قراءة لنص - أنت.. وأنا – للدكتور مايكل حمدان.. !! الناقد طه عبد الرحمن
قراءة لنص - أنت.. وأنا – للدكتور مايكل حمدان.. !!
طه عبد الرحمن*
هذي الجمجمةُ مرآةُ الله: حين يكتبُ الإعجازُ نقدَ نفسِه
قفْ على شفيرِ هذه الكلمات، فهي ليستْ حروفاً تُجمَع، بل شقوقٌ في جدارِ الكونِ يتسرّبُ منها النورُ الأزليّ. إنَّ ما خطَّه الدكتور مايكل حمدان ليس قصيدةً، بل هو فعلُ خَلْقٍ مضادّ، تَشييدٌ لسفرِ التكوينِ الثاني، حيث يُعيدُ آدمُ كتابةَ اسمِهِ بيدِه، بعد أن أتعبَتْهُ أسماءُ الأعداءِ والأصدقاءِ والغرباء. النصُّ هنا لا يُقرأ، بل يُستنشَق، كأنه الأكسجينُ الأولُ الذي تنفَّستهُ الخليقةُ قبل أن تُخترَعَ الرئة.
إنَّ العبقريّةَ المُفجِعَةَ في هذا النصِّ تتجلّى في قلبِهِ للسؤالِ الأنطولوجيِّ الأعمق: مَن أنا قبلَ أن أكونَ أنتَ؟ إنَّكَ لا تخاطبُ الآخرَ من بُعدٍ جغرافيٍّ أو عِرقيّ، بل تخاطبُ الطينَةَ التي انبثقَ منها معاً، تخاطبُ النقطةَ العمياءَ في الروحِ حيثُ تسكنُ ذاكرةُ الوحدةِ الأولى. "عربي أنت، أعجمي، من الأفارقة..."، هذا التعدادُ ليس وصفاً، بل هو تشريحٌ لجثّةِ الهويّةِ المُختلَقَة، هو نبشٌ في قبرِ المعنى لاستخراجِ الجوهرِ الوحيد: آدميّتُنا التي دفنّاها تحتَ رُكامِ اللغات. أنت لا ترفضُ الاختلاف، بل تستوعبُه وتبتلعُه في بوتقةِ "أخي في الإنسانيّة"، محوِّلاً إياه من سيفٍ للفُرقَةِ إلى فسيفساءَ للجلال.
ثمّ تأتي الضربةُ الفلسفيّةُ الكبرى في قولك: "ولكن لن يكون بمقدورك الهروب من الحقيقة". هذه الجملة ليست تهديداً، بل هي إعلانٌ عن بنيةِ الوجودِ ذاتِها. إنها تكشفُ عن أنَّ الحقيقةَ ليست فكرةً نختارُها، بل هي جاذبيّةٌ وجوديّةٌ نقعُ فيها لا محالة، كماءِ النهرِ الذي يعودُ إلى البحرِ مهما تلوّى وتعارج. أنتَ لا تفرضُ الحقيقة، بل تُعلنُ عن قوانينِها الكونيّةِ الثابتة، كإعلانِ الفيزيائيّ عن قانونِ الجاذبيّة: لا فرارَ منه، لا لأنَّه قاسٍ، بل لأنَّه حقيقةُ ما نحنُ عليه. هذا الانتقالُ من "كن ما شئت" (وهي حريةٌ وجوديّةٌ كاملَة) إلى "لن يكون بمقدورك الهروب" (وهي حتميّةٌ أنطولوجيّةٌ مطلقة) هو انزياحٌ فكريٌّ لا يجرؤُ عليه إلا من بلغَ تخومَ الفلسفةِ واللاهوتِ معاً.
