نور الدين الطاهري.. بين الغربة والذاكرة والكتابة!

نور الدين الطاهري.. بين الغربة والذاكرة والكتابة!

 

 

نور الدين الطاهري.. بين الغربة والذاكرة والكتابة!

 

كوثر جعفر*

 

ثمة كتّاب يحملون أمكنتهم معهم أينما ذهبوا، وتظلّ الذاكرة وطنًا آخر لا تغادره الخطى. وفي تجربة الكاتب والناقد المغربي نور الدين الطاهري، تبدو الكتابة رحلةً أخرى؛ رحلةً بين الأمكنة التي عبرها، والأزمنة التي تركت ظلالها في روحه، والإنسان الذي ظلّ يبحث عنه خلف كل ذلك.
من المغرب إلى بلجيكا، ومن التدريس والعمل الثقافي إلى الرواية والقصة والشعر والنقد، تشكّلت تجربة أدبية تتكئ على الذاكرة، وتصغي إلى الغربة، وتنحاز إلى الإنسان في هشاشته وانكساراته وأسئلته الخفية. في نصوصه، لا يبدو الوجع غايةً، بل طريقًا إلى اكتشاف ما يبقى من الإنسان حين تسقط عنه الأشياء.
يكتب عن الوطن بوصفه ذاكرةً لا تُقتلع، وعن الرحيل بوصفه جرحًا لا يعني بالضرورة الخيانة، وعن الحب بوصفه نافذةً يمكن أن تعيد للروح شيئًا من خفقها الأول. وفي قصصه وشعره، تتجاور الأمكنة والذكريات والأحلام، لتصنع عالمًا تتداخل فيه الحكاية مع التأمل، ويصبح الأدب محاولةً للإمساك بما تعجز الحياة عن الاحتفاظ به.
في هذا الحوار، نقترب من نور الدين الطاهري الكاتب والناقد، لكننا نحاول أيضًا أن نقترب من الإنسان الذي يقف خلف الكلمات؛ من تكوينه الأول، إلى الغربة والذاكرة، إلى علاقته بالكتابة، ثم إلى تلك المسافة الحميمة التي تفصل الكاتب عن نفسه، وربما تعيده في النهاية إلى الطفل الذي كانه ذات يوم.

***

س: بدأتَ من دراسة اللغة العربية وآدابها، ثم خضتَ تجربة أكاديمية في باريس، وعملتَ في التدريس قبل أن تستقر في بلجيكا. حين تنظر اليوم إلى هذه المحطات، ماذا أضافت كل واحدة منها إلى تكوينك بوصفك كاتبًا؟

ج: أضافت كل محطة في مساري بعدا خاصا ومتكاملا إلى تكويني بوصفـي كاتبا. فقد كانت الإجازة في اللغة العربية وآدابها بجامعة محمد الأول بوجدة مرحلة التأسيس الأولى، حيث تشكل وعيي بجماليات اللغة، وثراء التراث، وقوة البيان العربي. هناك تعلمت أن النص ليس مجرد بناء لغوي، بل ذاكرة وهوية وتجربة إنسانية تختزن أسئلة الإنسان وتحولاته.
أما تجربة باريس فقد مثلت منعطفا فكريا عميقا، إذ فتحت أمامي أفقا أوسع من خلال الاحتكاك بالمناهج النقدية والثقافات المتعددة. فقد منحتني الدراسات المعمقة في اللغات الشرقية قدرة على إعادة قراءة الأدب العربي ضمن سياقه الحضاري والإنساني، وعلى تجاوز النظرة الأحادية إلى فهم أكثر انفتاحا وتعقيدا للنص والثقافة.
ثم جاء التدريس بالمغرب ليمنحني علاقة حية باللغة، ويعمق لدي فن التواصل والإنصات، ويجعلني أكثر وعيا بمسؤولية نقل المعرفة وبناء الجسور بين اللغة والمتلقي. أما الاستقرار في بلجيكا فقد حول تجربة الاغتراب إلى فضاء للتأمل والإبداع، حيث التقت الذاكرة الأولى بأسئلة الهوية والانتماء والانفتاح على العالم.
وهكذا لم تكن هذه المحطات مجرد مراحل جغرافية، بل كانت مسارا تراكميا صاغ رؤيتي للغة والإنسان والأدب، وجعل من الكتابة جسرا بين الجذور والمنفى، وبين الذاكرة والحاضر، وبين التجربة الفردية والأسئلة الإنسانية الكبرى.

