كرات ورقية بيضاء
كرات ورقية بيضاء
ق.ق.:لطيفة محمد حسيب القاضي
غسلت مريم المتوفاة، ثم عادت إلى بيتها حيث زوجها علاء، الذي فقد عمله إثر طرده لاختلاسه بعضًا من مال شركة الهواتف النقالة التي يعمل بها، في محاولة منه لسداد ديونه المتراكمة منذ زمن بعيد. كان علاء يعمل محاسبًا في الشركة، لكنه أصبح الآن عاطلاً عن العمل، وإيجار البيت باهظ الثمن. وزوجته مريم تعمل في تغسيل المتوفيات بمقابل زهيد لا يكفي لمتطلبات الحياة اليومية، وليس لهما مصدر مادي سوى هذا العمل.
بيتهما صغير، يحتوي على غرفتين: إحداهما غرفة نوم والأخرى غرفة معيشة وصالة. يتميز البيت بالبساطة، حيث تتدلى من جدران غرفة المعيشة صور تعكس بساطة الحياة والترابط الأسري رغم الظروف الصعبة. تتوزع بضعة من الأثاث المنخفضة في الغرفة، حيث تحتوي على طاولة صغيرة ومجموعة من الكراسي المتناثرة.
عندما عادت مريم إلى البيت، وجدت زوجها علاء خائر النفس. كان علاء شخصًا نحيفًا للغاية، يرتدي سروالًا مرتفعًا وقميصًا باليًا. يبدو على وجهه الذي غطاه الشعر الكثيف، وعينيه اللتين لا تكادان تظهران من تحت حاجبيه الكثيفين المتهدلين، أنه حاد الطباع وغير مريح. كان شعره غير ممشط، مما أضفى عليه مزيدًا من الصرامة، وكان حافي القدمين.
سألته مريم بصوت متهدج: ماذا بك يا علاء؟
خيم عليه الصمت كصمت القبور.
-لقد بحثت كثيرًا عن عمل ولم أجد. المصاريف كثيرة.. أشعر بحالة حزن بسبب هذه الظروف الصعبة.
فكرت مريم كيف تنقذ حياتها من الفقر والضياع. استغرقت في تفكير عميق وهي تسير داخل الغرفة، وأخيرًا وصلت إلى فكرة تساعدهما على الربح وكسب المال الكثير.
قالت:
-علاء، أريد أن أشتري كتبًا في السحر.
رد بدهشة: ماذا بك يا مريم؟ كتب سحر؟
أجابت: نعم، أريد تعلم السحر وأعمل به لكي أجني المال الكثير.
في بداية الأمر، رفض علاء هذه الفكرة التي قد تعرض زوجته للخطر، لكن مريم استمرت في إقناعه قائلة:
-سوف تعمل معي في هذا العمل الجديد وتجني المال منه.
فكر كثيرًا، ثم قال: لا..لا ..يا مريم، الأمر صعب.
أصرت:
-لا تعتقد ذلك بالأمر السهل يا علاء. الأمر يتطلب ذكاء ومهارة فقط.. وأنا أمتلكهما.
قال:
-ربما الشرطة تكشف أمرك! وتتعرضين للحبس في السجن.
أجابته:
-لن يحدث ذلك أبدًا.. أنا متأكدة من ذلك. الذي أعرفه أننا سنجني المال الكثير وسيتحسن حالنا.
بعد الكثير من المداولات، وافق علاء في النهاية على شراء كتب السحر، وجلس هو ومريم يتعلمان قواعد السحر.
عندما أتقنت مريم تلك القواعد، أفرغت غرفة من غرف البيت وجعلتها مكانًا للعمل الجديد (السحر والشعوذة). وجهزت مع زوجها الغرفة.
كانت الغرفة تتسم بجو من الغموض، مزينة بالرموز الروحانية. الحوائط مغطاة بالقماش المظلم، ومنسدلة عليها ستائر ثقيلة لإضفاء جو من الخصوصية والانفراد. الأرضية مغطاة بسجاد سميك، وتتوسط الغرفة طاولة كبيرة عليها أدوات العمل من تمائم ورموز. وتوجد مجموعة من الكريستالات لأغراض الشفاء، ومجموعة من الكتب والمخطوطات السحرية اللازمة للشعوذة. كانت الإضاءة خافتة في الغرفة.
أما مريم المشعوذة، فقد اتسمت بجمال غامض ينبعث منه سحر خاص. فعينيها العميقتين تتوهجان بالحكمة والقوة، وشعرها الأسود يتدلى حولها كالستار الليلي، وهي تتراقص بلطف مع خطواتها المتأنقة. ملامح وجهها الرقيقة مزيج بين الأنوثة والقوة، مما يمنحها وجودًا لا يمكن تجاهله.