أما قولُكَ: "أنا أحبك"، فهو ليس مجرّدَ شعورٍ نبيل، بل هو الانقلابُ الميتافيزيقيُّ الأعظمُ على منطقِ العالَم. في عالمٍ تأسَّسَ على الندّيةِ والثأرِ والمقايضة، يأتي حبُّك كصاروخٍ لاهوتيٍّ يخترقُ كلَّ الحُجُب. إنكَ تحبُّ، لا لأنَّ في الآخرِ ما يستحقُّ الحب، بل لأنَّ فيك أنت فيضاً من الحقيقةِ الإلهيّةِ لا يمكنُه إلا أن يفيض. إنه حبُّ الشمسِ للتراب، لا تسألُه إن كانَ خصباً أم سبِخاً، بل تُلقي عليهِ دفئَها لأنَّ طبيعةَ الشمسِ هي الدفء. هذا الحبُّ هو انتقامُ المطلقِ من النسبيّ، هو هزيمةُ الشرطيِّ أمامَ اللامشروط، هو إعلانُ أنَّ قيمتَنا لا تأتي ممّا نُنجزُ أو ننتمي إليه، بل ممّا نُعطى من فيضِ النعمةِ الأول.
ثمَّ الخاتمةُ القياميّةُ: "بين يدي الله كل منا سيستفيق". هنا يبلغُ النصُّ ذروتَه الرؤيويّة. كلمةُ "سيستفيق" هي انفجارُ المعنى. ليستْ "سيموت"، ولا "سينتهي"، بل "سيستفيق". أي أنَّ حياتَنا الواعيةَ هذه، بكلِّ أحقادِها وضغائنِها، ماهي إلا غيبوبةٌ روحيّة، حُلْمٌ مَرضيٌّ للروحِ المنفصلةِ عن أصلِها. الموتُ، في لاهوتِكَ الشعريّ، ليس فناءً، بل هو صحوة، هو لحظةُ استردادِ البصرِ الحقيقيّ. "بين يدي الله" ليس ظرفَ مكانٍ أو زمان، بل هو شرطُ وجودٍ جديدٍ كليّاً، حيثُ تذوبُ كلُّ هذه الأقنعةُ، ويصحو القاتلُ والمقتولُ، المُضطَهِدُ والضحيّة، ليكتشفا أنهما كانا يحلمان حلماً واحداً فظيعاً، وأنَّ الحقيقةَ كانت تنتظرُهما عندَ شاطئِ الأبديّةِ كأمٍّ حنون.
ختاماً، إنَّ هذا النصَّ ليس تأمُّلاً في الأخوّة، بل هو فعلُ تَخليقٍ لها من العدم. أنت لا تصفُ واقعاً، بل تستدعي مُستقبلاً، تخلقُ من رحمِ الألمِ رؤيا، وتُخرجُ من بين أضلاعِ الكراهيةِ حبّاً كونيّاً. وهذا هو الإعجاز: أن تجعلَ من قصيدةٍ قصيرةٍ مرآةً يرى فيها كلُّ قارئٍ وجهِه الحقيقيَّ قبلَ أن تُشوِّهَهُ المرايا.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
10/08/2026
************
.* أنت .. وأنا *
د. مايكل حمدان
عربي أنت
أعجمي
من الأفارقة
جنوب أميركي
من القطب
الشمالي
أم الجنوبي
مؤمن بالله
أم وثني
كن ما شئت
أو ما أرادوك أن
تكون
إضطهدني
عنتني
اهتم لأمري
أو توارى عني
تمسك بما تراه
بك يليق
صنفني
عدوا
أو اخترني
كصديق
احسبني من الفراعنة
أو من الإغريق
ولكن
لن يكون بمقدورك
الهروب من الحقيقة
حقيقة
أننا من خلق الله الواحد
وأنك
أخي في الإنسانية
وأنك ستحتاجني
وقت الضيق
أنا
أحبك
وأؤمن أني
في الأبدية
سألتقيك
وأؤمن أيضا
أننا
مهما جنحنا
ومهما سهونا
أو في غيبوبة
رحنا
بين يدي الله
كل منا
سيستفيق ........................
*ناقد وكاتب فلسطيني.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قراءة أدبية لنص تصدع خلف الجدران للشاعرة نجاة رجاح ..الناقد د. عادل جودة !!
ماذا تبقّى منك بعد أن أرضيت الجميع؟ حسين مطر
"ذاكرتي تمطر أقحواناً".. رسائل للحب والحرب!!
نحن لانموت لأن قلوبنا تتوقف ..!! عائشة ابراهيم قسوم
مسابقة القصة القصيرة.. رابطة الكتاب العرب الأدبية!
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...