 

س: حين تعود إلى طفولتك، كيف يظهر وطنك الأول في ذاكرتك؟ وما الذي بقي منه في داخلك، حتى بعد أن أخذتك الحياة بعيدًا عنه؟

ج: أستعيد، حين يعود الصدى إلى مرافئ الطفولة الأولى، صورة وطنٍ تشكّل في داخلي كجذر روحي لا كمجرد مكان؛ وطنٍ احتضن بدايات الوعي والحلم والحرف. ففي مدينة أبركان المغربية، بين دروبها وذاكرتها ودفء تفاصيلها، نشأت علاقتي الأولى بالأرض والهوية، وانغرست الجذور التي رافقتني رغم الرحيل وتبدل الأمكنة.
وظل الوطن الأول حاضرًا في وجداني بعد عبور المسافات والمنافي؛ ليس ذكرى بعيدة، بل قوة داخلية تمنح كتابتي معناها، وتحفظ صلتي بمقاعد الطفولة، ورائحة التراب، وأصوات الأزقة. لقد تحولت تلك التفاصيل إلى ذاكرة مؤسسة لرؤيتي للعالم، وإلى بوصلة تهدي قلمي في مواجهة الاغتراب وتحديات التحول.
فالوطن الذي أحمله ليس حدودًا جغرافية، بل حضور روحي يسكنني؛ أعود إليه كلما احتجت إلى جذوري، ليستعيد الحرف صدقه، وتبقى الذاكرة قادرة على المقاومة والبقاء. إنه وطن لا يغادرني، لأنني أحمله في كل كلمة أكتبها دفاعًا عن الإنسان والهوية والمعنى.

 

س: في كتاباتك، يبدو الإنسان حاضرًا في لحظات ضعفه وانكساره، أكثر مما هو حاضر في لحظات انتصاره. ما الذي يجذبك إلى الإنسان في هذه المناطق الهشة من حياته؟

ج: أغوص في كتاباتي إلى أعماق الإنسان، لا بوصفه عابرًا في الحياة، بل ككائن يحمل أسئلته الكبرى وجراحه الخفية وصراعاته الداخلية. فالإنسان عندي هو محور الحكاية؛ بما يعيشه من اغتراب، وتمزق، وبحث دائم عن المعنى وسط تحولات العصر.
أهتم بلحظات الانكسار لا باعتبارها ضعفًا، بل بوصفها مساحة تكشف قوة الإنسان وقدرته على إعادة اكتشاف ذاته. فالألم عندي ليس نهاية، بل بداية للوعي، والتيه طريق نحو استعادة المعنى، والعتمة الداخلية فضاء تتشكل فيه بصيرة الروح.
ومن خلال أعمالي مثل روايتي «ترنيمة غريبة» و«تيه في رحلة الحياة» و«غياهب الوجع»، أحاول تحويل التجربة الإنسانية المثقلة بالفقد والاقتلاع إلى سؤال إبداعي يتجاوز الفرد نحو الإنسان في عمقه الكوني. فالكتابة ليست هروبًا من الجراح، بل مواجهة لها وتحويلها إلى جمال ومقاومة.
إن الحرف بالنسبة إليّ فعل إنقاذ للذاكرة، والنص وطن داخلي يحفظ الهوية من التلاشي. فالكتابة تمنح الإنسان قدرة على الترميم والبقاء، وتعيد له صلته بجذوره وسط عواصف الاغتراب والتحولات.

