راشد القناص: حين يصبح التراث رسالة لا هواية!! عبد الكريم العفيدلي
راشد القناص: حين يصبح التراث رسالة لا هواية!!
عبد الكريم العفيدلي*
ليس من الصعب أن تجد شاعراً يكتب قصيدة عذبة، ولا باحثاً يجمع الروايات الشعبية، ولا إعلامياً يقدم برنامجاً عن التراث الشعبي، لكن من النادر أن تجتمع هذه الأدوار الثلاثة في شخصية واحدة، فتتآزر لتشكّل مشروعاً ثقافياً مترابطاً. هذه هي الصورة التي تتجلى في تجربة الشاعر والإعلامي السعودي راشد القناص السبيعي، الذي لم يتعامل مع الأدب الشعبي بوصفه فناً عابراً، بل بوصفه ذاكرةً وطنية تستحق أن تُصان، وأن تُقرأ، وأن تُقدَّم للأجيال القادمة بمنهجية الباحث وذائقة الشاعر.
لقد انطلق القناص من قناعة راسخة بأن الشعر الشعبي ليس مجرد أبيات تُتداول في الدواوين والمجالس، بل هو سجل للحياة الاجتماعية، ومرآة للقيم، ومستودع للمفردة المحلية، وحافظ لتاريخ المكان والإنسان. لذلك لم يكتف بكتابة القصيدة، بل مضى يبحث في جذورها، ويستقصي رموزها، ويوثق أعلامها، ليؤكد أن التراث لا يعيش بالذاكرة وحدها، وإنما يعيش بالتدوين والبحث والدراسة.
ومن يتأمل مؤلفاته يدرك أن مشروعه لم يكن قائماً على جمع المادة التراثية فحسب، بل على إعادة قراءتها في سياقها الثقافي. فقد تناول شعراء الأحساء، ورصد الأمثال والمفردات، ودرس حضور المكان والطبيعة في الشعر النبطي، وكأن همه الأكبر أن يحول الأدب الشعبي من مادة شفوية مهددة بالنسيان إلى وثيقة ثقافية قابلة للدرس والبحث.
وهنا تكمن خصوصية تجربته فهو لا ينظر إلى التراث بعين الماضي، بل بعين المستقبل. فالتراث، في رؤيته، ليس حنيناً إلى زمن مضى، وإنما ركيزة لبناء الوعي الثقافي، وإحدى الوسائل التي تحفظ للمجتمع هويته في مواجهة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
ولعل عمله في المنتديات الأدبية والجمعيات الثقافية يؤكد هذه الرؤية. فقد أدرك أن الثقافة لا تُبنى بالكتاب وحده، بل بالحراك الثقافي، وبالحوار، وبفتح المنابر أمام الشعراء والباحثين، وبخلق بيئة تحتضن الإبداع وتمنح التراث حياة جديدة. لذلك لم يكن حضوره الإداري أقل أثراً من حضوره الشعري، بل كان امتدادًا طبيعيًا له.
أما تجربته الشعرية، فهي تميل إلى المحافظة على أصالة القصيدة النبطية دون أن تنغلق على نفسها. ففي نصوصه حضور واضح للمكان، وللقيم العربية، وللإنسان بوصفه محور التجربة، مع لغة جزلة وصور تستمد جمالها من البيئة المحلية. وهذه الخصائص جعلت شعره قريبًا من المتلقي، دون أن يفقد قيمته الفنية.
وفي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً سريعاً للمعلومة، يكتسب عمل الباحثين في التراث أهمية مضاعفة، لأنهم يميزون بين الرواية الموثقة والرواية المتداولة، ويحمون الذاكرة الشعبية من التشويه أو الاختزال. ومن هنا يمكن النظر إلى جهود راشد القناص بوصفها جزءًا من مشروع وطني لحفظ التراث غير المادي، وهي جهود تستحق التقدير لأنها تؤدي وظيفة ثقافية تتجاوز حدود التأليف إلى صيانة الهوية.
إن تجربة راشد القناص السبيعي تؤكد أن المثقف الحقيقي لا يكتفي بإنتاج النصوص، بل يسعى إلى بناء وعي ثقافي مستدام. ولذلك فإن أثره لا يقاس بعدد دواوينه أو مؤلفاته، وإنما بما تركه من عمل مؤسسي، وما أسهم به في توثيق الأدب الشعبي، وما غرسه من قناعة بأن التراث ليس إرثاً ساكناً، بل كائن حي يتجدد كلما وجد من يؤمن به ويعمل على حفظه.
وسيظل هذا المشروع شاهدًا على أن الثقافة ليست ترفاً، وإنما مسؤولية، وأن الذين يكتبون للذاكرة لا يكتبون لجيل واحد، بل يكتبون للأجيال التي لم تأتِ بعد.
*كاتب سوري/ الرقة.
عبد الكريم العفيدلي كاتب وإعلامي سوري
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
دراسة نقدية في جدلية المكان والزمان وبلاغة التيه لقصيدة سكة الضور للكاتبة روعة سنوبر..!! طه عبد الرحمن
الإيحاء في أدب القصة السودانية..!! انس بابكر محمد
قراءة في جمالية الانهيار الرمزي في قصيدة "احتمالات" للشاعرة السورية: روعة سنوبر..!! سعيد محتال
عَودٌ على روايات الكاتبة: مهى قباني قراءة: جدوى عبود ..!!
الرئاسة القبلية بين الجينات الوراثية والفعل الأخلاقي...!!عبدالكريم العفيدلي
قراءة للقصيدة الحزينة *رقصات فوق غبش القبر* للأستاذة الشاعرة: *نجاة رجاح..طه عبد الرحمن!!
حين يخون الواقع نفسه... هل الأدب يبحث عن الحقيقة أم عن المعنى ..!! حسين مطر
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...