بدر شاكر السياب شاعر المفارقة العراقية!!

بدر شاكر السياب شاعر المفارقة العراقية!!
الشاعر العراقي بدر شاكر السياب

بدر شاكر السياب شاعر المفارقة العراقية!!

في ذكرى رحيله

سيد كريم عذاب لفته الزاملي الموسوي*

 

من مفارقات القدر العراقي أن يُعاد نعش بدر شاكر السيّاب من الكويت في يومٍ ماطر، ليُحمل عبر طرق أبي الخصيب الطينية، من دون أن يُسمح له بدخول بيته، بعد أن أُخرجت عائلته منه بسبب العوز.
وتكتمل المفارقة حين نعلم أن مؤسسات رسمية كانت طرفًا في هذا المشهد القاسي، كما تتكرّس حين يُخاصمه حزب سياسي أو يُبتهج برحيله المبكر أو تُودَع مقتنياته في مكتبة الكونغرس بدل أن تُحفظ في العراق.
ليست هذه الوقائع حوادث عابرة، بل علامات دالّة على علاقة مأزومة بين الثقافة العربية ومبدعيها.

يصعب أن نجدها عالمياً ومن منا لا يعرف أسماء بدر شاكر السيّاب، ومظفّر النوّاب، وعريان السيّد خلف؛ إذ تحوّل هؤلاء إلى رموز شعرية شكّلت الوجدان الجمعي، لأنهم عبّروا بصدق عن هموم المجتمع وتحولاته.

اشترك السيّاب والنوّاب في كونهما مجددين، غير أن كلًّا منهما أنجز ثورته في حقل مختلف: فجدد النوّاب الشعر الشعبي، وحرّره من قوالبه التقليدية، وجعله أداة احتجاج ورؤية، بينما قاد السيّاب ثورة موازية في الشعر الفصيح، مستندًا إلى وعي ثقافي عميق، وانفتاح على الشعر العالمي، واستثمار خلاق للأسطورة والتاريخ.

وقد أسّس السيّاب، عبر هذا التراكم المعرفي والجمالي، لبداية جديدة في الشعر العربي، لا على مستوى الإيقاع فحسب، بل في بنية القصيدة ورؤيتها ووظيفتها. ومع ذلك، لم يقطع صلته بالموروث العربي قطعًا تامًا، وهو ما يتجلى حتى في قصيدته الأشهر «أنشودة المطر»، التي افتتحها بمقدمة غزلية تستعيد تقليدًا عربيًا قديمًا يقوم على تهيئة المتلقي قبل الدخول في الموضوع الثقيل.

غير أن المعضلة النقدية تكمن في اختزال تجربة السيّاب الثرية في هذه القصيدة وحدها حتى وصفها النقاد كونها المحرك الخفي لقيام ثورة ١٩٨٥م

وقيام الجمهورية لما تحمله من رمزية مقننه تحارب الظلم والاقطاع في ذلك الوقت، وان إغفال نصوص لا تقل عمقًا وأهمية، مثل «غريب على الخليج» و«المعبد الغريق» و«شناشيل ابنة الجلبي»، حيث تتجلى غربته الوجودية، ووعيه الاجتماعي، ورمزيته المركّبة. إن هذا الاختزال لا يظلم السيّاب شاعرًا فحسب، بل يكشف أيضًا نزعة ثقافية تميل إلى تبسيط الرموز الكبرى بدل قراءتها في سياقها الكامل.

في ذكرى رحيله، تبدو إعادة قراءة السيّاب ضرورة ثقافية، لا بوصفه شاعر «أنشودة المطر» وحدها، بل يعد أحد المؤسسين الكبار للحداثة الشعرية العربية، وشاهدًا مؤلمًا على مفارقة عراقية مزمنة: الإبداع يُحتفى به بعد الغياب، لا في زمن الحياة.

وكأن هذه القالب لا ينكسر تكرم بعد موتك.

وكما أن الإبن مكمل لأبيه فقد أخذ على عاتقه نجل الشاعر السياب توثيق إرث أبيه وجمعه، لانه ليس للعراق وحده او ارث عربي.بل إرث عالمي وجداني.

وأشار، خلال إحدى زياراته إلى البصرة، إلى أنه جمع ما تبقّى من مخطوطات والده ونقلها معه إلى الولايات المتحدة حيث يقيم، معلنًا عزمه إيداعها في مكتبة الكونغرس الأميركي، بدعوى الحفاظ على هذا الإرث من الضياع، في ظل غياب ضمانات جادّة لصون منزل السيّاب وحفظ تراثه الثقافي.

كما يُذكر أن السيّاب أنجز في وقت مبكر ترجمة عدد من القصائد العالمية، ونشرها في كتاب صدر عام 1955، في دلالة واضحة على عمق انفتاحه على الشعر العالمي، والى قلم اخر من اقلام وطننا العربي الكبير ومشرقنا الاسلامي العامر.

كتب في فضاء الحرية.. بتصرف.

 

*كاتب عراقي، جامعة واسط.

 


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...