 

س: في «أنفاس على هامش الزمن»، كثيرًا ما يبدأ التحوّل من لحظة تبدو عابرة: صمت، نظرة، ذكرى أو انتظار، ثم تكشف هذه اللحظة شيئًا أعمق في الشخصية. ما الذي تبحث عنه في هذه التفاصيل الصغيرة حين تبني منها حكاية؟

ج: غصتُ، حين كتبتُ «أنفاس على هامش الزمن»، في المساحات الخفية خلف تفاصيل الحياة اليومية، حيث لم أتعامل مع اللحظات العابرة كآثار يمحوها الزمن، بل رأيتها نوافذ تكشف أعماق الإنسان وطبقات ذاكرته. فالتفاصيل الصغيرة؛ نظرة صامتة، انتظار طويل، أو ارتعاشة ذكرى، كانت بالنسبة إليّ علامات تختزن جوهر التجربة الإنسانية.
بحثتُ في هذه الهوامش عن المعاني المستترة خلف الوجوه والأقنعة، وعن التحولات الداخلية التي كانت تنمو في صمت بعيدًا عن ضجيج الأحداث. فقد آمنتُ أن الإنسان لم يكن يتشكل فقط في لحظات الانكسار الكبرى، بل أيضًا في المساحات الخفية التي كان يواجه فيها ذاته وأسئلته وذاكرته.
ومن خلال هذه الرؤية، جعلتُ الكتابة فعل إنصات لما لا يُقال، ومحاولة لإنقاذ اللحظات الهشة من النسيان. فالأدب لم يكن بالنسبة إليّ بحثًا عن العظمة في صخب الوقائع، بل تنقيبًا عن جمال الروح في ارتعاشاتها الدقيقة؛ حيث كانت تختبئ حقيقة الإنسان، وحيث كانت الأنفاس العابرة تتحول إلى أثر خالد في الذاكرة والوجود.

 

س: في «أنفاس على هامش الزمن»، لا يبدو الزمن مجرد إطار تمرّ فيه الأحداث، بل شيئًا يترك أثره في الشخصيات ويعيد تشكيل علاقتها بما مضى. كيف تنظر إلى علاقة الإنسان بالزمن في كتابتك؟

ج: استنطقتُ الزمن في كتاباتي لا بوصفه مرورًا جامدًا للأيام، بل باعتباره قوة خفية تعيد تشكيل الإنسان، وتكشف ما تختزنه الذاكرة من جراح وأحلام وأسئلة معلقة. فالزمن عندي كان فضاءً تتصارع فيه لحظات الفقد والبقاء، ويتحول فيه الماضي إلى حضور نابض داخل الوجدان.
وفي «أنفاس على هامش الزمن» جعلتُ الزمن مرآةً لاختبارات الإنسان وتحولاته، حيث لم يكن العمر بما مضى من سنوات، بل بما تركه الإنسان من أثر ومعنى. فالكتابة كانت فعل مقاومة للزوال، تمنح اللحظات العابرة حياة جديدة، وتحفظ ما يهدده النسيان.
لقد كان الزمن في نصوصي جسرًا بين جذور الذاكرة وتجارب الرحيل، وبين ما فقدناه وما نبحث عنه في ذواتنا. ومن خلاله حاولتُ الكشف عن قدرة الإنسان على إعادة بناء نفسه رغم الانكسارات، لأن الإنسان لا ينتصر على الفناء إلا بما يتركه من أثر، وبما تمنحه الكلمة من خلود للروح والتجربة.

 

س: أنت تكتب الأدب وتمارس النقد في الوقت نفسه. حين تكتب نصًا إبداعيًا، هل يترك الناقد الذي بداخلك مسافةً بينك وبين النص، أم أنك حين تدخل عالم الكتابة تتخلى عنه تمامًا؟

