قراءة أدبية لنص تصدع خلف الجدران للشاعرة نجاة رجاح ..الناقد د. عادل جودة !!
قراءة أدبية لنص تصدع خلف الجدران للشاعرة نجاة رجاح ..!!
د. عادل جودة *
تُمثّل قصيدة: *تصدع خلف الجدران*
نصاً وجدانياً كثيفاً ينتمي إلى أدب "الفجيعة والمقاومة"
حيث تتحول الكلمة إلى ملاذ أخير ضد شتات الغربة وتداعي الأوطان.
النص ليس مجرد بوح ذاتي، بل هو مكاشفة روحية أمام مرآة الذات، تستحضر فيها الشاعرة أوجاع الفقد الخصيب ومرارة الاغتراب.
*١ - *عمارة التداعي والبحث عن الحقيقة (مرآة القلب)*
تبدأ الشاعرة نصها بلحظة انكسار بنوي («تصدع خلف الجدران») لتعلن من العتبة الأولى سقوط الأقنعة وتداعي الحكايات المنيعة.
وفي خضم مراسيم الهزيمة وعقود الخيانة التي يوقعها "سفر الغربة" تعثر الروح على بوصلتها النقية:
*مرآة القلب*:
في عالم مليء بالأرق وزيف الأقنعة، تجعل الشاعرة من "مرآة القلب" المحراب الوحيد الذي لا يخون. التطهر والتعطر للوقوف أمامها هو طقس انبعاث وتعرٍّ أمام الحقيقة المجردة.
*٢ - سمفونية الحزن والآلات المشروخة*
تنسج القصيدة معجمها الموسيقي ببراعة شجية؛ فالآلات الموسيقية (النايات، القيثارة، الكمنجات) ليست مجرد أدوات عزف، بل هي كائنات حية تعاني ذات التمزق:
نشيد خانته قيثارته:
ترميز شفيف لفقدان التناغم بين الذات والوجود.
الشاعرة هنا لا تعزف للمتعة، بل تحاول ترقيع وتر مشروخ لإعادة المعنى إلى الحياة.
تنهيدة النايات ورقصات القمر:
تنصهر الطبيعة مع الأرغن الموسيقي للروح؛ فالأفول وجفاف السمر يتقاطعان مع صراخ الجرح المنتشي برقص الكمنجات، في مفارقة تصويرية تغزل الأمل من رحم الألم.
*٣- ثنائية الانكسار والسمو (الشاعرة الأميرة مقابل غبار الحرب)*
تتجلى عبقرية الصياغة في هذا النص عبر التذبذب الوجداني الحاد بين قوة الخلق الشعري وحشة الخذلان.
حيث تظهر الذات الكاتبة تارة في أوج طاقتها كـ*«أميرة مرصعة بالشعر»* تملك من القصائد ما يستطيع شحن همة جيش بأكمله وإيقاد الأمل في أعتك الظروف.
وتارة أخرى، تحت وطأة الحرب وجنون الرعب، تخذلها الذاكرة لـتغرق في غبار الصمت، متحولة إلى الاعتكاف اللاهوتي في «سدرة الغياب» كعادة العارفين.
وبين هاتين الحالتين، ينبعث «الدم المخضب بحناء الفقد» ليعبر عن استعادة شجاعة للشهادة والشهقة الأولى؛ فالفقد هنا ليس موتاً حتمياً بل مخاضٌ يولد من رحمه «اخضرار الدم» وتستمر به الحياة.
*٤ - الوطن الطاعن في الحلم.. وبصيص النور*
يبقى "الوطن" الشاخص الحاضر الغائب في أرجاء النص.
إنه وطنٌ «طاعنٌ في الحلم»، تنأى مسافاته كلما اقتربت الأغنيات، لكن الشاعرة ترفض الاستسلام لموات النبض:
وصايا السنونوات للأصداف:
صورة بصرية بالغة الرقة والعمق؛ السنونوات (رمز العودة والهجرة) تودع أسرارها للأصداف (رمز الحفظ والذاكرة البحرية) في انتظار «ثقب من الضوء».
*شعرية الانتظار:*
النص ينتهي كما بدأ، بعودة طائر السنونوه وسقوطه على جسد الريح، لينبعث الجرح القديم والحارات المنسية.
إنها دورة الأبدية للشاعر المغترب الذي يقتات على الذكرى ليعيد بناء مدائنه العتيقة.
