انبعاث!! سمية جمعة
انبعاث!!
سمية جمعة*
ها أنا ذا أقف على عتبة الباب، مثقلاً بما تبقّى من روحي، كأنني أحمل أوجاعي لأودعها في حضن رشيد، ذلك الصديق الذي افترقت عنه يوم اقتادتنا الحرب إلى مصائر متباعدة، وابتلعتنا طرق لا تلتقي. ما زالت صورة الوداع تلاحقني: السيارة تمزّق الطريق بعيدًا عن بيت عمّي، ويداه تلوّحان من خلف الزجاج، وعينا فاطمة تغرقان في دمعٍ يشبه المطر الأول بعد جفافٍ طويل.
كم من السنين مرّت منذ ذاك الرحيل؟
سنوات ثقيلة، مثقلة بالانتظار والأسئلة التي لا جواب لها. وها أنا أمام بابه من جديد، أبحث عن الكلمات الأولى، عن مدخلٍ يليق باللقاء بعد الغياب. أأحدثه عن جسدي الذي يتهاوى؟ أم عن فاطمة التي لم تبرحني؟ لا... ليس الآن. أقنعت نفسي أن ثمة وقتًا آخر، ولو كان وهماً.
حين التقت عيوننا، اشتعل في عينيه بريق غامض عند ذكر اسمها. هل علم بما كان؟ هل اخترقت إليه الحقيقة التي خبأتها؟
كم كنت أستطيع أن أقول... ولم أفعل. كنت أهرب من المواجهة، أؤجل الحقيقة كما يؤجل الموت موعده مع الحياة. أما هو، فكان دومًا صادقًا كالنور، لا يعرف التواء الظلال.
سألني رشيد، بصوتٍ يختلط فيه القلق بالحنان:
"ما بك؟"
أجبت، ووجهي يحاول إخفاء العاصفة:
"لا شيء..."
لكن في داخلي كان كل شيء ينهار. لطالما خشيت أن يخذلني الجسد كما خذلتني الكلمات، وأن يكون الصمت خلاصًا أخيرًا لا يُقال.
وخزٌ حادٌ أيقظني من شرودي. ألمٌ يشبه نذيرَ الخطيئة المؤجلة، أو عقابًا على صمتي الطويل. كنت أظن أن الحب شفاء، فإذا به داءٌ آخر يسكن الجسد والذاكرة معًا.
الموت... فكرة تسللت كهمسٍ أول، ثم ضربتني كالمطرقة. ماذا لو رحل رشيد وتركَني وحدي في مواجهة هذا الفناء؟ تاهت خطواتي، ووجدت نفسي أبحث عن الطبيب كمن يبحث عن خلاصٍ متأخر، دون أن أدرك أن رشيد يتبعني بخطاه الصامتة.
حين وصلت، كان الطبيب ينتظرني بخبرٍ لا يُحتمل. كانت كلماته كالسيف، تشقّ ما تبقى من رجائي. وقبل أن أستوعب، وجدته أمامي... رشيد، بعينين تتأرجحان بين الغضب والخذلان.
"لماذا أخفيت عني مرضك؟"
لم أجب. بماذا أبرر صمتي؟ أأقول له إنني لم أرد أن أضعه أمام عجزٍ لا يُحتمل؟ أم أنني كنت أخشى أن أُرى ضعيفًا أمام من كان قوتي؟
لكن القدر كان ينسج خيطه الأخير. فاطمة...
ظهرت كطيفٍ من زمنٍ آخر، جسدها ناحل كأحلامٍ أكلها الحنين، وعيناها تحملان شتاءً لم ينتهِ بعد. كانت بين يديها أوراقٌ ترتجف.
"ما هذه؟"
همستُ كمن يخاف الإجابة.
قالت بصوتٍ مبحوحٍ من الدموع:
"تحاليل... كنا نتابع حالتك مع الطبيب."
في تلك اللحظة، ارتجّ العالم في داخلي. شعرت بأنني عارٍ أمام حبٍ لم يمت، ووفاءٍ لم أستحقه. نظرت إليها، إلى رشيد، إلى كل ما ضيّعناه، فبدت اللحظة كأنها أبدٌ يختصر الحياة والموت معًا.
اقترب رشيد، وضع يده على كتفي، وصوته يتهدّج كصلاة:
"كليتي لك... لا تخف."
كان الضوء خلفه ينساب كرحمةٍ نازلة من السماء، بينما الأمل يتمسّك بآخر خيطٍ له، كزهرةٍ صغيرة تتشبث بالحياة على حافة العاصفة.
*كاتبة سورية.
الاكثر شهرة
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر* لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر
"بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر* في...