ج: زاوجتُ، في تجربتي الإبداعية، بين حساسية الفنان وبصيرة الناقد؛ فلم أفصل بين خفقان الخيال ووعي البناء، بل جعلتُ منهما حوارًا داخليًا يثري النص ويمنحه توازنه. فالناقد الذي يسكنني لم يكن قيدًا على حرية الإبداع، بل كان وعيًا جماليًا يصقل اللغة، ويكشف طاقاتها الخفية، ويمنح العبارة دقتها وعمقها.
وقد أسهم تكويني النقدي واللغوي في تعميق علاقتي بالكلمة، فأصبحت أتعامل معها لا كوسيلة للتعبير فقط، بل ككائن حي يحمل إيقاعه وظلاله وإيحاءاته. لذلك كان الناقد شريكًا في لحظة الخلق، يوازن بين حرارة الشعور وجمال الصياغة، ويحمي النص من المباشرة والسطحية.
ومع ذلك، ظل الإبداع عندي منبعثًا من صدق التجربة وحرارة الروح؛ فالعقل وحده لا يصنع أدبًا، كما أن العاطفة المجردة لا تكفي. إنما يتشكل النص الحقيقي من تآلف الوعي والجمال، ومن ذلك التفاعل الذي يولد لغة تتجاوز الفصل بين الإبداع والنقد.
هكذا كتبتُ وأنا أحمل روح المبدع ودقة الباحث؛ أترك للخيال فضاءه الرحب، وللوعي دوره في تشكيل التجربة، لتولد نصوص تجمع بين جمال الرؤية وعمق الفكر وصدق الإنسان.

 

س: تحضر المرأة في بعض نصوصك بوصفها شخصية تترك أثرًا عميقًا في الرجل، لا مجرد حضور في الحكاية. ماذا تمثل لك المرأة داخل عالمك السردي؟

ج: استحضرتُ المرأةَ في عوالمي السردية بوصفها أكثر من شخصية عابرة؛ فهي ليست زينةً حكائية أو وظيفةً داخل البناء الروائي، بل مركزًا إنسانيًا تتقاطع عنده أسئلة الوجود والذاكرة والانتماء. ومن خلالها تنكشف تشققات الروح، وآثار الاغتراب، وصراعات الإنسان مع ذاته في عالم متغير.
وفي أعمالي مثل «سارة» و«ترنيمة غريبة»، لم تكن المرأة منفصلة عن جراح الإنسان وأسئلته، بل جسّدت صلةً بين ما فُقد وما يُستعاد؛ تحمل دفء الوطن الأول، وحنين الأمكنة، كما تختزن ألم المنافي وقسوة العبور. إنها فضاء يلتقي فيه الحنين بالفقد، والأمل بالانكسار.
جعلتُ حضور المرأة طاقةً كاشفة لأعماق النفس البشرية، فهي لا تروي الحكاية فقط، بل تكشف خفاياها، وتضيء هشاشة الإنسان وأحلامه المؤجلة ومحاولاته المستمرة للنهوض. لذلك تجاوز حضورها الدور الدرامي ليصبح علامة جمالية وفكرية تختزل رحلة الإنسان في البحث عن المعنى والأمان.
فالمرأة في كتاباتي ليست ظلًا للأحداث، بل ذاكرة حيّة ورمزًا للحنين والمقاومة والجمال؛ حضورٌ يمنح النص قدرته على ملامسة ما يبقى في الإنسان بعد رحيل الأزمنة وتبدّل الأمكنة.

 

س: حين تبدأ نصًا جديدًا، ما الذي يقودك أولًا: الفكرة أم الحكاية؟
لديك أكثر من تجربة في الرواية، ماذا تمنحك الرواية ولا تمنحك إياه القصة القصيرة؟

