من أشعل الحريق؟

من أشعل الحريق؟

من أشعل الحريق؟

 

معاني سليمان*

 

 

عندما أفكّر فيما حصل، أجده وحده المسؤول عمّا حدث ..

صديقي سامر... مشعل الحرائق المجنون!

 كان يراقبهم وهم يستغيثون طالبين النّجدة وهو يضحك بجنونٍ ويستمتع بمنظر جثثهم المتفحمة!!

بدأ الأمر في أحد ليالي أكتوبر الخريفيّة، كنت أدخن السيجارة في موقف السيارات، بعد أن أنهيت تدريبي في النّادي الرياضيّ.

كانت تلك اللّيلة هي التي غيّرت حياتي إلى الأبد، قابلته صدفةً في المرآب، طلب ولاعةً ناولته إيّاها، شكرني... تعارفنا، أشعل سيجارته وأخذ نفساً طويلاً، بادرني...

هل تعلم، التحقت هنا مثل الجميع لأنفّس عن غَضبي، لأركلَ كيس الرّمل بقوّة، لكنني في إحدى المرّات اكتشفت أنّ من أريد ركله حقاً هو مديري المُتعجرف الذي أهانني وقلّل منّي، لأنّني وصلت متأخراً عن العمل، رغم أن بقيّة الموظفين يفعلون هذا، لكنّه بدلَ تنبيههم، يقف ليتبادل معهم النّكات، ويضحكون بصوتٍ عالٍ.

لذا قرّرت أن أستردَ كرامتي، في إحدى اللّيالي وكعادته كان يعمل متأخراً في المساء، أغلقتُ باب المكتب بالمفتاح، وقطعت خطوط الهاتف، ثمّ تركت البنزين السّائل وعود الثّقاب يتكفّلان بالأمر، كان منظر احتراق جسده وصرخاته وهو يستغيث لا يقاوم، لقد اكتشفت أنّه يُجيد إضحاكي أنا أيضاً!!

ذُهلتُ من حديثه وبرودة أعصابه.

 قلت: أنت مجنون يا سامر!

- ربما يا علي، لست سعيداً بما أنا عليه الآن، لا أحد يولد قاتلاً، ولكنّي دُفعتِ دفعاً في هذا الطّريق، ووَجدت نفسي لا أُجيد سواه.

 أخبرني يا علي هل تنام مرتاحاً في اللّيل؟

- أجبته بأسى: كلا، تلك الأصوات التي تنخر رأسي لا تهدأ أبداً.

ربتَ سامر على كَتفي ونظر بعينيّ بوداعة وقال:

- يجب أن تواجه نفسك وتتصالح مع ماضيك، أنا أتفهمك يا صديقي.

جلسنا بجوار ضفّة النّهر بعيداً عن زحمة الشّوارع وأصوات النّاس، كانت السّماء صافيةً والنّسيم محمّلٌ برائحة الماء والطّين، لا أصوات سوى صوت نقيق الضّفادع، تكوّرت على نفسي مثل طفلٍ صغير، وأنا أراقبُ انعكاس أضواء الجسر الملوّنة، وهي تتراقص وتلوّن صفحة الماء.

سرحتُ بفكري إلى أيام طفولتي البائسة، قُلتْ... وذاكرتي تستحضر الماضي بتفاصيله: ما أزال أذكر ذلك اليوم، عندما كنت طالباً في الابتدائية، يوم وبّخني المعلّم وسخرَ منّي لأنّي بليد في دروسي، ملابسي رثّة، شعري أشعث وكتبي ممزّقة، ورائحتي تشبه رائحة الخراف، كنت أداري دموعي وانكساري وأؤثر الصّمت والنّار تشتعل في صدري، وزملائي يضحكون منّي، هم لا يعلمون أن زوجة أبي كانت تعاقبني وتحبسني في الحظيرة مع الحيوانات، وعندما يعود أبي تخبره عن أفعالي فيمسك سوطه وينهال على جسدي ضرباً، ويصرخ في وجهي قائلاً: يا شقي أنت تسبب لي المشاكل أينما حَللت، زوجتي تشتكي منك، معلّمك يشتكي، متى ستتأدب وتصبح ولداً عاقلاً.

كبرتُ وأنا أحاول تجنّب المشكلات، لكنّها كانت تختارني أنا تحديداً من بين الجميع، بالأمس اشتريت أرزاً من بائع البقالة، لأكتشفَ أنّه قديم وغير صالح، وعندما أعدته له، صرخ في وجهي وقال: أنت تكذب أنا لا أبيع هكذا بضاعة.

اعتذرت منه وخرجت تجنباً للمشكلات، لكن الأمور تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

كان سامر يستمع إلى حديثي دون مقاطعة، ثمّ ابتسم وقال أتفهمك، لذا أنا موجود هنا معك.

أكمل وهو يبتسم بجنونٍ وعيناه تلتمعان: يبدو أن لدينا حفلات ألعاب ناريّة صاخبة في الأيام القادمة يا صديقي.

وهكذا بدأ الأمر... كانت زوجة أبي هي الأولى في قائمتي، زُرناها أنا وسامر في منتصف اللّيل، وغادرنا ورحنا نحتفل ونرقص وندخن سيجارتينا عند التلّ القريب من البيت، ونستمتع بمنظر احتراقها في غرفةِ نومها، وتحوّلها إلى جثةٍ متفحمة.

شعرت أنني أصبحت أخفّ حِملاً، توالت الانتقامات... أستاذي في المدرسة، مدرّب الرّياضة الذي سخِر من جسدي الهزيل، خطيبتي التي هَجرتني، لم ينجُ أحدٌ من غضبي، حتى بائع البقالة الغشاش دفع ثمن ما يستحقّه.

كان شعوراً مؤقتاً بالنّصر ثمّ ما لبث أن تحوّل إلى إحساسٍ ثقيلٍ يَجثم فوق صدري، شعرت وكأنّ حبلاً خفياً يشدّ على عنقي، ويحجب عن رئتيّ الهواء، النّوم أصبح بوابة إلى شقاءٍ آخر... تطاردني الكوابيس فأستيقظ مفزوعاً، وقلبي يكاد أن يخرج من بين أضلعي.

كلّ ما يحصل لي بسببه هو... لذلك عزمت على التخلّص منه.

خططتُ لكلّ شيء، دعوت سامر لمشاهدة مباراة كرة القدم في منزلي، ثمّ تعلّلت بالذّهاب لإحضار العصير من المطبخ لكنّني أحضرت المسدس، وقفت أمامه وقلت له الوداع أيّها المريض المُنحرف، ظنّ سامر في البداية أنّني أمازحه، فضحك، ولكنّه عندما نظر بعيني، ولاحظ أن يديّ تضغط على الزّناد، حاول أن يقولَ شيئاً لكنّه لم يستطع، لأنّ الرّصاصة كانت قد فجّرت رأسه، شعرت بألمٍ في رأسي أنا أيضاً، وبالخدرِ يتسلّل إلى جسدي، ثمّ انعدمت الرّؤية.

 صوت دويّ سيارة الإسعاف، وَقع أقدامٍ تتجه نحوي، يبدو أنني الآن محمول على النّقالة ربما أكون قد أذيت رأسي عندما وقعت على الأرض، سمعتُ أصواتاً تتحدّث، وصوتُ امرأةٍ تسألهم: كيف حالته.

أجابها: المسكين لقد انتحر.

ماذا تكونين له: أنا زوجة أبيه!!

 

* كاتبة سوربة.

 

 


كلمات البحث

تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية

 القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...