سرعان ما انتشر صيت مريم في المدينة، وأصبحت واحدةً من أشهر النساء فيها. تتوافد النساء عليها من كل حدب وصوب للاستفادة من حكمتها وسحرها. أصبحت امرأة السحر رمزًا للأمل والشفاء الروحي والعاطفي، وللتحرر من الظروف الصعبة التي تعاني منها النساء. كانت النساء يبحثن عن السحر للحصول على حماية وقوة لمواجهة تحديات الحياة والمجتمع.
مع مرور الوقت، أصبحت مريم المشعوذة كالنجمة الساطعة في سماء المدينة، تأخذ بيد النساء وترشدهن نحو تحقيق أمنياتهن وأحلامهن.
في صباح يوم الجمعة، الساعة السادسة صباحًا، كانت مريم نائمة، إذ رن الهاتف. كانت تعرف أن أحدًا ما يريدها لغسل المتوفاة.
اتصلت بها ابنة السيدة سناء المتوفاة لتطلب منها القدوم لتغسل أمها. قالت مريم:
-إكرام الميت دفنه.
ردت ابنة سناء: تعالي بسرعة، لدفن أمي.
بالفعل، ذهبت مريم لغسل المتوفاة، وقالت للحضور:
- الرجاء من الجميع الخروج من الغرفة لكي أقوم بتغسيلها، اندهش الحضور وأخذوا يقولون لها:
-لماذا نخرج؟
أجابت: هذا أفضل للمتوفاة حتى يتقبلها الله قبولًا حسنًا، وتدخل الجنة بغير حساب، ومن جهتي أتمكن من تغسيلها بشكل جيد.
انصرف الجمهور من غرفة المتوفاة، وانهت مريم عملها. أخذت المال وانصرفت إلى بيتها.
في اليوم التالي، هاتفتها إحدى الجارات في الساعة الثالثة عصرًا لتطلب منها القدوم بسرعة لتغسل أمها. ذهبت مسرعة إلى بيت الجارة، ودخلت غرفة غسل المتوفاة، وقالت لهم:
-الرجاء إحضار ماء دافئ وقطعة من القماش لكي أغسل المتوفية.
أحضروا لها كل ما طلبت، ثم قالت:
-الآن، الرجاء الانصراف لكي أغسل المتوفاة.
ابنة المتوفاة، منال، رفضت الخروج، فتوجهت مريم إليها طالبة الخروج. وبالفعل، خرج كل الحضور من الغرفة.
لكن منال شعرت بشيء غريب، فقررت أن تتجسس عليها من خلال فتحة باب صغيرة. وإذ بالمفاجأة التي جعلت قلب منال ينبض بسرعة شديدة، شعرت بالحزن والدهشة والأسى.
رأت مريم وهي تضع كرات من الأوراق البيضاء في فم أمها، وفي المناطق الحساسة من جسدها.
بعد ذلك، خرجت مريم من غرفة تغسيل أمها وانصرفت إلى بيتها. قررت منال أن تدخل إلى غرفة أمها لترى ما وضعته مريم فيها.
فتحت فم أمها، لكنها لم تجد أثرًا لأي شيء.
أصيبت بالدهشة والخوف الشديدين، وقررت الذهاب إلى الشرطة لتخبرهم بما رأته.
أسرعت تقود سيارتها، وجسدها كله ينتفض من هول ما رأته، وهي تقول: "أهو حلم أم حقيقة؟ أين الأوراق؟ كيف اختفت؟"
وصلت إلى قسم الشرطة، وأجرت بلاغًا بكل ما رأته. طلبت من الشرطة الحضور فورًا.
جاءت الشرطة لتفتش في فم المتوفاة، فلم تجد شيئًا.
قررت الشرطة مراقبة بيت مريم.
راقبت الشرطة بيتها، واكتشفت أنها مشعوذة، إذ كان الناس يدخلون ويخرجون من عندها، وزوجها يعمل معها.
أحضرت الشرطة مريم وزوجها إلى قسم الشرطة، وسألتها:
-أين الأوراق البيضاء التي تضعينها في فم الموتى؟
فاجأتهم إجابتها:
-هذه الأوراق هي طلاسم من السحر والشعوذة. أضعها في فم المتوفاة وأخفيها داخل أعضاءه التناسلية حتى لا يستطيع أحد أن يجدها، فيستمر مفعول السحر إلى الأبد.
غضبت الشرطة، وحولتها وزوجها إلى المحاكمة.