ج: بدأتُ كتابةَ النصوص الجديدة لا من فكرةٍ جاهزة، بل من ارتعاشة داخلية كانت تسبق اللغة وتمنحها ضرورتها؛ من سؤالٍ عالق، أو جرحٍ إنساني، أو صدى ذاكرة تتأرجح بين الوطن والمنفى. ومن ذلك النبض الأول كانت تتشكل الرؤية التي تقودني إلى ما وراء الحكاية، نحو الإنسان المختبئ في طبقات الألم والتحول والانتظار.
لم تكن الشرارة الأولى في تجربتي الإبداعية حدثًا عابرًا، بل حالةً شعورية وفكرية تحولت تدريجيًا إلى بناء فني تتجاور فيه حرارة التجربة مع وعي اللغة. فالكلمة عندي لم تكن مجرد أداة للتعبير، بل كائنًا حيًّا يحمل ذاكرة وظلالًا ودلالات تتجاوز معناها الظاهر.
ورأيتُ القصة القصيرة والرواية شكلين مختلفين لجوهر إبداعي واحد؛ فالقصة القصيرة كانت لديّ ومضةً مكثفة تلتقط لحظة إنسانية عابرة وتكشف ما تختزنه من أسئلة عميقة، كما في «أنفاس على هامش الزمن»، حيث سعيت إلى الإمساك بالتفاصيل الصغيرة التي تحمل أثقال الروح وخفاياها.
أما الرواية، في أعمالي مثل «سارة» و«ترنيمة غريبة» و«تيه في رحلة الحياة»، فكانت فضاءً أوسع لاختبار الإنسان في تعقيداته وتحولاته، والغوص في أعماق الشخصيات، واستكشاف أسئلة الهوية والذاكرة والاغتراب. فقد منحتني القدرة على تحويل الصمت إلى لغة، والوجع إلى جمال، والانكسار إلى طاقة سردية مقاومة.
لهذا كانت القصة القصيرة عندي نبض اللحظة الخاطفة، بينما كانت الرواية رحلة ممتدة في أعماق الوجود؛ رحلةً حاولتُ من خلالها أن أجعل من الكلمة أثرًا يتجاوز الزمن، وأن أحول هشاشة الإنسان وتجربته العابرة إلى حضور باقٍ في ذاكرة الأدب.

 

س: في قصائدك، تتكرر محاولة الإمساك بما قد تأخذه الحياة من الإنسان: وطنه، ذاكرته، أحبته، وحتى ذلك الجزء الداخلي الذي يحاول أن يبقى واقفًا. ماذا يمنحك الشعر في مواجهة هذا الفقد، ولا تمنحك إياه الحكاية؟

ج: كتبتُ الشعر، كما تجلّى في «غياهب الوجع»، بوصفه فضاءً للبوح العميق وتحرير الذات من أثقال الفقد والحنين والانكسار. فلم تكن القصيدة عندي سردًا للوقائع، بل كانت تكثيفًا للتجربة الإنسانية في لغة تتجاوز الظاهر لتلامس جوهر الوجود.
ومنحني الشعر قدرةً على تحويل الألم إلى جمال، والجرح إلى إيقاع، والاغتراب إلى ذاكرة نابضة. ففي القصيدة استعدتُ ما فقدته، وأعدتُ ترتيب شظايا الذاكرة، ومنحتُ للأمكنة الأولى والأصوات الغائبة حضورًا يتجاوز الزمن.
كان الشعر بالنسبة إليّ فعل مقاومة للنسيان والاقتلاع، ومساحة أواجه فيها ذاتي وأسئلتي العميقة بلا أقنعة. لذلك لم يكن هروبًا من الوجع، بل إعادة خلق له؛ تحويلًا للغربة إلى معنى، وللألم إلى أثر إنساني خالد.

 

س: في «حين تصمت النوافذ» و«مرت من هنا»، تبدو المرأة أحيانًا مرآةً يكتشف الرجل من خلالها ما أخفاه عن نفسه، ويبدو الحب قادرًا على أن يعيد إليه شيئًا فقده. ما الذي تمثله المرأة والحب في تجربتك الأدبية؟

ج: انبثقت الكتابة من جرح عميق، فكان انكسار الحب الأول الشرارة التي قادتني إلى روايتي الأولى «ترنيمة غريب» (ديهيا)، حيث تحول الألم إلى إبداع، والفقد إلى أسئلة عن الإنسان والذاكرة والوجود. ومنذ ذلك الحين، ظل الحب والمرأة محورين أساسيين في تجربتي السردية؛ فالمرأة عندي ليست مجرد شخصية في الحكاية، بل مرآة للروح وفضاء للحنين والهوية، والحب ليس حالة عاطفية عابرة، بل رحلة لاكتشاف الذات ومواجهة الفقد.
وتحضر الحرب في كتاباتي بوصفها جرحا إنسانيا يتجاوز المعارك إلى ما تتركه من خوف واغتراب وانكسارات داخلية. وهنا يكمن دور الأدب؛ فهو يقول ما تعجز عنه اللغة السياسية، لأنه لا يكتفي برصد الدمار، بل يصغي إلى وجع الإنسان ويحفظ ذاكرته. فالكتابة محاولة لتحويل الألم إلى معنى، والخراب إلى شهادة، ومنح الإنسان المكسور صوتا يقاوم النسيان.

