الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
أجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي 
في زمنٍ تتسارع فيه المعلومات وتُختزل الكتب أحيانًا في عبارات عابرة، تبرز سارة المطيري  من السعودية بوصفها صوتًا ثقافيًا اختار أن يجعل من القراءة فعلًا عميقًا يتجاوز التلقي إلى التأمل والتحليل وإعادة اكتشاف المعنى. فهي لا تكتفي بتقديم الكتب للقراء، بل تسعى إلى بناء جسور بين النصوص وسياقاتها الفكرية والثقافية، مستثمرةً شغفها بالنقد الأدبي والنظريات الأدبية والبحث المعرفي.
ومن خلال حضورها الثقافي و منصاتها المعرفية، تفتح المطيري نوافذ متعددة للحوار حول الأدب والقراءة والإنسان، حيث تتجاوز التأملات الروحية مع الأسئلة الفكرية، و تلتقي الطبيعة بالكتاب في مشهد يعكس رؤيتها الشاملة للحياة والمعرفة.
في هذا الحوار، نقترب من عالم سارة المطيري، ونتعرف إلى رحلتها مع القراءة والكتابة، ورؤيتها للنقد الأدبي، وأبرز القضايا الثقافية التي تشغل تفكيرها، كما نتوقف عند أسئلتها المؤجلة وأحلامها المستقبلية، لنكتشف كيف تصنع المعرفة أثرها حين تتحول من مجرد قراءة إلى مشروع حياة


1. من هي سارة المطيري كما تحبين أن تقدمي نفسكِ للقارئ بعيدًا عن التعريفات المهنية المعتادة؟

فردٌ من أفراد هذا العالم، أعيش من أجل معنى خاص بي، وأحاول أن أجد الحياة في التفاصيل التي تبدو للآخرين جامدة أو صامتة، فأحييها بالكلمة والتأمل والقراءة بقدر ما أستطيع، راجيةً من الله كل التوفيق والسداد كما أؤمن أن الإنسان لا يُعرَّف بمهنته بقدر ما يُعرَّف بالأثر الذي يتركه في نفسه وفي الآخرين.

2. متى تحوّلت القراءة لديكِ من فعل شخصي إلى مساحة عامة تُكتب وتُنشر؟ وما اللحظة أو الكتاب الذي دفعكِ إلى اتخاذ هذا القرار؟

القراءة بالنسبة لي ليست فعلًا أؤديه بقدر ما هي عادة أمارسها وأستمتع بها كثيرًا؛ لذلك أردت أن أشارك هذه العادة الجميلة مع أصدقاء يفضلونها، حتى وإن كنت لا أعرف كثيرًا منهم، إلا أننا نتعارف من خلالها.

ومع الوقت لم أعد أرغب في نشر ما قرأته فحسب، بل صرت أقدمه من خلال تجربة أعيشها أو موقف أراه؛ لأنني أدرك جيدًا أن الفكرة إذا ارتبطت بموقف خاص بالإنسان طال أثرها لدى الآخر، تمامًا مثلما يبقى أثرها في صاحبها، كما أظن أن هناك سرًا خاصًا حين تمتزج القراءة بالحياة، ثم تتحول إلى كتابة تُنشر.

كما أنني أتبنى قاعدة خاصة في الكتابة، وهي: حين أكتب، أكتب شيئًا يخاطب العقل، لا أن يقتصر على مخاطبة الشعور.

وأذكر أنني حين كُلِّفت في الجامعة بإعداد ملخص لكتاب «نظرية الأدب» لرينيه ويلك وأوستن وارن، احتفظت بذلك الملخص رغم أنني كنت قد أعددت ملخصات عديدة لكتب أخرى إذ لم يكن ذلك التكليف هو الدافع الحقيقي، لكنه منحني الشرارة الأولى.

أما اللحظة التي دفعتني بقوة فكانت معاناتي من شللٍ مؤقت في كتابة المقالات؛ إذ أصبح تطلعي وتصوراتي أكبر مما كنت أستطيع التعبير عنه آنذاك، وحتى لا أسمح لهذا الشلل أن يقيّد حركتي، أردت أن أفعل شيئًا يشاركه في  المعنى ذاته، فوجدت في تلخيص الكتب مساحةً بديلة للتعبير والإنجاز.

