قراءة في كتاب نيوتن الكونديسي ومحاولة لفهم العلاقة بين المعتقدات الداخلية والسعي نحو الوفرة المالية
الأوامر الطاقية لجذب المال والثراء: هل يبدأ التغيير من العقل أم من الواقع؟
قراءة في كتاب نيوتن الكونديسي ومحاولة لفهم العلاقة بين المعتقدات الداخلية والسعي نحو الوفرة المالية
قراءة :لطيفة محمد حسيب القاضي
في عالم تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية، وتتسع فيه الفجوة بين الطموحات والإمكانات، يبحث كثيرون عن طرق تساعدهم على تحسين أوضاعهم المالية واستعادة شعورهم بالأمان والاستقرار. وبين النصائح التقليدية المتعلقة بالعمل والادخار والاستثمار، ظهرت كتب التنمية الذاتية التي تمنح التفكير والمعتقدات الداخلية دورًا أساسيًا في رحلة الإنسان نحو النجاح. ومن هذه الكتب كتاب «الأوامر الطاقية لجذب المال والثراء» للكاتب نيوتن الكونديسي، الذي يطرح تصورًا يقوم على تغيير العلاقة النفسية مع المال، واستخدام العبارات الإيجابية والتخيّل والامتنان لتطوير عقلية أكثر انفتاحًا على الفرص.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: هل يكفي أن نغيّر أفكارنا حتى تتغيّر ظروفنا المالية؟ أم أن قوة الفكرة الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى سلوك وقرار وعمل؟
المال بين الحاجة المادية والمعتقدات النفسية:
ينطلق الكتاب من فكرة أن علاقة الإنسان بالمال لا تتحدد بحجم ما يمتلكه فحسب، بل تتأثر أيضًا بما يحمله من تصورات ومشاعر تجاهه. فهناك من ينظر إلى المال بوصفه مصدرًا دائمًا للقلق والخوف، وهناك من يراه وسيلة للاستقرار وتحقيق الاستقلال وتوسيع خيارات الحياة.
وقد تنشأ بعض المعتقدات المالية في مرحلة مبكرة من العمر، حين يسمع الإنسان عبارات متكررة من قبيل أن المال لا يأتي إلا بالمشقة، أو أن الثراء حكر على فئة محددة، أو أن السعي وراء المال يتعارض مع القيم الإنسانية. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه الأفكار إلى قناعات تؤثر في قراراته، وفي استعداده لاغتنام الفرص أو خوض التجارب الجديدة.
من هذه الزاوية، تكتسب دعوة الكتاب إلى مراجعة المعتقدات المالية أهمية تستحق النقاش؛ إذ إن الإنسان الذي يعتقد مسبقًا أنه عاجز عن النجاح قد يتردد في تقديم مشروع أو تطوير مهارة أو المطالبة بحقوقه المهنية. أما حين تتغير نظرته إلى قدراته، فقد يصبح أكثر استعدادًا للمحاولة والتعلّم واتخاذ المبادرات.
غير أن الاعتقاد وحده لا يضمن النجاح، كما أن الفقر أو التعثر المالي لا يعنيان أن الإنسان يحمل أفكارًا سلبية أو أنه لا يستحق الثراء. فالظروف الاقتصادية، وفرص العمل، والموارد المتاحة، والالتزامات الأسرية، عوامل تؤثر أيضًا في المسار المالي للأفراد.
ما المقصود بالأوامر الطاقية؟
يقصد الكتاب بالأوامر الطاقية مجموعة من العبارات التي يرددها الإنسان بقصد ترسيخ تصورات إيجابية عن المال والقدرة على تحقيق الاستقرار والوفرة. وتقوم هذه الممارسة على التكرار الواعي، واستحضار المعنى المراد، ومحاولة استبدال الحديث الداخلي المحبط بعبارات أكثر دعمًا للذات.
ومن الأمثلة على ذلك أن يقول الإنسان لنفسه: «أنا قادر على تطوير وضعي المالي»، أو «أتعلم كيف أدير أموالي بحكمة»، أو «أستطيع البحث عن فرص جديدة والاستفادة منها».
وتختلف هذه العبارات في جوهرها عن الوعود المطلقة التي توحي بأن مجرد ترديد جملة معينة سيؤدي حتمًا إلى وصول المال. فالعبارة الإيجابية الأكثر فائدة هي التي تساعد صاحبها على رؤية إمكاناته، وتدفعه إلى اتخاذ خطوات واقعية، بدلًا من أن تصبح بديلًا عن العمل أو وسيلة لإنكار الصعوبات.
