نجاة إدريس إسماعيل... في حضرة الحكاية والإنسان!
نجاة إدريس إسماعيل... في حضرة الحكاية والإنسان!
كوثر جعفر*
نجاة إدريس إسماعيل... كاتبة سودانية حملت في تجربتها أسئلة الإنسان والمكان والذاكرة، وراكمت عبر سنوات من الكتابة تجربة تمتد من القصة والرواية إلى الصحافة والنقد.
تجربة لا يمكن اختصارها في الكتب التي أصدرتها أو الجوائز التي حصلت عليها، فلكل محطة فيها سؤالها الخاص، ولكل نص حكاية بدأت قبل أن تصل إلى الورق.
في هذا الحوار، أحاول أن أقترب من نجاة من زوايا مختلفة؛ من علاقتها بالكتابة، إلى الأمكنة التي تسكن نصوصها، والأسئلة التي ظلت ترافقها، وصولًا إلى الإنسانة التي
تقف خلف كل ما كتبته.
* درستِ العلوم والموارد الطبيعية، ثم اتجهتِ إلى الصحافة والأدب. متى شعرتِ أن الكتابة هي الطريق الذي يشبهكِ؟
_ منذ طفولتي الباكرة... كنت أؤلف القصص وأقوم بتمثيلها في ذات الوقت؛ وعندما كبرت قليلًا ودخلت المدرسة وتدرجت فيها، أعجب معلم اللغة العربية بالإنشاء التي كتبتها، والتي كانت لا تشبه ما كتبه زملائي، وقد كان يظن أنه كتبها لي شخص آخر، ولكن بعد ذلك عرف الحس الأدبي الذي يسكنني.
لكني اخترت دراسة العلوم ومن ثم الإنتاج الحيواني، لأن في دراسة العلوم علمًا لا تستطيع الوصول إليه إلا بالعلم والدراسة والتمحيص والتحليل والتجارب العلمية، بخلاف ما يكون في دراسة الدراسات الأدبية والنظرية التي يكون الوصول إليها سهلًا نسبيًا بالقراءة المباشرة من خلال الكتب والمراجع.
لذا فالأدب كنت أجده من خلال قراءاتي اليومية المختلفة، أما العلوم فقد كانت تفتح لي مدارك قد لا أجدها إذا اتجهت لمسار غيرها؛ ولكن ولربما لأن الدولة لا تعرف قيمة الموارد التي تمتلكها من ثروات معدنية وثروات زراعية وحيوانية وغابات وأسماك، فقد وجدت نفسي، وكآلاف من الخريجين من كليات الزراعة والإنتاج الحيواني والغابات والجيولوجيا من أبناء وطني، بلا عمل، فاتجهت للمسار الذي أحببته وقادتني إليه الموهبة فذهبت إليه.
* أسستِ موقع «الطرابيل» الإخباري في وقت كان بإمكانكِ أن تكتفي بالعمل في الصحافة. لماذا يختار الكاتب أن يؤسس منبره الخاص؟
_ الصحافة في بلادي -لا تسمن ولا تغني من جوع-، فعلى الرغم من أنها تجلب لك "المتاعب"، إلا أن "العائد" منها لا يكفيء، "الفتات"، ولا يمكن أن تمثل لك مصدر رزق إلا إذا كان لك مصدر رزق آخر -إذا كنت رجلًا-؛ أو أن يكون لك عائل آخر -إذا كنت امرأة أو فتاة.
لذلك اخترت أن أؤسس موقعًا إخباريًا يخصني، ولكن ولسوء الحظ حالت ظروف الحرب دون أن أستمر فيه، إذ فقدت كل شيء يخصه، وبعد ذلك أغلق تمامًا.
* بعد سنوات من كتابة القصة، ماذا الذي أغراكِ بأن تقولي حكاية كاملة في رواية؟
_ نعم، كتبت قصصًا كثيرة جدًا، دونت بعضها على دفتي مجموعتي القصصيتين: "زمن اللاوعي" و"خدوج"، وضاع البعض الآخر بين مشاغل الحياة المتعددة؛ ولكن القصة القصيرة ليست كالرواية التي تقص لمحة من الحياة وتركز عليها، أما الرواية فتستوعب فترة زمنية أطول قد تمتد لثلاثة أجيال -كما حدث في "هلاوس الجدة"-، كما سلطت الرواية الضوء على فضاء مكاني كبير كان بمثابة "سودان مصغر"، مستكشفة أوضاع المجتمع بخيره وشره.