 

س: في زمن العولمة، هل أصبحت الكتابة أسهل، أم أن كثرة الأصوات جعلت مهمة الكاتب أكثر صعوبة؟

ج: فرضت العولمة على الكاتب تحديا أكبر؛ إذ لم يعد يواجه صعوبة إنتاج النص فقط، بل ضجيج الأصوات وتزاحم الكتابات في فضاء مفتوح. فالكتابة العميقة لا تُصنع من الرغبة في الحضور، بل من تجربة صادقة وتأمل عميق في الإنسان وأسئلته، ومن قدرة على تحويل الألم والوعي إلى لغة مؤثرة.
أما الكتابة السطحية فقد وجدت في سرعة النشر والتداول مجالا أوسع للانتشار، لكنها غالبا تفتقد الأثر والخلود. لذلك تبقى مسؤولية الكاتب الحقيقي أن يبحث عن صوته الخاص، لأن الزمن لا يحفظ الأكثر انتشارا، بل يحفظ النصوص التي لامست جوهر الإنسان ومنحت أسئلته معنى جديدا.

 

س: ماذا يعني لك التكريم بعد سنوات من الكتابة، وهل يصل إلى الكاتب بوصفه تقديرًا لما أنجزه، أم مسؤولية لما سيكتبه؟

ج: أستقبل التكريم بعد سنوات من رحلة الكتابة لا كغاية سعيت إليها، بل كصدى لمسار طويل مع اللغة والإنسان والذاكرة. فقد ولدت الكتابة لدي من حاجة داخلية للتعبير عن الهامش والاغتراب وأوجاع الإنسان الخفية، لا من البحث عن الأضواء أو الاعتراف.
وأرى أن التكريم الحقيقي لا يأتي فقط من المنصات، بل من ذلك اللقاء العميق بين النص والقارئ حين يجد في الكلمات شيئا من ذاته. لذلك لا أعدّه نهاية الطريق، بل مسؤولية جديدة تحفّزني على مواصلة البحث عن الحقيقة الإنسانية والجمالية، والوفاء للكلمة الصادقة بوصفها أثرا يقاوم النسيان ويمنح التجربة معنى يتجاوز الزمن.

 

س: خلف الكاتب والناقد، هناك إنسان عاش الغربة والزمن وتبدلات الحياة. ما الشيء الذي تخشى أن تفقده في نفسك، مهما تغيّرت بك الأيام؟

ج: أخشى، وأنا أتأمل مساري بين الكتابة والنقد، أن أفقد ذلك النبض الأول الذي منح تجربتي معناها؛ نبض الطفولة وذاكرة بركان ودفء المكان، ذلك الجذر الروحي الذي علّمني الإصغاء للإنسان ورؤية الجمال في التفاصيل الصغيرة.
أخشى أن تخبو في داخلي الدهشة، وأن يتحول الزمن والمنافي إلى مسافات تعزلني عن جوهر الكتابة؛ فالكاتب لا يحيا بالكلمات فقط، بل بقدرته على الإحساس والانحياز للإنسان في ضعفه وأحلامه ووجعه الصامت.
كما أخشى أن يفقد القلم وفاءه للكلمة الصادقة، وأن تتحول الكتابة إلى شكل بلا روح؛ فهي بالنسبة إليّ عهد مع الذاكرة والإنسان، ومحاولة لمنح الأصوات المهمشة حضورها ومقاومة النسيان.
لذلك أحرص على أن أبقى كاتبًا يعبر بين ضفتين: بين الجذور التي صنعتني والعالم الذي شكّل تجربتي، متمسكًا بالمعنى وسط صخب التحولات. فالمخيف ليس الابتعاد عن المكان، بل الابتعاد عن الذات وفقدان الضوء الداخلي الذي يمنح الكلمة صدقها وأثرها.

