اغتراب الروح وفلسفة الوجع البطيء..!! قراءة نقدية لنص الشاعرة نجاة رجاح ..!! عادل جودة

اغتراب الروح وفلسفة الوجع البطيء..!! قراءة نقدية  لنص الشاعرة نجاة رجاح ..!! عادل جودة

اغتراب الروح وفلسفة الوجع البطيء..!! قراءة نقدية لنص الشاعرة نجاة رجاح ..!!

 

عادل جودة*

 

تُمثّل قصيدة *عن رحلة المُدْية البطيئة" للشاعرة المغربية *نجاة رجاح*  نصاً وجدانياً وإنسانياً باذخاً؛ يُشَرِّحُ مأساة الاغتراب، ووطأة اللجوء، وجرح الهوية العربية المعاصرة بلغة تُمازج بين ألم الغياب وحرارة الأمل.

 

المقدمة: 

اغتراب الروح وفلسفة الوجع البطيء

تستهل الشاعرة نصها بتصوير صريح لفلسفة المعاناة الممتدة فـ "المُدْية البطيئة" ليست إلا رمزاً للذبح اليومي والنزيف المستمر الذي لا يمنح الضحية استراحة الموت العاجل. يعيش الذات الشاعرة حالة من "الموت المتكرر" و"الرحيل المتواصل"، حيث يغدو الرحيل ليس مجرد انتقال جغرافي، بل هوية وجودية قاسية تسكن الروح، حتى أضحت الموانئ والمطارات والمحطات جزءاً من التكوين الداخلي للقلب المكلوم.

 أولاً: 

جغرافية الضياع وانكسار الزمان والمكان

تأخذنا الشاعرة في رحلة عبر مدن "الجليد والوميض"، في مفارقة بصريّة تشير إلى برودة المنافي ووهج الذكريات المتروكة خلف الذرى.

 تُعَبِّرُ الشاعرة عن حالة الانتهاك الحضاري والنفسي ببراعة صورية:

🪶كبوات الزمن: 

كَبَتِ الأحصنة وخَبَتِ الأمكنة وهُجر الأهل، وهي كشّافات بصرية لزمن القتل الدامي الذي يمارس محواً طقسياً للذاكرة.

🪶سيولة المفاهيم:

 فرار العواصم وتبادل الأدوار بين الزمان والمكان يُعبّر عن حالة التيه الشامل والشتات العربي، حيث تفقد الجغرافيا استقرارها وتحتضر الأبعاد.

 ثانياً:

 الذاكرة الجريحة والهروب إلى الحلم والشعر

تشتعل الذاكرة كلما لاح محاولة للنسيان فالوطن ليس مكاناً نغادره بل حيز يسكننا ونعود إليه ظِماءً. وأمام نصب المقاصل وغرق الأمان وانكسار المياه، لا يتبقى للذات الشاعرة سوى ملجأين أصيلين:

🪶الحلم:

 بوصفه مساحة للمقاومة النفسية واستعادة ما تم هدمه في الواقع.

🪶الشعر:

 باعتباره الرئة الوحيدة التي تتنفس عبرها الروح وسط غبار الحرب، واللاذ بالرصيف الأقصى بعيداً عن الموت.

 ثالثاً:

 النداء الرمزي وجدلية الزيتون والشهداء

يتحول النص من الانكفاء الذاتي إلى نداء جمعي يضجُّ بالرموز الوطنية والإنسانية:

🪶مخيمات النشيد ورجال الشرق: استدعاء لنبض المقاومة والتضحية، حيث ترتبط ملامح الوجه ببريق عيون الشهداء.

🪶خضرة الزيتون المجتثة: 

تتجاوز شجرة الزيتون معناها النباتي لتغدو رمزا للأرض، والأصالة، والتجدد.

 تطلب منها الشاعرة أن تعبق وتظلل وتُعيد هندسة الحقول ورسم خارطة الألوان، في دلالة على إرادة الانبعاث والولادة الجديدة من بين ركام المعارك.

 رابعاً:

 الفرح المؤجل ووجوه الانتظار

في تشكيل جمالي مكثف، تكرر الشاعرة لفظة "فرحٌ" لتصنع إيقاعاً متوازياً بين الأمل والغياب.

 الفرح لدى نجاة رجاح ليس حاضراً، بل هو كائن مُعَلَّق ومؤجل:

فرحٌ في القصائد والأغنيات.

فرحٌ معلق على قراميد العليّات وفي ثياب العيد.

فرحٌ يقف عند باب الأمسيات وينتظر.

إن تكرار هذه التشبيهات يبرز حالة التوق الدائم لسرقة لحظة أمل من بين براثن الحزن الممتد على طول الطرق المهملة.