* في «هلاوس الجدة» اخترتِ أن تحكي من خلال ثلاثة أجيال من النساء. ماذا أردتِ أن تكشفيه من خلال هذا الامتداد بينهن؟
_ هناك عنف مجتمعي وسلطة ذكورية مغلظة حدثت في فترة ما من تاريخ السودان؛ الرواية سلطت الضوء على تلك الفترة مستكشفة ذلك بمبضع جراح... ما يحدث حاليًا وما يحدث لاحقًا، وهل تغيرت النظرة للمرأة السودانية أم واقفة في ذات النقطة التي كانت عليها منذ سنين عددًا... كل ذلك كشفته الرواية.
* عنوان الرواية «هلاوس الجدة» لافت، لكن العنوان الفرعي «سيمفونية الابنة والحفيدة والجدة» يفتح معنى آخر. لماذا احتجتِ إلى العنوان الفرعي؟
_الرواية غير أنها تحكي عن أجيال ثلاثة تمثلها الجدة والابنة والحفيدة، أيضًا تحكي عن تقلبات المجتمع والسياسة في السودان؛ فهي تتعرض للثورات التي حدثت بالسودان منذ ثورة أكتوبر، والتي حدثت في عام 1964، مرورًا بانتفاضة أبريل 1985 وحتى ثورة ديسمبر من العام 2018م. حيث الفضاء الزماني للرواية يستوعب كل هذه الفترة.
* استوقفتني في «هلاوس الجدة» جلسة الجبنة، وهي جلسة نسائية صباحية ذكّرتني بالصبحيات عندنا في سوريا. ماذا أردتِ أن تمنحي هذه الجلسات من حضور داخل الرواية؟
_ تكمن أهمية "جلسة الجبنة" -بفتح الجيم لغير العارفين باللهجة السودانية- في الرواية من ناحيتين: ناحية فنية "تقنية"، حيث أن "جلسة الجبنة" تمثل الفصل "صفر"، أو بالأحرى "المشهد الختامي"، والذي تنتهي فيه الرواية، إلا أن هذا المشهد يأتي متقدمًا للسرد، ثم يحدث بعد ذلك استرجاع للحكي تسرده البطلة، ومن ثم تتناقش في تفاصيل الحكي مع الابنة والحفيدة.
وفي "جلسة الجبنة" أيضًا نجد طقس "التنجيم"، والذي يكشف لنا شيئًا عن حياة البطلة، ويصف الحيز المكاني وما آل إليه نطاق التغيير في "البلدة القديمة".
* في «هلاوس الجدة»، يبدو المكان أكثر من مجرد خلفية للأحداث. ماذا أخذتِ من المكان السوداني إلى الرواية؟
_ جاءت صورة المكان في حي "شمبات" العريق -والذي يرقد في خاصرته النهر العجوز-؛ والرواية تصف الحي وما كان عليه في فترة ما قبل استقلال السودان، وما حدث بعد ذلك من عمران ونماء.
* أنا وأنتِ ننتمي إلى بلدين عانيا طويلًا من الحرب، سوريا والسودان. كيف دخلت الحرب إلى كتابتكِ، وماذا تركت فيكِ ككاتبة؟
_ لعل الغصة التي تركتها الحرب في داخلي لم تخرج بعد... فكتاباتي بعد الحرب حزينة ممزقة كالظلال الباهتة التي تركتها الحرب في داخلنا.
* استطعتِ في كتابتكِ أن تنقلي شيئًا من روح السودان وتفاصيل الحياة السودانية إلى القارئ خارج السودان. كيف استطعتِ أن تجعلي خصوصية المكان السوداني تصل إلى قارئ لا يعرفه؟
_روح السودان انتقلت من النص لخارجه، فأنت تراها من خلال نساء السودان، خاصة جداته، من خلال سمتهن المميز المتمثل في "شلوخهن" على وجوههن، وفي ثيابهن ذات الألوان الباهتة أحيانًا كثيرة؛ كما تظهر روح السودان، خاصة لمن هو غير سوداني، من خلال كرم أبناء السودان وتكافلهم في الأفراح والأتراح.
