رَبّةُ الوجه الصبوح!

رَبّةُ الوجه الصبوح!

رَبّةُ الوجه الصبوح!

طلال مرتضى*

حين توقف الترام في محطته المعهودة، في نفس الوقت وصل القطار القادم من الجهة المعاكسة..

على غير انتباه، نظرت إلى يساري. وراء النافذة الزجاجية للقطار الآخر كانت تجلس المرأة التي كان يغني لها صباح فخري في كل حفلاته: «رَبّة الوجه الصبوح».

بصراحة.. نساء بودابست تجاوزن قصة الفداحة في الحضور والعطور..

خفت أن يوقعني شيطان الغواية في شرك عينيها، فاكتفيت بالنظرة الشعرية.

عند أول انطلاقة لقطاري، ومض برق صاعق بعد الانفراجة الطفيفة التي ارتكبتها شفتيها..

وأنا سائر، وعلى غير نية، لوحت لها مودعًا.

في فعالية التخييل ينتهي المشهد عند هذا القدر، لكن الراوي الذي يسكنني غرّر بي إلى حد القناعة بأن المرأة العابرة هي الأخرى لوحت لي بيدها، ثم عرّج ليزيد طيش الحكاية بهجة:

ـ ستترجل بالمحطة التالية، وستنتظرك هناك.

على الرغم من يقيني المطلق بأن قطاري سيتوقف تلقائيًا بالمحطة التالية، لم أتوانَ عن ضغط زر النزول ولعدة مرات.

على حريق مرت دقيقة وصول القطار المتجه باتجاه «رَبّة الوجه الصبوح»..

لم أقطع عبر قطار _من قبل_ ولمحطتين بهذا الوقت الطويل، والمقدّر بثلاث دقائق بين المحطة والمحطة، إلا في «قطار حمد» بعد خروجه من رقة الرشيد نحو الدير.

خلا رصيف المحطة التي وصلتها إلا من عابري اللحظة، حيث ما من أحد ينتظرني، وبعد فترة قلت لنفسي: لعلها عادت إلى المحطة السابقة، حيث التقينا أول مرة..

عدت أدراجي مرة أخرى، محطة نحو الوراء. على مقعد خشبي عتيق جلست أراقب السائرين. كان المكان يتيح لي رؤية كل الذين يستغلون القطارات والذين يترجلون منها..

شمس العصر في بودابست عينها قوية. تفقدت حقيبة الظهر التي أرتحل بها طوال الطريق، فوجدت أن زجاجة الماء قد جف ضرعها قبل نشفان ريقي..

بوابة الحانة القابعة وراء المقعد الخشبي العتيق كانت متآمرة، حيث كانت تدفع بنثيث برودة ناعسة من مكيفها الهادر نحوي. تلقفت تلك النسمات كمنشط حواس، لكنها، ولطراوة عودها، لم تستطع تحدي هوج الشمس العنيدة..

استجمعت نفسي للوصول إلى المبردة الآلية القابعة في الوجهة، ودلفت في جوفها عدة قطع معدنية كانت تثقل جيوبي.

دلقت لي زجاجة بيرة راهجة، ترذّذت عليها حبات الندى..

من باب الصدق، لم تكن زجاجة واحدة فقط..

القطارات في الجهتين لا تتوقف عن الحضور، وأنا أنتظر منذ أكثر من ساعتين، وربما أكثر، و«رَبّة الوجه الصبوح» لم تأتِ..

لا ضير من الانتظار أكثر قليلًا، فالمحطة عامرة بالوجوه الجديدة، لكنني مضطر إلى المغادرة بعدما أيقنت بأن أصحاب الحانة قرروا قفل ماكينة الشراب.

في بودابست، لا تتركوا عنان أرواحكم لأنهار الحلم، اختاروا بعناية المحطة التي لا تغلق أبواب حاناتها المجاورة مبكرًا، كي لا تناموا عطاشى.

 

*كاتب سوري/ بودابست.

 


كلمات البحث

تعليق


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...