وبشِّرِ المُخبتين!!
وبشِّرِ المُخبتين!!
د. تمام كيلاني*
في آيةٍ موجزةٍ من القرآن الكريم يقول الله تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ في سورة الحج.
كلمات قليلة، لكنها تحمل ميزانًا أخلاقيًا عظيمًا يفرّق بين طريقين في حياة الإنسان: طريق التواضع والخشوع للحق، وطريق الغرور والطغيان.
المُخبتون هم أصحاب القلوب التي تخشع للحق، وتلين لذكر الله، وتعرف أن القوة الحقيقية ليست في التسلط على الناس، بل في العدل بينهم. إنهم الذين يدركون أن السلطة مسؤولية وليست امتيازًا، وأن الإنسان مهما بلغ من قوة وسلطان يبقى عبدًا لله، محدودًا بضعفه وفنائه.
لكن التاريخ، قديمه وحديثه، يكشف لنا الوجه الآخر: وجه الطغيان الذي يولد عندما ينسى الإنسان حدوده، ويظن أن القوة التي بين يديه قدر أبدي لا يزول.
لقد كان فرعون المثال الأشهر للطغيان في الذاكرة الإنسانية. وقف في وجه النبي موسى عليه السلام متجبرًا، وقال عبارته التي خلّدها التاريخ: «أنا ربكم الأعلى». ظن أن ملكه لا يزول وأن سلطانه لا ينتهي. لكن لحظة واحدة في التاريخ كانت كافية لتكشف هشاشة هذا الغرور؛ فابتلع البحر جيوشه وغرق هو، وبقيت قصته عبرة تتردد على ألسنة الأجيال.
وفي القرن العشرين تكررت القصة بأشكال مختلفة. ظهر أدولف هتلر في ألمانيا حاملًا أوهام التفوق والسيطرة، فأشعل نار الحرب العالمية الثانية التي التهمت ملايين الأرواح ودمّرت مدنًا وحضارات. وبالقرب منه في إيطاليا صعد بنيتو موسوليني مؤسس الفاشية، معتقدًا أن الحديد والنار يمكن أن يصنعا مجدًا دائمًا. لكن التاريخ لم يحتفظ لهما إلا بذكرى الخراب والنهايات المأساوية.
وفي عالمنا المعاصر، شهدت سوريا عقودًا طويلة من الحكم المرتبط باسم حافظ الأسد ثم ابنه بشار الأسد. ومع تعقّد الصراع السياسي والعسكري في البلاد، أصبحت التجربة مثالًا آخر على كيف يمكن للشعوب ان تتحرر عندما تثور على الطغاة .
إن المتأمل في هذه الصفحات من التاريخ يدرك أن الطغيان قد يتغير اسمه ولباسه، لكنه يحمل دائمًا الجوهر ذاته: الاعتقاد بأن القوة تعطي صاحبها الحق المطلق. غير أن الحقيقة التي يثبتها الزمن مرارًا هي أن القوة التي لا يضبطها العدل تتحول سريعًا إلى عبءٍ على صاحبها، ثم إلى سبب سقوطه.
أما المخبتون — أولئك الذين بشّرهم الله — فهم الذين يزرعون العدل بدل الخوف، ويقيمون ميزان الرحمة بدل ميزان القهر. قد لا يملكون ضجيج السلطة، لكنهم يملكون ما هو أبقى: احترام الناس وطمأنينة الضمير وذكرًا حسنًا في صفحات التاريخ.
وهكذا تبقى الآية الكريمة ميزانًا خالدًا للحياة:
﴿وبشّر المخبتين﴾.
فالمخبتون يرفعهم التواضع، ويخلدهم العدل،
أما الطغاة، فمهما ارتفعت قصورهم، فإن التاريخ يكتب أسماءهم في فصلٍ واحدٍ فقط… فصل العِبَر.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!!
الاكثر شهرة
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...
بالله قفي قصيدة د. عبد الولي الشميري
بالله قِفيشعر الدكتور عبد الولي الشميري ما بالُ الحُبِّ مَشانِقُهُتَغتالُ الصَّبَّ وتُحْرِقُهُ؟والش...