وقد ظهرت في الرواية صور الأطعمة التي تمثل ثقافات متعددة لأبناء الشمال والجنوب والشرق والغرب، كما ظهر الإرث الثقافي لكل هؤلاء من خلال رقصاتهم وهيئاتهم، التي تعكس تنوعهم الثقافي الذي قلما تجده في بلد آخر.
* لديكِ مخطوطة في النقد الأدبي بعنوان «فضاءات الكتابة». ماذا وجدتِ في النقد حين اقتربتِ منه ككاتبة؟
_ في النقد رؤى مختلفة... أحيانًا تجد نفسك متقاطعًا مع رؤية الكاتب، وأحيانًا تتفق معه، ولكن قد تختلف رؤيتكما عن رؤية المتلقي... أحيانًا تلتقط نقاطًا مبهرة في النص، وأحيانًا تلتقط هنات وقع فيها الكاتب مما يضعف نصه أو يقلل من قيمته.
لذلك كان لزامًا عليّ أن أكتب عن كل تلك الرؤى، وأرجو أن يطبع "فضاءات الكتابة" قريبًا.
* هل يغيّر النقد نظرة الكاتب إلى نصه، أم أن الكاتب حين يضع نصه أمام القارئ يفقد حقه في أن يحدد له كيف يُقرأ؟
_ هناك مقولة هي بمثابة تعويذة لكل الكتاب المشتغلين بالسرد، وهي أن "الكاتب ميت"، ووفقًا للمقولة هذه فأنت ككاتب للنص لا تستطيع أن تدافع عنه، ولابد للنص أن يدافع عن نفسه.
هذا إذا قدم النقد لما تكتبه أنت... وقد يغير النقد لنظرتك العامة التي كنت ترى عليها النص قبل تقديم النقد؛ أما إذا قدمت أنت النقد لنصوص غيرك، فقد تكون نظرتك مختلفة أيضًا عما يعتمله النص.
* في كتابتكِ، تحضر المرأة لا بوصفها شخصية فقط، بل بوصفها حاملة لذاكرة وحكايات وأسرار. متى تشعرين أن المرأة في النص تصبح إنسانة قبل أن تصبح قضية؟
_ أشعر بأن المرأة في نصي إنسانة قبل أن تصبح قضية، فعندما يقابلني قارئ ويقول لي إنه بكى في المشهد "الفلاني"، أو ضحك في المشهد "العلاني"، وإنه رأى طفولته أو صباه بين دفتي الرواية، أو أنه رأى الرواية بعيني خياله كأنه يرى فيلمًا سينمائيًا، حينها أحس بأن الرواية جعلت مني إنسانة أخرى.
* شاركتِ في مؤتمر الأديبات السودانيات الذي أقامته كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، ثم في كتاب «كاتبات من السودان وجنوب السودان». ماذا أضافت لكِ هذه التجربة على المستوى الإنساني والأدبي؟
_ أضاف لي مؤتمر أكسفورد للأديبات السودانيات والجنوب سودانيات الكثير على المستوى الشخصي، كيف أن الدول المتحضرة تعطي أولويتها القصوى لجانبي الفنون والآداب والمشتغلين فيهما، بعكس ما يحدث في دولنا النامية...
كما رأيت اهتمام دول عظمى كبريطانيا تولي اهتمامًا كبيرًا -في أكبر منبر علمي لها متمثل في "جامعة إكسفورد"، بمكانتها العلمية السامقة- لدولة كانت تستعمرها في يوم ما، فإذا هي تهتم بثقافة هذا البلد وكتابه وأدبه وفنه، وتعطيه حيزًا من اهتمامها وعلمها ليتم تدارس أدبه في واحدة من أعرق كلياتها التي كان على جنباتها "البرنامج السوداني".
