كيف يصنع الرجال المجد؟ وكيف تبتلعهم السياسة!! د. تمام كيلاني

كيف يصنع الرجال المجد؟ وكيف تبتلعهم السياسة!!  د. تمام كيلاني

كيف يصنع الرجال المجد؟ وكيف تبتلعهم السياسة!!

 

تمام كيلاني*

 

 

طارق بن زياد وموسى بن نصير وصقر قريش…..

 

 

التاريخ ليس حكاية أبطالٍ منفردين…

بل هو شبكة معقدة من الرجال، والأفكار، والطموحات، والخيبات.

 

لكن البشر يحبّون دائمًا اختزال الأحداث الكبرى في اسمٍ واحد.

بطلٌ يعبر البحر.

قائدٌ يهزم جيشًا.

أميرٌ يبني دولة.

 

ثم ينسون أن وراء كل لحظةٍ عظيمة، رجالًا آخرين صنعوا الظروف، ومهّدوا الطريق، ودفعوا الثمن أيضًا.

 

ولهذا، فإن الحديث عن الأندلس لا يكتمل بذكر طارق بن زياد وحده…

كما لا يكتمل بذكر عبد الرحمن الداخل وحده.

 

فهناك رجل ثالث، كان العقل الاستراتيجي الذي مهّد لكل شيء:

موسى بن نصير.

 

فلو كان طارق هو سيف الفتح…

وكان الداخل عقل البقاء…

فإن موسى بن نصير كان مهندس المشروع كله.

 

في مطلع القرن الثامن الميلادي، كانت الدولة الأموية في ذروة قوتها، بينما كانت أوروبا الغربية تعيش اضطرابًا عميقًا.

 

وعلى الضفة الأخرى من البحر، كانت مملكة القوط تبدو قوية من الخارج، لكنها كانت تتآكل من الداخل:

صراعات على الحكم،

فساد سياسي،

انقسامات دينية،

وتمردات لا تهدأ.

 

وفي شمال إفريقيا، كان موسى بن نصير يُعيد تشكيل المنطقة بحنكة رجل دولة لا بعقلية قائد حرب فقط.

 

لم يكن مجرد والٍ عسكري.

بل كان صاحب رؤية بعيدة.

 

فقد أدرك أن تثبيت الحكم لا يتم بالسيف وحده،

بل بكسب الناس، وتنظيم الإدارة، وبناء التحالفات.

 

وحين استقرت له إفريقية، بدأ ينظر إلى الضفة الأخرى من البحر…

إلى الأندلس.

 

لم يكن الأمر مغامرة عشوائية كما يصوّره البعض،

بل مشروعًا سياسيًا وعسكريًا محسوبًا بعناية.

 

ومن هنا بدأ الفصل الأخطر في التاريخ.

 

اختار موسى أحد أبرز قادته:

طارق بن زياد.

 

ذلك الرجل الذي جمع بين الجرأة والذكاء العسكري والإيمان العميق بالمهمة.

 

وفي سنة 92هـ / 711م، عبر طارق البحر بجيشٍ صغير،

جيشٍ لا يشبه الجيوش التي تصنع عادةً الانتصارات الكبرى.

 

لكن التاريخ لا يُهزم دائمًا بالقوة…

بل أحيانًا يُهزم باليقين.

 

وفي وادي لكة، سقط جيش لذريق،

وسقط معه توازنٌ سياسي حكم شبه الجزيرة الإيبيرية لقرون.

 

ثم بدأت المدن تتهاوى الواحدة تلو الأخرى:

قرطبة،

طليطلة،

إشبيلية،

غرناطة…

 

وكان العالم يشهد ولادة مرحلة جديدة.

 

لكن الإنصاف التاريخي يقتضي أن نقول:

إن طارق لم يكن يتحرك في فراغ.

 

فخلف ذلك القائد، كان هناك رجل يدير المشهد الأكبر:

موسى بن نصير.

 

لقد أرسل الإمدادات،

ونظّم خطوط التوسع،

ثم عبر بنفسه لاحقًا إلى الأندلس ليكمل تثبيت الفتح ويدير المناطق الجديدة.

 

بل إن كثيرًا من المدن الكبرى فُتحت تحت قيادته المباشرة،

وكان له الدور الأبرز في تحويل الانتصار العسكري إلى مشروع دولة.

 

وهنا تظهر الحقيقة التي كثيرًا ما يختصرها السرد الشعبي:

الفتوحات العظيمة لا يصنعها السيف وحده…

بل يصنعها أيضًا العقل الذي يعرف كيف يدير النصر.

 

لكن المأساة القديمة عادت من جديد.

 

فكلما كبر المجد…

كبر معه القلق السياسي.

 

كبر اسم طارق بن زياد سريعًا،

وتضخمت أخبار الفتح في دمشق،

وبدأت الخلافات بين القادة تظهر إلى السطح.

 

فاستُدعي موسى وطارق إلى عاصمة الخلافة.

 

ومنذ تلك اللحظة،

بدأت أسماء الرجال الذين فتحوا الأندلس تتراجع في المشهد السياسي.

