للشمس ألف حجاب!! فاطمة عيسى قراجه

للشمس ألف حجاب!!  فاطمة عيسى قراجه

للشمس ألف حجاب!!

 

فاطمة عيسى قراجه*

 

 

فك الرجل الملتحي قيدها وجلس على كرسي يقابلها بعد أن وضع الطعام...لملمت المرأة نفسها وتكومت أكثر على الأرض العارية إلا من قهرها...قالت بصوت متحشرج:

-أين رفاقي؟؟؟

نظر إليها نظرة لؤم وقال:

-لقد دفعت آخر فدية وذهب كل منهم إلى بيته دون أن يمسسهم الضر .

-انتفضت كدجاجة قائلة:ماذا تقصد؟

-لازال أبوك على عناده...سأسمعك صوته في آخر اتصال أجريناه معه...

(آخر اتصال):

-ليتني لم اسمع صوتك مدى الحياة يا أبي...

دارت البنت على نفسها كحلزون مجروح...لم تصدق أن أباها يطالب بذبحهاو رميها للكلاب الشاردة بحجة عدم تصديقه أنهم ممكن أن يردوها له دون أن يمسها السوء ولو دفع الفدية....

بكت المرأة كما لم تبك زليخة يوما...

وهي تدور بفلكها الضيق وكأنها في أمل التيه المخادع وليس من فرجة نور...قتلها أخوها حين قال لهم : لقد ماتت ابنتنا حين اختطفت ...لا تعذبوا أنفسكم ...سنغير أرقامنا وننسى ما جرى...

سقطت ربا على نفسها...رأسها فوق يديها... يداها فوق أرض خاوية إلا من البرد والقيح...خرج أنينها مزعورا :

-ماذا فعلت بكم حتى تنبذونني بهذه الوحشية؟؟؟

أبي أرجوك أغثني...

طاول عويلها السماء...نهرها الشاب الذي يراقب تخبطها كذبيحة...ابتلعت المرأة نحيبهاوعادت للجلوس منكمشة على ذاتها...التصقت بالجدار الصقيعي...

-آه لو للأرض فاه كبيرة...

(للأرض فوه):

لو تبتلعها... الآن فقط أدركت ضآلتها كيف تعيش في هذا العالم المجحف؟؟؟صمتت ربا عن كل شيء...نشب الصراع بينها وبين أبيها فبدأت بالدوران...

(بدأت بالدوران):

من قال إن الدوران بحاجة إلى طربوش ورداء أبيض ...لا تعلم مع من اتحدت روحها مع الملائكة أم مع الشياطين...

المهم كيف تقتل هذا الرجل الذي يجلس أمامها بكل عنصريته... يتجسس على أنفاسها...

أوقفها الرجل مجددا عن دورانها المسكون بالخيبة حين قال:

-لم تسأليني..لماذا أنا معجب بك؟

سكنت حتى أنفاسها...لكن ضجيج قلبها يكاد يفجر صدرها...صاح بها:

-قولي شيئا...

-....لم ترد...

نهض من مكانه ...جلس القرفصاء...أمسك بيديها ليبعدهما عن وجهها قائلا:

-قولي شيئا....نحن لسنا إرهابيون ...نحن نتصيد رزقنا في هذه الحرب الضالة...

رشقته بنظرة نارية كأنها ستقتلع فلبه صارخة في وجهه :

وأنا ما ذنبي ؟ماذا يمكن أن أفعل وأنا عزلاء ؟لو كان لدي سلاح كنت قتلتكم جميعا...

نظر إليها متعاطفا: أجل قولي ما تشائين...فأنت ذئبة حقيقية...

هجمت عليه للمرة السابعة ناشبة أظفارها في وجهه قائلة:

-أتسخر مني أيها الجلاد ؟

رمته على الأرض وهي تضربه...

(تضربه) :

كانت ضرباتها أوهى من عنكبوت تثبت شباكها على جدار بارد ظانة أنها تدمي الرجل ...دخل رفاقه رفعوها عنه مرحين...هازئين...لكنه أخرجهم من الحجرة التي تشرق عليها شمس اليوم...

(شمس اليوم):

اتخذت الشمس لقطة للنافذة الصغيرة...كانت ذات بعدين يلتقيان في نقطة باهرة الضوء....عند الظهيرة تعمقت الشمس في بعدها الثالث لتصور مشهدا أحادي الجانب ،فدخلت في عمق النافذة كاشفة عن إمرأة متحلزنة ...غير قادرة على الدخول في قوقعتها لتحمي نفسها من ظلمة المكان والزمان...

صرخت:هاتوا الكفن...النافذة كالقفص والباب مدرع...والأمل...

(الأمل):

استدار الرجل للخروج...أوقفته بصوتها السجين :

-إلى أين ؟أرجوك اقتلني...فرغ مخزن سلاحك في رأسي...نظر إليها مشفقا وقال:لا تخافي لا أحد غيري معه مفتاحا لهذه الغرفة...نامي قريرة العين....