وتشير أدبيات علم النفس عمومًا إلى أن الحديث الداخلي وطريقة تفسير الإنسان للمواقف قد يؤثران في دوافعه وسلوكه. لكن هذا لا يثبت وجود قوة طاقية خفية تستطيع استدعاء المال أو التحكم في الأحداث الخارجية بمجرد الترديد؛ فهذه الفكرة تظل من التصورات التي يطرحها خطاب قانون الجذب، وليست حقيقة علمية مثبتة.
العقل الباطن وصناعة العادات المالية:
يمنح الكتاب المعتقدات المتكررة دورًا محوريًا في تشكيل علاقة الفرد بالمال، ويربط بين التكرار الذهني وتغيير ما يصفه بالبرمجة الداخلية. ويمكن قراءة هذه الفكرة من منظور عملي، بعيدًا عن التفسيرات الغيبية أو الادعاءات غير المثبتة.
فالإنسان الذي يكرر على نفسه أنه لا يستطيع الادخار قد يتوقف عن المحاولة، بينما يستطيع من يراجع هذا الاعتقاد أن يبدأ بخطوات صغيرة، كمتابعة مصروفاته أو تخصيص مبلغ محدود للادخار أو تعلّم مهارة جديدة تزيد فرصه المهنية.
ولا تكمن أهمية التكرار هنا في أنه يغيّر الواقع بصورة سحرية، بل في قدرته المحتملة على توجيه الانتباه وتعزيز بعض العادات، إذا اقترن بهدف واضح وسلوك مستمر.
ومن هذا المنطلق، يمكن تحويل التأكيدات الإيجابية إلى تذكير يومي بالمسؤولية المالية. فبدلًا من الاكتفاء بقول «المال يأتي إليّ بسهولة»، يمكن للإنسان أن يسأل نفسه: ما الخطوة التي أستطيع اتخاذها اليوم لتحسين دخلي؟ وما المصروف الذي يمكنني تنظيمه؟ وما المهارة التي قد تفتح أمامي بابًا جديدًا؟
بهذا المعنى، تتحول الفكرة من انتظار النتائج إلى المشاركة الفعلية في صنعها.
الامتنان والتخيّل: بين التحفيز والانتظار:
من الأفكار التي يتناولها خطاب الأوامر الطاقية ممارسة الامتنان، والانتباه إلى ما يمتلكه الإنسان بدلًا من الانشغال الدائم بما ينقصه. ويمكن لهذه الممارسة أن تساعد على تطوير نظرة أكثر توازنًا للحياة، خصوصًا عندما يواجه الفرد ضغوطًا مالية أو يشعر بأن جهوده لا تحقق النتائج التي يرجوها.
فالامتنان لا يعني تجاهل الحاجة أو الرضا بالظروف الصعبة إلى الأبد، وإنما الاعتراف بما هو متاح، مع الاحتفاظ بالرغبة في تحسين المستقبل.
أما التخيّل، فيمكن أن يكون أداة لتوضيح الأهداف. فعندما يتصور الإنسان شكل الحياة التي يريد الوصول إليها، يستطيع تحديد ما يحتاج إليه لتحقيقها، سواء أكان ذلك الحصول على وظيفة أفضل، أم تأسيس مشروع صغير، أم تسوية الديون، أم بناء احتياطي مالي للطوارئ.
لكن التخيّل يفقد قيمته العملية حين يتحول إلى انتظار سلبي. فتصوّر النجاح لا يعادل تحقيقه، وتكرار صورة الثراء في الذهن لا يغني عن اكتساب المهارات، ودراسة الفرص، وتقدير المخاطر، واتخاذ القرارات المناسبة.
الاستحقاق المالي والثقة بالنفس:
يطرح الكتاب فكرة الاستحقاق بوصفها أحد العناصر المهمة في العلاقة مع المال. ويمكن فهم هذه الفكرة باعتبارها دعوة إلى التحرر من الشعور الدائم بالعجز، وإدراك أن تحسين الوضع المالي هدف مشروع ما دام يتحقق بوسائل أخلاقية ومسؤولة.
فقد يتردد بعض الأشخاص في طلب أجر عادل مقابل أعمالهم، أو في التفاوض على شروط أفضل، أو في عرض مواهبهم أمام الآخرين، بسبب الخوف من الرفض أو الاعتقاد بأنهم أقل كفاءة مما هم عليه بالفعل.