* حصلتِ على جوائز عديدة عن قصصكِ. هل غيّرت الجوائز شيئًا في علاقتكِ بالكتابة، أم بقيتِ تكتبين بالطريقة نفسها؟
_ الجوائز زادتني إصرارًا على طريقي الذي مشيت عليه منذ نعومة أظافري... بمعنى أنها زادت مسؤوليتي تجاه ما أكتبه.
* بعد كل هذه السنوات بين القصة والرواية والصحافة، ما الذي ما زلتِ تبحثين عنه في الكتابة ولم تجديه بعد؟
_ أبحث عن السكينة... فكلما أكتب أحس بأن هنالك الكثير من الحكايات تتناسل في داخلي، وبأن هناك حكايا لم تولد بعد.
* حين تبتعدين قليلًا عن نجاة الكاتبة والصحفية، من هي نجاة التي لا يعرفها القراء؟
_ نجاة إنسانة بسيطة، تحس بأوجاع الآخرين قبل أن تحس بأوجاعها هي، وهي تراقب بعيني صقر علها تعكس ما ألم بالمجتمع من عطب... فكانت قضايا المشردين والمعوزين والذين لا يجدون عملًا بين ثنايا القضايا التي اشتغلت عليها كثيرًا... ولا زالت تواصل الكتابة.
سيرة:
نجاة إدريس إسماعيل... قاصة وروائية. وكاتبة صحفية
العنوان: السودان... الخرطوم بحري... شمبات
بكالوريوس العلوم بمرتبة الشرف في الموارد الطبيعية والدراسات البيئية قسم الإنتاج الحيواني من جامعة جوبا
عملت صحفية في عدد من الصحف السودانية والمجلات والمواقع المحلية والعربية ثم أسست موقع "الطرابيل "الأخباري "
مثلت السودان في مؤتمر الأديبات السودانيات في دولتي السودان وجنوب السودان والتي أقامتها كلية سانت انتوني بجامعة أكسفورد في العام 2017م
شاركت مع آخريات في إنتاج كتاب جاء بعنوان"كاتبات من السودان وجنوب السودان "والذي تولت طباعته جامعة إكسفورد وصدر في العام 2018
فازت في مهرجاني الإبداع الشبابي الأول والثاني للعامين 2015 م و2017 م على التوالي عن قصتيها "أنا والأخرى" و"أفراح خريف العمر"
كما فازت قصتها "خدوج "في مهرجان أفرابيا للشباب العربي في العام 2017 م ومن ثم تحولت قصتها لمسلسل إذاعي بث في الإذاعة السودانية إذاعة "هنا أمدرمان "وجاء المسلسل بعنوان "في ظلال الماضي"
فازت بالعديد من الجوائز في مجال القصة القصيرة في مسابقات أدبية محلية وإقليمية
صدر لها "زمن اللاوعي"مجموعة قصصية صدرت عن مؤسسة أروقة لللثقافة والعلوم في العام 2010 م .و"خدوج" "مجموعة قصصية صدرت عن دار رفيقي للطباعة والنشر في العام 2019 م...كما صدرت لها رواية "هلاوس الجدة ..سيمفونية الابنة والحفيدة والجدة "عن دار زهرات البيدر للطباعة والنشر في العام 2025
لها مخطوطة بعنوان "فضاءات الكتابة " في النقد الأدبي
شاركت في كثير من الورش عن الكتابة الإبداعية ..كما شاركت في الكثير من الورش النقدية وعن الكتابة الابداعية
كتبت في العديد من المواقع والمجلات العربية والاقليمية والمحلية كما عملت في العديد من الصحف السودانية السيارة.
*كاتبة سورية/ حلب.
كلمات البحث
الاكثر شهرة
أحمد قعبور.. وداعا!!
أحمد قعبور.. وداعا!! عمر سعيد* يومٌ ثقيلٌ آخر مملوء بالحزن والصمت ، تضيع فيه الأماني بين...
لا تعَوِّد
«لا تعَوِّد» عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخالرياض لا تعَوِّد .. جَمْرَنَا رَمَّدْ و لا يْدَفّْي...
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!!
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!! طلال مرتضى* ثمة نهج فني خاص اتّبع...
هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! د قاسم عبد العزيز الدوسري
هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! قراءة د. قاسم عبد العزيز الدوسري لنص " داخل البرزخ " للكاتبة روعة س...