(قريرة العين):

انسحبت مربعات الشمس المضيئة واتسعت بقع العتمة...أسبلت ربا يديها...فردت ساقيها...جفت دموعها...وتحولت إلى آذان صاغية...لقد أدرك الجميع أنها ريشة في مهب الضياع حتى حبيبها الذي غامرت لأجله وجاءت إلى الجامعة لتلتقيه لم يسأل عنها...تقتلها الهواجس والبرد يتجول في المكان كوحش خرافي ، والجوع كافر ،وشرنقة الذكورة تغلفها بنجاسة الاختطاف...

(الاختطاف):

كيف خرجت في ذلك اليوم بالتحديد ؟كانت ذريعتها لتلاقي حبيبها في جامعة البعث ...لماذا قررا الصعود في تلك الحافلة؟كانوا أربع فتيات وشابان حبيبها أحدهم اختطفوا جميعا والبارحة عادوا إلى ذويهم بعد أربعين يوما إلا أنا...

(إلا أنا):

مدللة أبي ...يرفض وجودي ...رفض دفع الفدية والمال بحوزته...لو كان المختطف أحد اخوتي هل سيقول اذبحوه وارموا به للكلاب الضالة؟؟؟

صرخت متضرعة..

.متخبطة كدجاجة انتزع وريدها...ثم سكنت عن كل حركة... قد يتذكروا وجودها...

(وجودها):

ومن يعنيه وجودها؟أمها ماذا تفعل؟

صفعها الأب حين انتزعت الجوال من يده لتكلم خاطف ابنتها...هجرت الأم الزوج كما هجرت الحياة حيث قرروا عدم افتداء البنت...سقطت في عتمتها حاقدة على هذا العالم الذي يحكمه رجل شاذ عقليا وجنسيا...حقدت على أولادها الذين لم ينجدوا أختهم...

(أختهم):

التي لا تعلم أن أسرتها تفككت وأن قوة قطيعها من الرجال خلبية مرهونة بشرفها...حطمهم الاختطاف وكأنهم قلعة من الرمال هاجت عليها المياه فسحبتها إلى عمق الغياب وزحفوا كضفادع مريضة...(فاطمة قراجه)

زحفت ربا نحو حشية مفروشة كسلحفاة عمياء تتلمس طريقها بيديها المقرورتين....

سحبت الغطاء على جسدها المرتجف خوفا...رغم أمطار كانون التي تسوط الأشياء بمطرها البارد ...كأنها تغسل العقول لتطهرها....

(تطهير):

نامت ربا وهي تحلم بتطهير الشاب...لعله بابها الوحيد للولوج من هذا الوكرالذي لا تستطيع تحديد جغرافيته فهي لا تعرف إن كانت لا تزال في مدينتها أم لا ....

ستحاول تقديم النصح له بأن يكف عن الاتجار بالناس ويعود إلى انسانيته متطهرا من أدرانه...ولن تعود إلى أبيها الذي رفض وجودها حية ترزق...

(حية ترزق) :

حلمت ربا بطرق كثيرة للفرار...حلمت بأيدي أمها الفضية وهي تسرح شعرها العسلي تتخلل الخصلات الناعمة...تلامس أذنيها الصغيرة ...ورود خديها...تنزلق على عنقها الأبيض ...دافئة حنونة كما في كل مرة...

صعدت الشمس درجاتها الأولى ناشرة خيوطها الواهنة على المدى المغسول بالأمطار...لكن شمس ربا لم تشرق بعد...

لا زالت في تيه الدوران .

    

 

* كاتبة سورية/ حمص.

 

 


كلمات البحث

تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

أمسية قصصية في دمشق بذكرى النكبة الفلسطينية !! عمر سعيد

أمسية قصصية في دمشق بذكرى النكبة الفلسطينية !! عمر سعيد
بوابة دمشق

كيف يصنع الرجال المجد؟ وكيف تبتلعهم السياسة!! د. تمام كيلاني

كيف يصنع الرجال المجد؟ وكيف تبتلعهم السياسة!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر

إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر
بوابة دمشق

"نهاية الرحلة" بداية تالية تسطرها معاني سليمان!! مصطفى العقاد

"نهاية الرحلة" بداية تالية تسطرها معاني سليمان!! مصطفى العقاد
بوابة دمشق

حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد

حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد
بوابة دمشق

كيف ينظر الإنسان إلى الزمن..؟ د. تمام كيلاني

كيف ينظر الإنسان إلى الزمن..؟ د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

من باب اللغة تدخل "نجاة" وطن الخزامى!! الأديب شاهر خضرة

من باب اللغة تدخل "نجاة" وطن الخزامى!! الأديب شاهر خضرة
بوابة دمشق

الطبّ الذي لا يُدرَّس في كليات الطب !! د. تمام كيلاني

الطبّ الذي لا يُدرَّس في كليات الطب !! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...