سيغريد هونكه… Sigrid Honke شاهدةٌ للحقيقة في زمن العمى الحضاري..!! د. تمام كيلاني

سيغريد هونكه… Sigrid Honke  شاهدةٌ للحقيقة في زمن العمى الحضاري..!! د. تمام كيلاني

سيغريد هونكه… Sigrid Honke شاهدةٌ للحقيقة في زمن العمى الحضاري..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

 

ليست العظمة أن يمدح المرء قومه، ولا البطولة أن يردد الإنسان ما ورثه من أحكام وأساطير، وإنما العظمة الحقيقية أن يقف المرء أمام الحقيقة مجردًا من أهوائه، وأن ينحاز إلى النور وإن خالف السائد، وأن يمنح العدالة للتاريخ ولو على حساب المألوف والموروث. ومن هنا تستحق المفكرة الألمانية سيغريد هونكه أن تُذكر بوصفها واحدة من الأصوات النادرة التي امتلكت شجاعة الإنصاف وسط ضجيج الأحكام المسبقة.

 

لقد عاشت هونكه في عالمٍ اعتاد أن ينظر إلى الحضارة الإسلامية من وراء ستار كثيف من الصور النمطية، لكنها لم ترضَ أن تكون أسيرة لما قيل، بل آثرت أن تسأل: ماذا تقول الوقائع؟ وماذا يروي التاريخ إذا أُعطي حق الكلام؟ فكان جوابها رحلةً فكرية طويلة انتهت بها إلى الاعتراف بأن شمس الحضارة العربية الإسلامية لم تكن ضيفًا عابرًا على تاريخ الإنسانية، بل كانت فجرًا أضاء مساحات واسعة من العقل البشري.

 

وحين كتبت كتابها الخالد «شمس العرب تسطع على الغرب» لم تكن تكتب سطورًا في كتاب، بل كانت تزيح طبقاتٍ من الغبار عن ذاكرة العالم. كانت تمارس فعلًا أخلاقيًا قبل أن تمارس فعلًا معرفيًا؛ لأن إنصاف التاريخ فضيلة لا تقل شأنًا عن اكتشاف الحقيقة نفسها.

 

لقد أدركت أن الحضارات العظيمة لا تُبنى بالقطيعة، وإنما بالتراكم والتواصل. فما من أمةٍ تبدأ من الصفر، وما من نهضةٍ تنبثق من الفراغ. كل حضارة تحمل في أعماقها آثار من سبقها، كما يحمل النهر في جريانه مياه الروافد التي غذّته. ولهذا رأت هونكه أن أوروبا مدينةٌ في جوانب كثيرة من نهضتها لذلك التراث العلمي والفلسفي والطبي والرياضي الذي ازدهر في حواضر الإسلام يوم كانت عواصمه مناراتٍ للعقل والعلم.

 

كانت تعرف أن الاعتراف بالفضل ليس انتقاصًا من الذات، بل هو ارتقاء أخلاقي. فالضعفاء وحدهم يخشون الحقيقة، أما الأقوياء فيستقبلونها بثقة وطمأنينة. ولهذا لم تتردد في أن تقول ما رأت، ولو خالف ذلك كثيرًا من المسلمات الثقافية السائدة في محيطها.

 

ومن يتأمل مسيرتها يدرك أن أعظم ما يميزها ليس ما كتبته عن العرب والمسلمين فحسب، بل ذلك المبدأ الإنساني الرفيع الذي حكم كتابتها: مبدأ العدالة الفكرية. فالعدالة ليست شأنًا قضائيًا فقط، بل هي أيضًا موقف من التاريخ، وموقف من الأفكار، وموقف من الأمم. والإنسان العادل هو الذي يمنح كل ذي حق حقه، حتى لو كان هذا الحق لأمة بعيدة عنه لغةً ودينًا وجغرافيا.

 

لقد كانت سيغريد هونكه تدرك أن الحضارة الإسلامية لم تكن مجرد قوة سياسية عبرت صفحات الزمن، بل كانت مشروعًا إنسانيًا واسعًا حرر العقل من الخرافة، وفتح أبواب المعرفة، وأعلى من شأن العلم، وأقام جسور الحوار بين الشعوب والثقافات. ومن هنا جاء تقديرها لتلك التجربة الحضارية بوصفها جزءًا أصيلًا من التراث الإنساني المشترك.

 

ولعل القيمة الكبرى لفكر هونكه أنها ذكّرتنا بحقيقة طالما غابت عن الأذهان: أن الحضارات لا تتصارع في جوهرها، وإنما تتكامل. وأن المعرفة ليست ملكًا لأحد، بل هي ميراث الإنسانية كلها. وما العلماء والمفكرون إلا حراس لهذا الميراث العظيم.

 

وفي زمنٍ تتكاثر فيه أصوات التعصب وسوء الفهم، تبقى سيغريد هونكه مثالًا للمثقف الحر الذي لم يخضع لأحكام الجماعة، ولم يستسلم لإغراء السرديات الجاهزة، بل آثر أن يصغي إلى صوت الحقيقة مهما كان خافتًا. فكان جزاؤها أن خلد اسمها في ذاكرة كل من يؤمن بأن الإنصاف قيمةٌ أسمى من الانحياز، وأن الحقيقة أبقى من الأهواء.

 

إن الأجساد ترحل، لكن الأفكار الصادقة تبقى. والكلمات التي تُكتب بإخلاص للحقيقة لا تموت، لأنها تتحول مع الزمن إلى ضوءٍ يهدي العقول. وهكذا بقيت سيغريد هونكه حاضرةً في الذاكرة الثقافية، لا بوصفها باحثةً ألمانية فحسب، بل بوصفها ضميرًا فكريًا أنصف حضارةً كثيرًا ما ظُلِمت في سرديات التاريخ.

 

سلامٌ على ذكراها، ورحمةُ الله الواسعة على هذه الروح التي سعت إلى إنصاف الحقيقة، وأدّت شهادةً فكريةً نادرة في زمنٍ عزّ فيه الشهود .

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

حين تصبح الحقيقة خادمةً للسلطة..!! د. تمام كيلاني

حين تصبح الحقيقة خادمةً للسلطة..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الذاكرة لا تتذكر فقط… بل تختلق أيضًا..!! د. تمام كيلاني

الذاكرة لا تتذكر فقط… بل تختلق أيضًا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

من مفارقة العنوان إلى انزياح اللغة وقلب التناص!! سعيدة بركاتي

من مفارقة العنوان إلى انزياح اللغة وقلب التناص!! سعيدة بركاتي
بوابة دمشق

إيبكاليبس الحرب : قراءة نقدية لقصة خبزنا الذي ننجبه أحمد فاروق بيضون..!!

إيبكاليبس الحرب : قراءة نقدية لقصة خبزنا الذي ننجبه أحمد فاروق بيضون..!!
بوابة دمشق

من القلم إلى القدم.. إلى الإبهام..!! د. تمام كيلاني

من القلم إلى القدم.. إلى الإبهام..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الغابة والصراع من أجل البقاء..!!د. قاسم عبد العزيز الدوسري

الغابة والصراع من أجل البقاء..!!د. قاسم عبد العزيز الدوسري
بوابة دمشق

في ذكرى رحيل المقبور حافظ الاسد لا تُلمِّعوا وجه الطغيان ولاسلام على المجرمين ..!! د. تمام كيلاني

في ذكرى رحيل المقبور حافظ الاسد لا تُلمِّعوا وجه الطغيان ولاسلام على المجرمين ..!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...