وهنا يمكن أن تؤدي الثقة بالنفس دورًا مساعدًا في تجاوز التردد. إلا أن الشعور بالاستحقاق لا يعني أن العالم مدين للفرد بالثراء، ولا أن كل من لم يحقق النجاح المالي يفتقر إلى الثقة أو القيمة الشخصية. فالكرامة الإنسانية لا تُقاس بحجم الحساب المصرفي، والنجاح المالي لا يعتمد على عامل نفسي واحد.
كما أن الحديث عن الثراء ينبغي ألا يحجب أهمية العدالة في الفرص، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، والقدرة على الوصول إلى التعليم والعمل والموارد.
من الأوامر اليومية إلى خطة مالية واقعية:
يمكن الاستفادة من بعض الممارسات التي يعرضها الكتاب إذا جرى توظيفها ضمن خطة عملية متكاملة. فكتابة الأهداف المالية، مثلًا، تساعد على تحويل الرغبات العامة إلى أولويات واضحة، وتدوين المصروفات يكشف أنماط الإنفاق، ومراجعة الإنجازات الصغيرة تمنح الإنسان فرصة لتقييم تقدمه.
ويمكن للقارئ أن يبدأ بأربع خطوات بسيطة:
أولًا، تحديد هدف مالي واقعي وقابل للقياس، كخفض المصروفات غير الضرورية أو توفير مبلغ شهري محدد.
ثانيًا، استبدال العبارات المحبطة بتأكيدات مرتبطة بالفعل، مثل: «أستطيع تعلّم إدارة أموالي واتخاذ قرارات أفضل».
ثالثًا، وضع خطة تتناسب مع الدخل والالتزامات، مع متابعة النتائج وتعديلها عند الحاجة.
رابعًا، مراجعة التقدم دوريًا، والاحتفاء بالخطوات الصغيرة من دون اعتبار التعثر المؤقت دليلًا على الفشل.
ولا بد من التأكيد أن هذه الخطوات لا تضمن الثراء، لكنها توفر إطارًا أكثر واقعية للتعامل مع الأهداف المالية، وتربط التحفيز النفسي بالتخطيط والعمل.
وبناءًا على ما سبق، هل يجذب التفكير الإيجابي المال؟
يقدّم كتاب «الأوامر الطاقية لجذب المال والثراء» لنيوتن الكونديسي مدخلًا إلى التفكير في العلاقة بين المعتقدات الداخلية والطموح المادي، ويشجع القارئ على مراجعة تصوّراته عن المال، وتبنّي لغة أكثر إيجابية تجاه قدراته وإمكاناته.
وتكمن الفائدة الممكنة من هذه الأفكار في أنها قد تساعد الإنسان على إعادة النظر في عاداته، وتوضيح أهدافه، وتعزيز استعداده للمحاولة. لكن من الضروري التمييز بين التحفيز النفسي وبين الادعاء بأن الأفكار أو الترددات الطاقية تجذب الثروة بصورة مباشرة، إذ لا توجد أدلة علمية موثوقة تثبت أن ترديد الأوامر الطاقية وحده يؤدي إلى الثراء.
فالمال لا يأتي بالأمنيات وحدها، ولا تُختزل رحلة النجاح في قوة التفكير، وإنما تتداخل فيها المعرفة والمهارة والعمل والتخطيط والفرص والظروف المحيطة.
ولعل السؤال الأهم الذي يتركه الكتاب للقارئ ليس كيف يجذب المال بمجرد التفكير فيه، بل كيف يغيّر نظرته إلى إمكاناته، ويحوّل رغبته في حياة أفضل إلى خطوات ملموسة.
فالفكرة قد تكون بداية الطريق، والثقة قد تمنح الإنسان الشجاعة للسير فيه، لكن الوصول يحتاج إلى فعل ومثابرة ووعي بالواقع. وبين الحلم والعمل تتشكل المسافة الحقيقية التي تفصل الرغبة عن الإنجاز.
الاكثر شهرة
أحمد قعبور.. وداعا!!
أحمد قعبور.. وداعا!! عمر سعيد* يومٌ ثقيلٌ آخر مملوء بالحزن والصمت ، تضيع فيه الأماني بين...
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء..
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء.. _نحن نعمل بالممكنات.. _العالم منفتح تجاه سورية.. _ا...
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!! عبدالكريم العفيدلي* تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية في...