تأخذنا *الشاعرةنجاة رجاح* في هذه المقطوعة إلى منطقة شاهقة من البوح الشفيف؛ نص يُكتب بدم الوريد لا بحبر القلم، وتتجلى فيه الشاعرة كحارسةٍ للذاكرة، ترمم أشلاء الروح بأوتار القيثارة، وتنتظر عند ثقب الضوء انبعاث الوطن معتقاً بعطر الراحلين.
تحياتي واحترامي
تصدع خلف الجدران..
نجاة رجاح
من معاقل الحكاية المنيعة
تنجلي مكابدات الروح..
تبوح بسر البداية
حيث كَبَتِ الأحصنهْ..!
هذا مايحكيه
سِفْرُ الغربة
ويوقِّع مراسيم الهزيمة
وعقود الخيانهْ..!
كل الروايات
تقص سيرة الغياب
بنبرة الأرق..
تكسر مرايا الشوق
تجترُّ مرارة الفقد
وتُحيك شبق القصص
تسرد بحبكة
تنهيدة الناياتْ..!
كرجع صدى مخنوق،
متشح بالأفول..!
أتفقد يتمي المتفاقم
أتعطر..
أتطهر..
للوقوف أمام
مرآة القلب..
وحدها،
لاتخون..!
وحين يضيق بي البياض
أرسم موالا
لأتذكر
أني شاعرة
وأكتب وصايا السنونوات
للأصداف..
أنا المحاصرة
بأطياف الإنتظار..!
ألملم أشتات نشيد
خانته قيثارته
ذات عزاء..!
علَّني أعيد للقيثارة
أوتارها..!
مساء عصيٌّ
جفاه السمرُ..!
وعنادل الحديقة
تنتظرُ
تحط على مقاعد الخيزران
وتنتظرُ..!
آنئذ تجمع الأشعة
ماتبقى من ظلال الزيزفون
فيرتجف الفرح
برعشات الجرح
وتزهو الكمنجات
على رقصات القمر..
تغازل كحل الكَرى
على مرأى الصباح..!
هاالموت يتعدد فينا
يُخمد رغبات التوهج
منتشيا بجنون التوقعاتْ..!
يأسرني الوجه
الفاقدُ ملامحَه
فأصرخ..
وصرختي حبلى
بأنين الروح..!
تُجهش الأغنيات بالألمْ
وينأى الوطن
الطاعن
في الحلمْ..!
وحدي
أقاوم
كي لايُسكتوا
آخر النبض
لأُغدق فرحا
أستعيره من سنا الشمس
وصحو الشهادة
وٱخضرار دمي
المخضب بحناء الفقد..!
وكُلِّي
يغيب عن كُلِّي
آآآهْ..!!
لاأركان لحكايتي
ولاأدراج لسلمي
فكيف أرتقي
لأكتب قصيدة
عن المطر؟!
ومابين الحلم
والحلم،
يستفيق الأرق
وتسقط الأقنعة
ويتمدد النسيان
على حافة الذاكرهْ..!
أحيانا..
أُحسُّني أميرة
مرصع تاجها
بالشعر..!
لي من القصائد
مايُشحن همَّة
جيش بأكمله..!
وأحيانا..
تخذلني ذاكرتي
في زمن الحرب
وجنون الرعب
فلا تنسج لي
غير الغبارْ..!
حينها..
أجيد الصمت
أسلك سبيل العارفين
وأعتكف..
في سدرة الغياب
واشتهاء الوطن..!
أرتب الأمنياتْ..
وأَعُدُّ النجماتْ..
في انتظار
ثقب من الضوء
ينير سديم المدَى
فينبعث للوطن الصدَى
معتقةٌ جِرارُه
بعطر من رحلوا..!
سأظل أرسم غربتي
كلما تورطت
بجمع أشلائي
وحدي..
ودوما يفرُّ من بين ثناياي
اليمامُ..
والظلال تنام على كتفي
جريحةً..
آآآهْ..!!
يادمي الراعف..!
سنونوات تحطُّ
على جسد الريحِ
فتخذلها الريحُ
وتسقط..
على حين غفلة،
لينبعث الجرح القديم
والذكرى البعيدة
والحارات المنسية
على جنبات
المدائن العتيقهْ..!
* ناقد عراقي.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قراءة لنص - أنت.. وأنا – للدكتور مايكل حمدان.. !! الناقد طه عبد الرحمن
ماذا تبقّى منك بعد أن أرضيت الجميع؟ حسين مطر
"ذاكرتي تمطر أقحواناً".. رسائل للحب والحرب!!
نحن لانموت لأن قلوبنا تتوقف ..!! عائشة ابراهيم قسوم
مسابقة القصة القصيرة.. رابطة الكتاب العرب الأدبية!
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...