في المساء... يستيقظ فينا الألم.. !! أمل المنشاوي
في المساء... يستيقظ فينا الألم.. !!
أمل المنشاوي*
لم أمانع عندما طلب مني صديقي اللدود صحبته في رحلة قصيرة، لم أسأله عن وجهته، أطرقت قليلا ثم نهضت لأبدل ملابسي كي أذهب معه، لم أفكر في أي شيء إلا أنني أريد الذهاب بعيدا، ركبنا معا سيارته القديمة والتي رغم قدم موديلها تبدو كعروس فتية، ظللنا صامتين حتى خرجنا من حدود القرية، بعدها تكلم كلماته الأولى، قال مستنكرا
_ لم تسألني إلى أين سنذهب!
سألته بغير اهتمام
_إلى أين سنذهب؟
_لن أخبرك، سأجعلها مفاجأة.
كان يظن أنه بذلك يثير فضولي لكنني لم أهتم، رجعت بظهر الكرسي إلى الوراء وطوحت رأسي للخلف، رحت أراقب السماء من الزجاج الأمامي وهي تنطفئ شيئا فشيئا، كان الهلال صغيرا جدا فغادر السماء سريعا تاركا خلفة وشاحا أسودا رصعته حبات اللؤلؤ الفضية، تتصارع الخيالات في رأسي بغير هوادة، تركتها تتجول أمام عيني لتذكرني بأيام جاهدت أن تبقى حاضرة في قلبي لآخر العمر، مرورها يصفع ذاكرتي فيشعلها ويوقظ في قلبي الألم الذي يخدرني فأستسلم للحنين، تطرف عيناي بدموع متجمدة تخجل أن تسيل، أبتلعها رغما عني وأرسم ابتسامة بلهاء تستقبلها الحياة بملل فتجعلها تتلاشى وتنطفئ.
كانت السيارة تنهب الأرض نهبا، تكاد تطير فوق الأسفلت المصقول، دقائق غادرنا بعدها العمران وتبدل بالأسفلت أرضا صخرية مملوءة بالحصى والنتوءات، ما زال الصمت مسيطرا علينا، لم تقطعه سوى دندناته لأغنية قديمة كنا نسمعها معا.
وصلنا إلى مكاننا القديم، حيث التقينا لأول مرة ب "أم عبير" تلك المرأة اللعوب التي تعلمنا على يديها كيف نكون رجالا، لم يتغير المكان كثيرا، ماتت أم عبير وبقيت ابنتها، وبقي الكوخ شاهدا على جموحنا وجنونا.
أوقف السيارة أمام الكوخ الصغير، اتسع المقهى الملاصق له قليلا، مقهى بنيت جدرانه بأعواد القصب، يطل على البحيرة العتيقة فاتحا أبوابه لهوائها المنعش عسى أن يفيق زائروه، لكن أبدا لا أحد يفيق، تسكرهم النشوة ويقتلهم الأمل.
راح يتلفت في كل اتجاه كما لو كان ينتظر أحدا أو أن هناك من ينتظره، كان المكان خاليا رغم مظاهر الحياة فيه، فالأنوار مضاءة بالكامل كأن أصحابه غادروه لتوّهم، قال مستغربا
_أين ذهبت تلك الحمقاء؟
قلت هازئا
_أبُعثت أم عبير من الموت وباتت تنتظرنا.
ضحك عاليا وقال
_أما زلت تذكر... قلبك أسود. قالها وهو يلكزني في صدري ممازحا، فتح باب السيارة متعجلا
_انزل انزل، أمامنا سهرة كأيام زمان
أخرج من حقيبة السيارة بساطا مطويا وزجاجات مياه غازية وبيرة، كذلك بعض الطعام والفاكهة، ساعدته في تجهيز القعدة ثم تمددت فوق البساط عاقدا ذراعي تحت رأسي أنظر نحو السماء، فعل مثلي وتمدد بجانبي، سألت بأسى
_ أكانت تحبني حقا؟
_من هي؟
_أم عبير
رفع رأسه واستند على كوعه وراح ينظر إلي مستنكرا، بدا وجهه على ضوء المصابيح القادم من المقهى المهجور كوجه شيطان غاضب، قال معنفا
_ أيها الغبي، أما زلت في خيالاتك الحمقاء
_ لا تحتقر مشاعري.
_مشاعرك!... قل حماقاتك، تفاهاتك، سذاجتك.