ومن هنا أنشأت مدونة خاصة تهتم بتقديم ملخصات الكتب الأدبية والنقدية، أعتمد فيها على المقارنة والتحليل والعرض، وأحيانًا على التركيب وإعادة بناء الأفكار.

3. بينما يكتفي كثير من صناع المحتوى بتقديم خلاصات سريعة للكتب، تتجهين أنتِ نحو التحليل والمقارنة وربط النصوص بسياقاتها الثقافية. كيف توازنين بين تبسيط الكتاب للقارئ وبين الحفاظ على روحه وأبعاده الفكرية؟ وهل ترين أن التلخيص يمكن أن يتحول إلى شكل من أشكال النقد الثقافي؟

الحقيقة أنني أعيش تحديًا كبيرًا في كل مرة أريد فيها تلخيص كتاب؛ لأنني لا أريد أن أنقل ما ورد فيه أو أقدّم تعريفًا به فحسب، بل أريد أن أنقل الفكرة والرؤى التي أراد مؤلفه إيصالها إلى المتلقي. وفي تلك اللحظة أشعر أنني أتخذ موقف الرسول الأمين لرسالة المؤلف.

لكنني في الوقت نفسه لا أعدّ لمجرد عرض الكتاب: فالتلخيص بالنسبة إليّ قراءة وتأويل وربط ومساءلة.، ومن هنا أعتقد أن التلخيص، حين يتجاوز إعادة عرض المحتوى إلى فهمه وإعادة تقديمه في سياق أوسع، يمكن أن يتحول إلى شكل من أشكال النقد الثقافي.

4. تجمعين في منصاتكِ بين القراءة والنقد الأدبي، وبين التأملات الروحية ومشاهد الطبيعة. كيف تنظرين إلى هذا التداخل؟ وهل ترين أن هذه المساحات المختلفة تنبع من جوهر واحد؟

من الطبيعي جدًا أن يكون هناك تداخل بين الأشياء؛ فالإنسان في الأصل مجموعة من التداخلات والتجارب والمشاعر والأفكار، وأعتقد أن هذا الجوهر الواحد هو جوهر المرء ذاته.

أما تعدد هذه المساحات فقد منحني آفاقًا جديدة ورؤى أوسع للحياة وللبشر، وجعلني أرى أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد، بل من طرق متعددة تلتقي جميعها في الإنسان.

5. ما القضايا الفكرية أو الثقافية التي تستحوذ على اهتمامكِ في هذه المرحلة، وتجدين نفسكِ مدفوعة للبحث فيها باستمرار؟

هناك عدد من القضايا التي تستحوذ على اهتمامي، منها آليات قراءة التراث، وآليات وضع المصطلح، ولا سيما المصطلح النقدي. كما أنني أتعمق في عالم النظريات الأدبية؛ لأن هذه الموضوعات جميعها تصب في دائرة تخصصي واهتمامي، وما زلت أجد فيها أسئلة تدفعني إلى المزيد من البحث والتأمل.

6. ما الطقس الخاص الذي تحتاجه سارة المطيري قبل الشروع في قراءة كتاب أو تلخيصه؟ وكيف تختارين الكتب التي تستحق أن تُقدَّم للمتابعين؟

بصراحة، لكل كتاب طقوسه الخاصة، بل إن لكل كتاب سببًا مختلفًا لاختياره. فبعض الكتب أقرأها للإجابة عن سؤال، وبعضها للاستزادة والتنمية، وبعضها يأتي بتوجيه من أساتذتي الكرام أو من أصدقاء أشاركهم الاهتمام نفسه، وبعضها يطلب مني أحدهم تلخيصه، وبعضها أقرأه للتعرف على طرائق البحث والإلمام بأدواته.

لذلك لا أؤمن بوجود سبب واحد للقراءة؛ فالكتب تأتي إلينا أحيانًا لأننا نبحث عنها، وأحيانًا لأنها هي التي تبحث عنا.

7. هل مرّ عليكِ كتاب غيّر نظرتكِ إلى العالم أو إلى نفسكِ بصورة جذرية؟ وما الذي تركه فيكِ من أثر؟
هناك العديد من الكتب التي تركت أثرًا عميقًا في نفسي، لكن كتاب «أنا» لعباس محمود العقاد كان من أكثرها تأثيرًا. فقد غيّر فيّ الكثير، حتى إنني أشعر بانتماء فكري إلى مدرسته، وأجدني أحيانًا أقترب من أسلوبه وطريقته في الكتابة.