 

طارق اختفى تقريبًا من الروايات.

 

وموسى بن نصير نفسه — رغم مكانته الهائلة — انتهت حياته بعيدًا عن السلطة التي خدمها طويلًا.

 

وكأن التاريخ يكرر درسه القاسي:

الدول تحتاج الأبطال في لحظة التأسيس…

ثم تخافهم بعد اكتمال البناء.

 

ثم مرّت السنوات،

وجاءت الكارثة الكبرى بسقوط الدولة الأموية في المشرق على يد العباسيين.

 

بدت النهاية كاملة.

 

لكن من بين الرماد،

خرج رجل يحمل بقايا الحلم:

عبد الرحمن الداخل.

 

شاب مطارد،

يعبر الصحارى والأنهار،

لا يملك جيشًا عظيمًا،

ولا عاصمة،

ولا دولة.

 

لكنه كان يحمل شيئًا أخطر:

الإرادة.

 

وحين وصل إلى الأندلس،

أعاد بناء المشروع الأموي من جديد.

 

وحوّل الفوضى إلى دولة،

والانقسام إلى وحدة،

والهزيمة إلى نهضة.

 

حتى إن الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور قال عنه عبارته الشهيرة:

“ذاك صقر قريش.”

 

لأنه استطاع أن يفعل ما ظنه الجميع مستحيلًا:

أن يعيد بعث دولةٍ من تحت الأنقاض.

 

وهنا تكتمل صورة الأندلس الحقيقية.

 

موسى بن نصير…

هو الذي رسم الطريق.

 

وطارق بن زياد…

هو الذي اقتحم الطريق.

 

وعبد الرحمن الداخل…

هو الذي حمى الطريق من الضياع.

 

ثلاثة رجال…

ثلاثة أدوار مختلفة…

لكنهم جميعًا كانوا ضرورةً لولادة الأندلس وبقائها.

 

فلو غاب موسى،

لما وُجد المشروع أصلًا.

 

ولو غاب طارق،

لما تحقق الفتح.

 

ولو غاب الداخل،

لما استمرت الأندلس قرونًا طويلة.

 

الأندلس لم تكن مجرد معركة ناجحة،

بل كانت تجربة حضارية كاملة.

 

هناك تحوّلت قرطبة إلى واحدة من أعظم مدن العالم،

وامتلأت بالمكتبات والعلوم والفلسفة والطب والفلك والهندسة.

 

وفي الوقت الذي كانت فيه أجزاء واسعة من أوروبا تغرق في الفوضى،

كانت الأندلس تصنع النور.

 

ولهذا فإن أعظم ما فعله أولئك الرجال،

لم يكن فقط أنهم انتصروا…

بل أنهم حوّلوا الانتصار إلى حضارة.

 

وبين موسى وطارق وصقر قريش…

يقف درس التاريخ الأكبر:

 

الأمم لا يصنعها رجل واحد.

 

فالتاريخ يحتاج أحيانًا إلى:

رجلٍ يملك الرؤية،

ورجلٍ يملك الشجاعة،

ورجلٍ يملك القدرة على البقاء.

 

موسى كان عقل التخطيط.

وطارق كان روح الاقتحام.

والداخل كان عبقرية الاستمرار.

 

لكن السياسة…

كانت دائمًا أقل وفاءً من التاريخ.

 

ولهذا بقي بعضهم خالدًا في الذاكرة،

وبقي بعضهم مظلومًا بين السطور.

 

غير أن الحقيقة لا تضيع بالكامل.

 

فكلما ذُكرت الأندلس،

عاد هؤلاء الرجال الثلاثة ليقفوا معًا من جديد…

كأن الزمن يعترف أخيرًا،

أن الحضارات العظيمة لا يصنعها بطل واحد،

بل تصنعها سلسلة من الرجال الذين يعرفون كيف يحلمون… وكيف يدفعون ثمن أحلامهم .

 

*رئيس الجمعية الطبيه الاوربيه/ فيينا. العربية.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

أمسية قصصية في دمشق بذكرى النكبة الفلسطينية !! عمر سعيد

أمسية قصصية في دمشق بذكرى النكبة الفلسطينية !! عمر سعيد
بوابة دمشق

إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر

إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر
بوابة دمشق

"نهاية الرحلة" بداية تالية تسطرها معاني سليمان!! مصطفى العقاد

"نهاية الرحلة" بداية تالية تسطرها معاني سليمان!! مصطفى العقاد
بوابة دمشق

حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد

حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد
بوابة دمشق

كيف ينظر الإنسان إلى الزمن..؟ د. تمام كيلاني

كيف ينظر الإنسان إلى الزمن..؟ د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

من باب اللغة تدخل "نجاة" وطن الخزامى!! الأديب شاهر خضرة

من باب اللغة تدخل "نجاة" وطن الخزامى!! الأديب شاهر خضرة
بوابة دمشق

الطبّ الذي لا يُدرَّس في كليات الطب !! د. تمام كيلاني

الطبّ الذي لا يُدرَّس في كليات الطب !! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...