف بالسلطة علاقة معقدة، لا يمكن أن تكون حيادية أبداً. فالسلطة بطبيعتها تريد الشرعية والطاعة، والمثقف بطبيعته يريد الحقيقة والحرية. ومن هنا تبدأ الأزمة

 

المثقف ليس هو صاحب الشهادات العليا، ولا من يتحدث الفصحى. المثقف الحقيقي كما عرفه إدوارد سعيد هو "صاحب موقف، يقول الحقيقة للسلطة".

 

هو ضمير المجتمع، هو الذي يرى ما لا يراه الناس، ويقول ما يخاف الناس من قوله.

 

السلطة لا تريد مثقفاً حراً، بل تريد ثلاثة أنواع من المثقفين وهم المثقف المُبرر:* الذي يحول قرارات السلطة إلى حكمة، وظلمها إلى عدل، وفشلها إلى نجاح.

 

*والمثقف المُزين:* الذي يزين واجهة النظام في المؤتمرات والمهرجانات.

 

و المثقف الصامت:* وهذا أحب نوع للسلطة، مثقف يرى ويسكت، يعرف ويتجاهل.

 

اما المثقف المصنوع لخدمة السلطة

تغريه السلطة بالمنصب، بالمال، بالظهور في الإعلام. فيبيع قلمه. وهذا ما سماه المفكرون "موت المثقف". يصبح بوقاً، ويفقد احترام الناس، وحتى السلطة نفسها تحتقره في داخلها.

اما المثقف الحر فهو الذي 

يختار أن يقول لا. ثمنه غالٍ جداً: السجن، النفي، المنع من الكتابة، التشويه. وهذا طريق الطيب صالح، ومحمد المكي إبراهيم، وكثير من مثقفي السودان الذين دفعوا ثمن كلمتهم غُربةً وتهميشاً.

ونجد ان هناك بعض المثقفين يلجاون الي العزلة و

يهرب المثقف من المواجهة، يقول "أنا لا علاقة لي بالسياسة". يكتب عن الفن للفن، عن قضايا بعيدة عن هموم الناس. وهو بذلك يخون دوره دون أن يشعر.

وان اخذت السودان النموذج وهو شانه شان كل الانظمة العربيه ذات الطابع العسكري والبوليسي ويحمل النظام مؤسسات تشريعية منتقاه بعناية وفي 

 

في السودان الأزمة مضاعفة. المثقف السوداني عاش بين سلطة عسكرية متعاقبة تريد الطاعة، وشعب يريد من يعبّر عنه.

 

كثير من الأنظمة المتعاقبة في السودان حاولت تدجين المثقف، فمنهم من قاوم، ومنهم من ساوم، ومنهم من صمت. والنتيجة كانت فقدان الثقة بين الشارع والمثقف.

 

اليوم، في زمن الحرب، الأزمة أوضح: هل المثقف هو الذي يبرر الحرب؟ أم الذي يدعو للسلام حتى لو اتُهم بالخيانة

 

لا يمكن للمثقف أن يكون محايداً. الحياد في زمن الظلم هو انحياز للظالم.

 

المثقف الحقيقي ليس مع السلطة ولا ضدها بشكل أعمى، بل هو مع الحقيقة أينما كانت. مهمته ليست أن يرضي الحاكم، بل أن يوقظ المحكوم.

 

وكما قال أنطونيو غرامشي: "كل الناس مثقفون، لكن ليس كل الناس يقومون بوظيفة المثقف".

 

*فالمثقف الذي لا يزعج السلطة، لا يفيد المجتمع.

 

* كاتب سوداني.

تعليقات


الاكثر شهرة
من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا

من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا سياقات التحول وصراع السلطة   د. تمام كيلاني*...

المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق

  المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين   فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...

"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!

  "شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!   فن ومدن*   في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...

عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار

  عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح  باب الحوار   ملاك صالح صالح*   في الكثير من البيوت العربية،...

تابعونا


جارٍ التحميل...