حين بكى الصقيع
حين بكى الصقيع
لطيفة محمد حسيب القاضي
عندما أيقظني جرس الهاتف الذي كان يرنّ بإلحاح، انتابتني عاصفة من الرعب، ذلك لأن الساعة لم تكن قد تجاوزت الثانية عشر. الصقيع والمطر المتساقط يثير جلبة ترتجف لها الأبدان. وما إن علمت بأن الاتصال جاء بالخطأ لي، لم أعد أستطيع النوم مرة أخرى. حينها، دخلت إلى المطبخ لأحضر فنجانَ قهوة ساخن. الجو في غاية البرودة، ولكنني أشعر بالدفيء. أخذت فنجاني وجلست أمام نافذتي الكبيرة المطلة على حديقة واسعة مليئة بالأشجار. بدأ الشارع الخارجي وكأنه أكثر جمالًا من ذي قبل.
أسندتُ يديَّ إلی الإطار الخشبي للنَّافذة، انصرفت بنظرةٍ حالمةٍ إلى تلك المناظر الخارجية الجميلة. كنت أرتدي معطفًا دافئًا من الصوف الأحمر الداكن، وشالًا أنيقًا ملفوفًا حول رقبتي المحتشدة. ما إن يخرج أنفي من الشال حتى يبرز بخار خفيف من قسوة البرد القارص. كنت أتأمل الحديقة الواسعة أمامي، فقد كان المنظر ساحرًا حقًا في الجو البارد؛ أشجار متناثرة الأوراق. كنت وقتها أشعر بالوحدة، ولكن كان هذا المساء مختلفًا، إذ أدركت سيدة من شرفتي، فراقبتها بصمت.
أقبلت تشق ظلمة الليل بهدوء شديد، تتقدم خطوة فخطوة رغم ارتجافها من الصقيع الذي يراودها. إلا أنها تمشي إليه، لا تعبأ بحبيبات البرد التي تتطاير وتتقاذف عليها كالسهم القاتل الغشوم. ملابسها بالية ومهترئة، في الثلاثينيات من عمرها. تلبس فستانًا طويلاً من القطن المخطط بألوان هادئة، كالبني والأخضر الفاتح، الفستان يكشف عن ذراعيها الممتلئتين، ويصل إلى أسفل الركبة بقليل. على رأسها طرحة سوداء تغطي معظم شعرها، حافية القدمين. يظهر على وجهها بعض البراءة وجمالها الهادئ والحنون.
تنظر إليه بلهفة محبة، هو قابع تحت شجرة كبيرة، أوراقها صفراء مبعثرة على الأرض. ربما يتوارى من الصقيع الذي أحاط بذراعيه القاسيتين في ذلك المكان، وفي الجهة المقابلة عمود إنارة خافتة. هو ينتظر قدومها بشوق ولهفة تكاد تحركه من مخبئه، منطلقًا إليها.
القشعريرة تسير في جسد تلك الفتاة، ورعشة سرت في أوصالها حينما بلغت إليه. حينها، وقفت أمامه بصمت ولهفة محب. لهفة يوم واحد فقط من البعد. صمت يحمل بين أضلعه لهفة، وأتساءل: هل يقدر يوم واحد أن يولد كل هذه اللهفة في قلبها؟
وقفت تنظر إليه، تقترب منه أكثر، تلتمسه بيديها المرتعشتين، تطيل النظر إليه بفضول شديد، قبل أن ترسل يديها إلى قلبه. الآن، تتلاصق معه، كلاهما يحتضن الآخر بشوق عاشق شفّه البعد. تتوسل إليه أن يهبها كل ما لديه، يغوص نصفها العلوي في قلبه لتكتشف مكنوناته.
تفتح الفتاة كيسًا تحمله معها، مُخفية إياه بين طيات ملابسها. تنتقي منه كل ما يصلح طعامًا ، وتزج بالطعام في كيسها. كانت أسارير وجهها تعبر عن الارتياح كلما ظفرت بقطعة لحم في صندوق القمامة الكبير.
كل ذلك أراقبه من خلال شرفتي، وكله كان يجرح قلبي. نظراتها الواهنة، مشيتها الحائرة، جسدها الذي يجابه حبيبات البرد القارس المتطايرة كالسهم الذي يخترق القلب، ملابسها المهترئة، وكيسها البالي.
نزلت مسرعًا وفي يدي كيسان كبيران جديدان. جمعت في الكيس الأول طعامًا من ثلاجتي، وفي الكيس الآخر بعضًا من ملابسي الجديدة لكي أعطيها الكيسين على عجل. مشيت إليها مسرعًا، وكانت وقع أقدامي على الأرض تجعلها تقطع خلوتها.
نظرت إليَّ بخجل، وبادلتها ذات الخجل. عندما اقتربت منها، وجدت وجهها البائس مثل لوحة بائسة لفنان فقير في مجتمع جائر، طاغٍ، مستبد.
أعطيتها الكيسين، نظرت إليَّ مليًا، قلبت في الكيسين جيدًا بهدوء. انحدرت على وجنتيها دمعتان، وشكرتني. انصرفتُ وأنا أشعر بحزن ودمع وخجل.
صعدت سلم البيت وكلي أسى، دخلت البيت وذهبت مسرعًا إلى غرفتي لأغلق النافذة ببطء.
الاكثر شهرة
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء..
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء.. _نحن نعمل بالممكنات.. _العالم منفتح تجاه سورية.. _ا...
اتحاد الاطباء والصيادلة العرب يفتتح مستوصف اللطامنة الطبي!!
اتحاد الاطباء والصيادلة العرب يفتتح مستوصف اللطامنة الطبي!! فن ومدن* في خطوة نوعية تعكس روح...