محمد أسد.. الرجل الذي عبر من الغرب إلى روح الإسلام. !! د. تمام كيلاني
محمد أسد.. الرجل الذي عبر من الغرب إلى روح الإسلام. !!
د. تمام كيلاني*
بعض الرجال لا يغيرون أسماءهم فحسب، بل يغيرون مسار حياتهم ومسار الأفكار من حولهم. وبعض الرحلات لا تنتهي عند حدود مدينة أو قارة، بل تمتد لتصبح جزءاً من تاريخ الإنسانية. هكذا كان محمد أسد؛ ذلك الرجل الذي خرج من قلب أوروبا باحثاً عن الحقيقة، فعاد إلى العالم حاملاً رسالة حضارية ما زالت تلهم الملايين حتى اليوم.
ولد باسم ليوبولد فايس Leopold Weiss في مطلع القرن العشرين في مدينة Lviv يوم 2 تموز 1900.
عند ولادته كانت المدينة تُعرف بالألمانية باسم Lemberg وكانت جزءًا من إقليم غاليسيا في Austria-Hungary. أما اليوم فهي مدينة لفيف في غرب Ukraine.
لذلك يمكن القول إنه وُلِد في لفيف الحالية بأوكرانيا، لكن الدولة التي كانت تحكم المدينة آنذاك هي الإمبراطورية النمساوية المجر
في بيئة أوروبية مثقفة من أصول يهوديه
نشأ في عالم يمجد العقل ويحتفي بالمنجزات المادية، لكنه كان يشعر بأن شيئاً جوهرياً مفقوداً وسط هذا البريق. كانت أوروبا تبني المصانع والجامعات والجيوش، لكنها في نظره كانت تعاني عطشاً روحياً عميقاً لا تستطيع الحضارة المادية وحدها أن ترويه.
قادته مهنته الصحفية إلى الشرق العربي والإسلامي، وهناك بدأت رحلة الاكتشاف الكبرى. لم يكن يبحث عن دين جديد، بل كان يبحث عن إجابات لأسئلة قديمة سكنت روحه منذ شبابه. وفي شوارع القدس، وصحارى الجزيرة العربية، ومجالس العلماء والبدو، وجد أمامه حضارة مختلفة؛ حضارة تجعل من الإيمان جزءاً من الحياة اليومية، وتربط الإنسان بخالقه وبالكون من حوله في انسجام مدهش.
لم يكن إسلام محمد أسد نتيجة انفعال عاطفي أو إعجاب عابر، بل ثمرة رحلة فكرية شاقة خاضها بعقل ناقد وروح متأملة. وحين أعلن إسلامه عام 1926، لم يشعر أنه تخلى عن ذاته، بل شعر أنه وجدها أخيراً.
ومنذ تلك اللحظة، تحول إلى أحد أهم الأصوات الفكرية التي عرفت الإسلام للعالم الغربي. لم يكن داعية تقليدياً، بل مفكراً يمتلك قدرة نادرة على ترجمة القيم الإسلامية إلى لغة يفهمها العقل الغربي ويحترمها. ولذلك جاءت مؤلفاته شاهداً على عمق معرفته واتساع رؤيته، وفي مقدمتها كتابه الخالد “الطريق إلى مكة”، الذي يعد من أروع السير الفكرية والروحية في القرن العشرين.
في ذلك الكتاب لم يروِ قصة اعتناق الإسلام فقط، بل قدم شهادة إنسانية استثنائية عن رحلة البحث عن المعنى في عالم مضطرب. لقد كتب عن الإنسان قبل أن يكتب عن نفسه، وعن الحقيقة قبل أن يكتب عن رحلاته، ولذلك بقي الكتاب حياً بعد أكثر من نصف قرن على صدوره.
ثم جاءت تحفته الفكرية “رسالة القرآن”، التي قدم فيها تفسيراً معاصراً للقرآن الكريم جمع بين أصالة الفهم الإسلامي وعمق الثقافة الإنسانية. لقد أراد أن يبرهن أن الإسلام ليس تراثاً تاريخياً فحسب، بل مشروعاً حضارياً قادراً على مخاطبة الإنسان في كل زمان ومكان.
كان محمد أسد يدرك أن أزمة العصر الحديث ليست نقصاً في المعرفة، بل نقصاً في الحكمة. وأن الإنسان كلما ازداد قوة مادية ازداد احتياجاً إلى بوصلة أخلاقية وروحية توجه هذه القوة. ولذلك رأى في الإسلام التوازن الذي افتقده العالم المعاصر؛ توازناً بين العقل والقلب، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الفرد والمجتمع.
ولعل أبلغ دليل على المكانة التي بلغها هذا المفكر الكبير أن النمسا، التي شهدت ميلاده الأول باسم ليوبولد فايس، عادت بعد عقود لتكرمه باسم محمد أسد. فقد أطلقت مدينة فيينا اسمه على ساحة عامة تقع بالقرب من مقر الأمم المتحدة، في مشهد يحمل دلالات عميقة تتجاوز حدود التكريم التقليدي. وكان للأستاذ المهندس عمر الراوي فضلا عظيما في هذه المبادرة القيمة وكأن التاريخ أراد أن يضع اسم الرجل الذي كرّس حياته لبناء جسور التفاهم بين الحضارات، في المكان الذي تجتمع فيه أمم الأرض وشعوبها وثقافاتها.
إنها ليست مجرد ساحة تحمل اسماً، بل شهادة حضارية على أن الأفكار العظيمة تستطيع أن تنتصر على الحدود والانقسامات. فهناك، بالقرب من الأمم المتحدة، يقف اسم محمد أسد شاهداً على رحلة استثنائية بدأت بشاب أوروبي يبحث عن الحقيقة، وانتهت بمفكر عالمي أصبح رمزاً للحوار بين الشرق والغرب.
رحل محمد أسد عن الدنيا، لكن أثره لم يرحل. فما زالت كتبه تقرأ، وأفكاره تناقش، وسيرته تلهم كل باحث عن المعنى في زمن الضجيج. وسيبقى اسمه واحداً من أعظم الأسماء التي أنجبتها أوروبا الحديثة، ليس لأنه اعتنق الإسلام فحسب، بل لأنه استطاع أن يكشف للعالم جوهره الإنساني والحضاري بلغة العقل وصدق التجربة ونور الحقيقة.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
أمينة الجباري: حين تسكن الفراشات النص!! كوثر جعفر
عدنان مندريس.. شهيد الديمقراطية وصوت الأذان الذي عاد إلى سماء تركيا..!! د. تمام كيلاني
من باريس إلى دمشق: هل حان وقت مراجعة الشهادات الأكاديمية المشكوك بها..؟! د. تمام كيلاني
سيغريد هونكه… Sigrid Honke شاهدةٌ للحقيقة في زمن العمى الحضاري..!! د. تمام كيلاني
حين تصبح الحقيقة خادمةً للسلطة..!! د. تمام كيلاني
الذاكرة لا تتذكر فقط… بل تختلق أيضًا..!! د. تمام كيلاني
من مفارقة العنوان إلى انزياح اللغة وقلب التناص!! سعيدة بركاتي
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...