لم أردعه عن شتمي ولم أحوّل ناظري عن وجهه القبيح كأنما أستمتع بتأنيب روحي، استمر في لومه
_ أتحب امرأة في عمر أمك؟
_ لا تنكر أنك أحببتها مثلي!
_ لست غبيا مثلك، كنت أتسلى... كنا مراهقين لا يتعدى أحدنا السبعة عشر عاما، وكانت كما تعلم، افهم أيها الغبي.
أشحت بوجهي ناحية البحيرة منهيا الحديث، كذلك هو آثر الصمت على كلام بلا فائدة، استلقى من جديد وحملق في السماء.
كان صوت الأمواج السوداء مخيفا، وخيالاتي السخيفة أحكمت قبضتها على قلبي فتسلل إليه رعب خفي، على ضوء المصابيح لمحتها هناك، تسير فوق الماء مقبلة نحوي، تحمل بين يديها طفلا صغيرا، يتقاطر الماء من شعرها وثوبها، كانت جميلة كما كانت في تلك الليلة التي أخبرتني فيها أنها تحمل بذرتي بين أحشائها، حينها... خرج الطفل الذي حاولت قتله بداخلي وأستبدل به رجلا، ارتعدت بغير إرادة مني، حاولت أن أبدي تماسكي لكن صوتي خانني فخرج مرتعشا خائفا، نهرتني بعنف
_ استرجل وتحمّل خطيئتك.
ابتلعت غصة في حلقي وقلت بصوت اجتهدت أن أجعله غليظا
_أنا رجل.
في البيت كنت أبكي من الخوف، لا أدري ماذا أفعل، ماذا أقول لأبي؟ تمنيت لو تموت طاوية سري معها للأبد، تخيلتها تغرق في البحيرة، تستنجد بي فلا أنجدها، ورحت أراقبها من بعيد والموج يبتلعها في صمت.
في اليوم التالي أخبرني صديقي أنها ماتت، لم أسأله كيف، خفت من الجواب!
تبددت صورتها حين قال
_ أأخبرك سرا!
التفت نحوه ولم أجب، قال بأسف
_ كانت تحمل بذرتي في أحشائها.
سكتُ... وسكت الموج من حولي.
بعد ساعة كنا نأكل ونشرب ونثرثر في أمور أخرى،لم نشعر بمرور الوقت، ضحكنا ،صرخنا في وجه العالم، قفزنا، سبحنا في الماء الأسود والبارد، رمينا بعضنا بالحصى والرمال، عدنا كما كنا في أول لقاء... أطفالا كبارا أو ... رجالا صغارا.
تسلل ضوء الفجر على مهل فجمعنا أغراضنا كي نرحل، رأيتها من جديد تجلس على باب الكوخ بكامل زينتها تمسك سكينا تمزق به خيوط شبكة صيد ، صاح من داخل السيارة
_اركب، نريد أن نعود قبل شروق الشمس.
تبددت صورتها على صيحاته، ركبت متثاقلا، يلهبني سؤال أحمق... هل أحبته هو أيضا؟.
ساد الصمت من جديد بيننا، والسيارة تنهب الأرض بلا هوادة، كان الطريق خاليا فزاد من سرعتها، الهواء البارد ملأ رئتي فأخذت نفسا عميقا وأغمضت عيني ورحت أتخيل من جديد، رأيته يتوقف على جانب الطريق، ينزل من السيارة حاملا زجاجة فارغة، يعبر الطريق متجها نحو مبرد ينتصب على الجانب الآخر، شرب... ملأ الزجاجة وعاد باسما كي يسقيني، لم ينتبه أحدنا لسيارة النقل الكبيرة القادمة من الأمام، ثم... صوت مكابح و صوت ارتطام.
فتحت عيني بسرعة فإذا بنا قد اقتربنا من مدخل القرية، تداخل صوت ضربات قلبي السريعة مع دندنته بالأغنية ذاتها، استعذت بالله من شر هواجسي، توقف فجأة على جانب الطريق، سألته
_ ماذا حدث؟
أشار لي بزجاجة فارغة كانت بجواره وقال:
_ أريد أن أشرب!
* كاتبة مصرية.
كلمات البحث
الاكثر شهرة
بلاد الوهم!! فائزة القادري
بلاد الوهم!! فائزة القادري* سئمنا من أباطيل السّياسةْ من التّجار من ناس وساسةْ من...
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار ملاك صالح صالح* في الكثير من البيوت العربية،...
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن* دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...
حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد
حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد* ثمة شيء لن تجدهُ في تقارير مراكز الأبحاث، ولن...