 خامساً: 

دعاء الأم وتطلعات النصر

تختتم الشاعرة ملحمتها بلمسة روحانية ووجدانية دافئة.. حيث تعود إلى نبع الصفاء الأول: رضى الأم. إن الرضى هنا هو الوقود الروحي لأولئك الذين تسابقوا نحو الموت دفاعاً عن الكرامة.

 وتتوج هذا الاستغاثة بالدعاء والتضرع إلى الله، ليتحول الشك والوجع إلى يقين صارم ونبوءة واثقة تتجسد في العبارة الأخيرة: "سننتصر..!!".

 الخاتمة: 

شموخ الكلمة في وجه الانكسار

نجحت الشاعرة المغربية *نجاة رجاح* في صياغة نص أدبي شديد الشفافية والتأثير، جمع بين حرارة القصيدة الوطنية وعمق الطرح الوجداني. 

لقد استطاعت عبر لغة شفافة ومترعة بالصور البلاغية البديعة أن تحول الجرح الذاتي إلى وثيقة إنسانية تُعبّر عن كل مغترب ومقاوم يُمسك بجمر الأمل وسط زحام الخسارات.

 

 

" عن رحلة المُدْية البطيئة "

ياموتي المتكرر

يارحيلي المتواصل..!

امنحني مهلةً..

                 هُدنةً..

ثم واصل ..!

أحمل كل الموانئ..

المطارات..

المحطات..

في قلبي..

و..أرحل ..!

أضم مدنا

من الجليد

ومن الوميض

و..أرحل ..!

رحلة الغياب طالت

والأحلام تتلاشى

الهوينى..!

ألملم التفاصيل 

كل تفاصيل بلادي 

و..أرحل ..!

كَبَتْ كلُّ الأحصنهْ

في زمن القتل..!

خَبَتْ كلُّ الأمكنهْ

وهجر الأهل..!

يشتد اشتعال الذاكرهْ

عند محاولة النسيان..

أسافر دوما

عفوا..

أعود ظوما للوطن

عَوْدٌ مستمر للوطن..

تفرُّ العواصم 

من بلدانها 

يتبادل الأدوارَ

الزمانُ والمكان..

تُنصب المقاصل

لينتحر الأزرق 

على قدمي البحر

وحدود الأمان..

تنكسر المياه

فتغرقني..

ألوذ بالحلم

وبالشعر..!

أمشي على أقصى الأرصفهْ..

ياجرحي المفتوح

على أكوام الملح..

ياهواءً حامضا..

أيها القادمون..

من مخيمات النشيد 

لاتغيبوا عن كلماتنا..

                    تحياتنا..

                          وسلامنا..

وانتشروا..

عميقا في دمائنا..!

أيها الذاهبون..

صوب الشرق

رُدُّوا..

ملامح وجهي

كي أرى البريق

في عيون الشهداء..!

ياخضرة الزيتون 

المجتثة أشجارُه

اعبقي..

اطلعي..

وظللينا..!

أضيئي حلكة المعارك..

ياخضرة الزيتون 

أطلي..

جددي فينا الولادهْ..!

أعيدي..

رسم خارطة الألوان

وهندسة الحقول..!

لملمي الخطى

اجمعي شمل الذاكرة 

وأيقظي الحلم..

آهٍ..

كم هو بعيد الوصول..!

وخارج كل هذه

الطقوس..

الحالات..

التفاصيل..

يطول السفر..!

فرحٌ..

مؤجلٌ..

على طريق مهملهْ..

فرحٌ..

في القصائد..

فرحٌ..

في الأغنيات 

فرحٌ معلق

على قراميد العلِّيات..

فرحٌ..

يرتدي الأزرق

في يوم عيد..

فرحٌ..

يقف عند باب الأمسيات

و..ينتظر..!

فجودي ياأمي

بالرضى..

جودي..

على الذين تسابقوا

على الموت..

جودي..

وامنن ياربي

امنن..

علَّنا ننتصر..

سننتصر..!!

 

نجاة رجاح/المغرب

 

 

* ناقد وأديب عراقي.

تعليقات


الاكثر شهرة
أحمد قعبور.. وداعا!!

أحمد قعبور.. وداعا!!   عمر سعيد*     يومٌ ثقيلٌ آخر مملوء بالحزن والصمت ، تضيع فيه الأماني بين...

المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق

  المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين   فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...

سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء..

  سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء..   _نحن نعمل بالممكنات.. _العالم منفتح تجاه سورية.. _ا...

الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!

  الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!   عبدالكريم العفيدلي* تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية في...

تابعونا


جارٍ التحميل...