سوريا لا تحتاج إلى من يحب جمالها… بل إلى من يعرف كيف يبنيها! د.تمام كيلاني

سوريا لا تحتاج إلى من يحب جمالها… بل إلى من يعرف كيف يبنيها! د.تمام كيلاني

سوريا لا تحتاج إلى من يحب جمالها… بل إلى من يعرف كيف يبنيها!

 

د.تمام كيلاني*

 

يقول مثل برازيلي جميل: «لا تطارد الفراشة مهما اشتد جمالها، أصلح حديقتك وهي ستأتي وحدها».

 

هذه الحكمة تختصر حكاية سوريا، ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

 

لسنوات طويلة، طاردنا الوعود والمساعدات والاستثمارات، بينما كانت حديقتنا تنزف من الداخل. فقد عاشت سوريا عقوداً من الفساد والمحسوبيات واحتكار السلطة، ومن سياسات اقتصادية أضعفت المبادرة الفردية، بدءاً من تطبيقات قسرية للإصلاح الزراعي والتأميم، وصولاً إلى تضخم القطاع العام وتحويل الاقتصاد إلى مساحة تتحكم بها السلطة وشبكات النفوذ.

 

ولم يكن الخراب اقتصادياً فقط؛ فقد كان الخوف سيد الحياة السياسية. مطاردات للمعارضين، واعتقالات تعسفية، وسجون ومعتقلات، وتعذيب واختفاء قسري، حتى أصبح مجرد الاختلاف في الرأي مغامرة قد يدفع الإنسان ثمنها حريته وربما حياته.

 

واليوم، بعد التحرير، لا يكفي أن نحتفل بسقوط مرحلة مظلمة؛ بل علينا أن نثبت أننا تعلمنا من دروسها.

 

لقد تحررت الأرض، والآن يجب أن تتحرر المؤسسات والاقتصاد والعقول من إرث الخوف والفساد.

 

وهذا يعني أن نبدأ ببناء دولة مختلفة، لا تعيد إنتاج أخطاء الماضي بأسماء جديدة أو وجوه جديدة.

 

أولاً: إعادة بناء الثقة قبل بناء الحجر.

 

لا يمكن أن يأتي المستثمر إلى بلد لا يطمئن فيه إلى ملكية أرضه، ولا يعرف إن كانت القوانين ستحميه أم ستتغير وفق مصالح أصحاب النفوذ.

 

نحتاج إلى قضاء مستقل، وقوانين استثمار مستقرة، وحماية الملكية الخاصة، ومراجعة عادلة لملفات المصادرة والتأميم والاستيلاء غير المشروع، بعيداً عن الظلم والانتقام.

 

ثانياً: الإنسان هو أساس النهضة.

 

لا نريد دولة تخاف من مواطنيها، بل دولة يحتمي المواطن بقانونها. نريد طبيباً ومهندساً ومعلماً ومزارعاً يشعرون أن كفاءتهم هي طريقهم إلى النجاح، لا قربهم من المسؤول.

 

نريد عودة العقول السورية المهاجرة، ولكن ليس بالعاطفة والخطابات، بل بضمانات حقيقية وبيئة مهنية تحترم الإنسان وحقوقه.

 

ثالثاً: محاسبة الماضي دون صناعة استبداد جديد.

 

لا يمكن بناء المستقبل فوق أنقاض الحقيقة. لا بد من كشف ملفات الفساد، وإنصاف أصحاب الحقوق، ومعرفة مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق القانون والمحاكمات العادلة.

 

رابعاً: اقتصاد يفتح الأبواب ولا يغلقها.

 

سوريا تملك أرضاً خصبة، وموارد طبيعية، وموقعاً استراتيجياً، والأهم من ذلك ملايين السوريين من أصحاب الكفاءات والخبرات في الداخل والخارج.

 

يمكن أن تعود الزراعة والصناعة والسياحة والصناعات الدوائية، وأن تتحول مدننا إلى ورش عمل وإنتاج. لكن ذلك لن يحدث إلا إذا انتهى الاحتكار، وأصبحت الفرص متاحة للجميع، وأصبح النجاح مرتبطاً بالكفاءة لا بالواسطة.

 

إن سوريا لا تحتاج إلى من يتغنى بجمالها من بعيد، ولا إلى من يستثمر في مآسيها، بل تحتاج إلى من يؤمن بأن بناء الدولة مسؤولية، وأن السلطة أمانة وليست امتيازاً.

 

لقد دفع السوريون إبان حكم الأسدين ثمناً باهظاً من أعمارهم وأرزاقهم وأبنائهم. ومن حقهم اليوم أن يعيشوا في وطن لا يخافون فيه من الغد، ولا يضطرون إلى مغادرته بحثاً عن الكرامة والأمان والفرصة.

 

فلنصلح الحديقة، ولنزرعها بالقانون والعدالة والشفافية، ولنحمِ الإنسان وكرامته.

 

عندها لن نحتاج إلى مطاردة المستثمرين، ولن نرجو الأطباء والمهندسين العودة، ولن نستجدي ثقة العالم.

 

سيأتون عندما يرون وطناً يستحق أن يستثمروا فيه، ومستقبلاً يستحق أن يعودوا من أجله.

 

فالفراشات لا تأتي لأننا نطاردها، بل لأنها تجد حديقة آمنة وجميلة. وسوريا بعد التحرير تستحق أن تكون تلك الحديقة.

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

تعليقات


الاكثر شهرة
هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! د قاسم عبد العزيز الدوسري

هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! قراءة د. قاسم عبد العزيز الدوسري لنص " داخل البرزخ " للكاتبة روعة س...

المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق

  المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين   فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!!   د. تمام كيلاني*   حوار في الحرية... وشها...

اتحاد الاطباء والصيادلة العرب يفتتح مستوصف اللطامنة الطبي!!

اتحاد الاطباء والصيادلة العرب يفتتح مستوصف اللطامنة الطبي!!   فن ومدن*   في خطوة نوعية تعكس روح...

تابعونا


جارٍ التحميل...