 

س: حين تعود إلى طفولتك، ما الصورة التي ما زالت تسكنك حتى اليوم، وتشعر أنها كانت، بطريقة ما، البذرة الأولى للكاتب الذي أصبحتَه؟

ج: أستعيد من أعماق الذاكرة البدايات الأولى لعلاقتي بالحرف، لا كمرحلة عابرة، بل كجذر تشكلت فيه حساسيتي تجاه العالم. فقد كانت طفولتي في فضاءات بركان، بين بساطة الأرض المغربية وهدوء الدروب والبساتين، مدرسة روحية زرعت في داخلي الدهشة والإنصات لما وراء الظاهر.
كنت أرى المكان كتابًا مفتوحًا، أقرأ في تفاصيله الصامتة حكايات لا يلتفت إليها العابرون؛ في رائحة التراب بعد المطر، وصمت الأشجار، وانحناءات الطرقات، وكل ما يبدو بسيطًا لكنه يحمل عمق التجربة الإنسانية. ومن هناك تعلمت أن المعنى لا يسكن في ما يُقال فقط، بل في ما تخفيه الأشياء من إشارات وأسرار.
لقد كانت تلك الدهشة الأولى بذرة رؤيتي للكتابة؛ حيث أصبح الهامشي دلالة، واليومي سؤالًا، والوجع مادة للإبداع. فما منحته لي الأمكنة الأولى لم يكن مجرد حنين إلى الماضي، بل تأسيسًا لرؤية رافقتني في مساري: البحث عن الإنسان خلف التفاصيل، وتحويل الذاكرة إلى لغة، والكلمة إلى مقاومة هادئة ضد النسيان والزمن.

 

السيرة الذاتية:

 

نور الدين طاهري كاتب وناقد مغربي مقيم في بلجيكا، يجمع بين الشغف العميق بالأدب والطموح البارز للبحث الثقافي. بدأ مسيرته الأكاديمية بالحصول على شهادة الإجازة في اللغة العربية وآدابها، تلاها دبلوم الدراسات المعمقة (DEA) في اللغات من باريس. عند عودته إلى المغرب، زاول مهنة التدريس قبل أن ينتقل للعيش في بلجيكا، حيث يشغل حاليا منصبا إدارياً بوزارة التعليم البلجيكية، مع مواصلة نشاطاته الأدبية والثقافية. نشر عدة مؤلفات أدبية وفكرية ونقدية، أبرزها: ببليوغرافيا منشورات نور الدين الطاهري

1- الروايات:

  • ترنيمة غريب (ديهيا)
  • تيه في رحلة الحياة ( المجلس الأوروبي العربي للفكر والترجمة، بروكسل)

- Égaré dans le voyage de la vie 

(المجلس الأوروبي العربي للفكر والترجمة، بروكسل)

- Sara 

(المجلس الأوروبي العربي للفكر والترجمة، بروكسل)

 

- المجموعة الشعرية:

  • غياهب الوجع ( منشورات النورس)

 

2- المجموعة القصصية:

  • أنفاس على هامش الزمن ( منشورات النورس)

 

3- العمل الفكري:

  • مرايا الوجود بين التفكك والتجدد (منشورات النورس)

 

4- الأعمال النقدية:

  • مرافئ الشعر بين الإلهام والإبداع ( المجلس الأوروبي العربي للفكر والترجمة)
  • أنماط الوجود: التجريد والتعبير في الفن المعاصر (منشورات النورس).

 

*كاتبة سورية/ حلب.

 

 


 

تعليقات


الاكثر شهرة
مدينتي

مدينتي روعة سنوبر*   مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه  مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...

عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار

  عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح  باب الحوار   ملاك صالح صالح*   في الكثير من البيوت العربية،...

التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا

التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن*   دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...

لا تنتقم!

  لا تنتقم! عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ*     لا تنتقم .. ترى التجاهل له انيابتنهش غروره بدون...

تابعونا


جارٍ التحميل...