مارسيل بوازار.. الدبلوماسي السويسري الذي اكتشف إنسانية الإسلام..!! د. تمام كيلاني
مارسيل بوازار.. الدبلوماسي السويسري الذي اكتشف إنسانية الإسلام..!!
د. تمام كيلاني*
ليست كل الشهادات التي أنصفت الإسلام جاءت من مفكرين اعتنقوه أو من مستشرقين أمضوا حياتهم بين المخطوطات والجامعات. فهناك شخصيات أخرى اقتربت من الإسلام من زاوية مختلفة، زاوية القانون والعدالة والعلاقات الدولية، ثم خرجت بقناعة راسخة أن كثيرًا مما يُقال عن الإسلام في الغرب لا يعكس حقيقته التاريخية والحضارية.
ومن أبرز هذه الشخصيات يبرز اسم مارسيل بوازار، القانوني والدبلوماسي السويسري الذي كرّس جانبًا مهمًا من حياته الفكرية لدراسة الحضارة الإسلامية، وقدم واحدة من أكثر الشهادات الأوروبية إنصافًا للإسلام في القرن العشرين.
ولد مارسيل بوازار في سويسرا، ونشأ في بيئة أوروبية تؤمن بقيم القانون والمؤسسات والبحث العلمي. وتخصص في القانون الدولي والعلاقات الدولية، وعمل في مجالات أكاديمية ودبلوماسية جعلته قريبًا من قضايا الشعوب والثقافات المختلفة.
وخلال مسيرته المهنية وجد نفسه أمام سؤال مهم: كيف يمكن لحضارة امتدت قرونًا طويلة وأسهمت في بناء جزء كبير من التراث الإنساني أن تُختزل في الوعي الغربي إلى مجموعة من الصور السلبية والأحكام المسبقة؟
هذا السؤال قاده إلى دراسة الإسلام بعيدًا عن ضجيج السياسة والإعلام. لم يكتفِ بالقراءة السطحية أو بالنقل عن الآخرين، بل عاد إلى المصادر والتاريخ والتجربة الحضارية الإسلامية نفسها، محاولًا أن يفهم الإسلام كما يفهمه أهله، لا كما يصوره خصومه.
ومع مرور الوقت بدأ يكتشف أن هناك فجوة واسعة بين الصورة الشائعة عن الإسلام في الغرب وبين الواقع التاريخي للحضارة الإسلامية. فقد وجد أن الإسلام قدم للعالم منظومة متقدمة من القيم المتعلقة بالعدالة والكرامة الإنسانية والتكافل الاجتماعي واحترام العلم والمعرفة.
وكانت النتيجة الأبرز لهذه الرحلة الفكرية كتابه الشهير “إنسانية الإسلام”، الذي أصبح من أهم الكتب الأوروبية التي تناولت الإسلام بروح منصفة وعلمية. وقد سعى فيه إلى إبراز الجوانب الإنسانية والأخلاقية والحضارية التي شكلت جوهر الرسالة الإسلامية عبر التاريخ.
لقد رفض بوازار النظرة التي تختزل الإسلام في الصراعات السياسية أو الأحداث المعاصرة، وأكد أن فهم أي حضارة لا يكون من خلال لحظة تاريخية عابرة، بل من خلال دراسة مبادئها ومنجزاتها ومسيرتها الطويلة.
وفي كتاباته أوضح أن الإسلام لم يكن مجرد دين ينظم العلاقة بين الإنسان وربه، بل كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا أسهم في بناء مجتمع يقوم على قيم العدالة والتضامن والمسؤولية الاجتماعية. كما لفت الانتباه إلى الدور الكبير الذي لعبته الحضارة الإسلامية في حفظ العلوم وتطويرها ونقلها إلى أوروبا خلال عصور النهضة.
وكان يرى أن أحد أسباب سوء الفهم بين العالم الإسلامي والغرب هو الجهل المتبادل. فالغرب كثيرًا ما ينظر إلى الإسلام من خلال الصور الإعلامية أو الصراعات السياسية، بينما يغفل البعد الحضاري والإنساني العميق الذي شكّل جوهر التجربة الإسلامية عبر القرون.
ولم يتردد بوازار في الإشادة بالمبادئ الأخلاقية التي جاء بها الإسلام، وخاصة ما يتعلق باحترام الإنسان وصون كرامته وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات. وقد رأى أن هذه المبادئ تمتلك قدرة كبيرة على الإسهام في معالجة كثير من الأزمات الأخلاقية والاجتماعية التي يعاني منها العالم المعاصر.
ومن هنا اكتسبت كتاباته أهمية خاصة في أوروبا؛ لأنها لم تصدر عن داعية أو رجل دين مسلم، بل عن باحث قانوني ودبلوماسي غربي اعتاد التعامل مع الوقائع والنصوص والمعايير الدولية. ولذلك جاءت شهادته أقرب إلى لغة العقل والمؤسسات منها إلى لغة العاطفة والانفعال.
كما دعا بوازار إلى بناء علاقة جديدة بين الغرب والعالم الإسلامي تقوم على المعرفة والاحترام المتبادل، بدلًا من الأحكام المسبقة والصور النمطية. وكان يؤمن أن الحضارات لا تزدهر بالصدام، بل بالحوار والتعاون وتبادل الخبرات الإنسانية.
لقد ساهمت أعماله في فتح أبواب جديدة للحوار حول الإسلام داخل الجامعات الأوروبية ومراكز الدراسات الدولية. وأصبح اسمه مرجعًا لدى كثير من الباحثين المهتمين بالعلاقة بين الإسلام وحقوق الإنسان والقانون الدولي والحضارة الإنسانية.
وإذا كان بعض المفكرين الغربيين قد أنصفوا الإسلام من خلال الفلسفة أو أمور اخرى، فإن مارسيل بوازار أنصفه من خلال القانون والعقل والتاريخ. وقد أثبت أن الباحث النزيه قادر على تجاوز الصور الجاهزة عندما يقترب من الحقيقة بعين العلم والإنصاف.
واليوم، ما زالت كتاباته تحتفظ بقيمتها الفكرية، لأنها تذكرنا بأن الحضارات لا تُفهم من خلال الخصومات السياسية، بل من خلال مبادئها وإسهاماتها الإنسانية. كما تذكرنا بأن العدالة الفكرية تقتضي الحكم على الأفكار والحضارات من خلال حقائقها، لا من خلال الصور التي يرسمها الآخرون عنها.
لقد كان مارسيل بوازار صوتًا أوروبيًا عاقلًا دعا إلى الإنصاف في زمن كثرت فيه الأحكام المسبقة، وجسرًا فكريًا بين عالمين يحتاج كل منهما إلى معرفة الآخر أكثر مما يحتاج إلى الخوف منه.
رحل مارسيل بوازار، وقبا رحيله اختار أن يجعل من العلم طريقًا إلى الحقيقة، ومن الإنصاف رسالة في خدمة التفاهم بين الشعوب والحضارات.
والله من وراء القصد.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
مراد هوفمان.. الدبلوماسي الألماني الذي وجد في الإسلام جوابًا لأسئلة الغرب..!! د. تمام كيلاني
روجيه جارودي.. الفيلسوف الذي بحث عن الحقيقة حتى وجدها..!! د. تمام كيلاني
عبد الله كويليام.. الرجل الذي أشعل أول مصباح للإسلام في قلب بريطانيا..!! د. تمام كيلاني
محمد أسد.. الرجل الذي عبر من الغرب إلى روح الإسلام. !! د. تمام كيلاني
أمينة الجباري: حين تسكن الفراشات النص!! كوثر جعفر
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...