ولم يكن أثره في الجانب العلمي والفكري فحسب، بل حتى في نمط الحياة؛ إذ علّمني أن يكون للإنسان قضية أو هدف يعيش من أجله ويسعى إليه بكل ما يملك.

8. في ظل التحولات الثقافية والاجتماعية التي تشهدها المملكة العربية السعودية، كيف تقرئين المشهد الأدبي السعودي اليوم؟ وهل ترين أن النص الأدبي أصبح مرآة للواقع أم شريكًا في صناعته؟

اليوم، ولله الحمد، نعيش مرحلة من التقدم والازدهار في مختلف الأصعدة، ولا سيما في الجانب الثقافي الذي أصبح مساحة رحبة تستقبل المهتمين والمتخصصين والمبدعين.

وأرى أن النص الأدبي اليوم يجمع الأمرين معًا؛ فهو مرآة لواقعنا وتراثنا وهويتنا، وهو في الوقت نفسه شريك في صناعة هذا الواقع واستمراريته في ظل هذه التحولات.

9. بصفتكِ كاتبة وقارئة مؤثرة، ما المسؤولية التي تقع على عاتق المثقف في عصر المحتوى السريع والقراءات المقتضبة؟

أرى أن هذه المنصات وُجدت لتخلق ترابطًا فكريًا وعلميًا واجتماعيًا بين الناس، لكن ليس كل ما يُقال أو يُكتب يستحق النشر.

ومن هنا فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الكاتب أو المستخدم في أن يختار ما ينشره بعناية، وأن يتريث قبل بثه. وإذا كان ناقدًا، فإن مهمته الأولى أن يستخرج المحاسن، ويتذوق النص، ويستشعر جماله، ويبرز عنصر الدهشة فيه، وأن يقدّم ملاحظاته بطريقة تحفيزية تجعل الأديب يستمر في عطائه؛ لأنني أرى أن هذه هي مهمة الناقد الحقيقي.

كما أن على المتلقي أيضًا مسؤولية لا تقل أهمية، وهي أن يشعل في نفسه شرارة البحث، وألا يتعامل مع كل ما يُنشر بوصفه حقيقة نهائية تستحق التقديس أو إعادة النشر. فالقيمة الحقيقية تكمن فيما يغيّرنا أو يدهشنا.

وإضافة على ذلك فإن بعض المحتوى اليوم يُنتج بالذكاء الاصطناعي، وقد يقع في أخطاء معلوماتية أو ينسب أقوالًا وأفكارًا إلى غير أصحابها؛ لذلك أصبح التحقق والتثبت مسؤولية مشتركة بين الجميع.

10. هل يواكب النقد الأدبي العربي اليوم حركة النشر المتسارعة، أم ما زالت هناك فجوة بين النص الإبداعي والقراءة النقدية؟

أرى أن النقد الأدبي العربي يواكب هذه الحركة إلى حد كبير، بل إنه أصبح أكثر قدرة على التفاعل معها؛ إذ صار من السهل أن ينشر الأديب نصًا ويتفاعل معه النقاد والقراء مباشرة.

وهذه الممارسة تخلق فرصًا كثيرة للحوار والاستمرارية، وتسهم في خلق انسجام بين المبدع والناقد، وتقلل من الفجوة التي كانت تفصل بينهما في السابق.

11. ما أكثر فكرة أو قضية أدبية تشعرين أنها لم تحظَ بعد بالنقاش الكافي في الوسط الثقافي العربي؟

هناك العديد من القضايا التي حظيت بالنقاش والبحث، لكنني أرى أن مسألة كيفية ابتكار منهج نقدي جديد، أو العمل على بناء نظرية أدبية عربية، ما تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والتسليط والاهتمام.

12. إذا كانت الكتابة والقراءة وسيلتين للحوار مع العالم، فما الرسالة التي لم تكتبيها بعد، وما زلتِ تنتظرين اللحظة المناسبة لقولها؟

الحقيقة أن الرسالة التي لم أكتبها بعد هي الرسالة التي سأكتبها لنفسي حين أصل إلى ما أريد، إذا أراد الله سبحانه لعبده.

وأتمنى أن أكتبها في اليوم الذي أصبح فيه ناقدة يُشار إليها بالبنان، وقادرة على ترك أثر ثقافي يمتد إلى الأجيال القادمة، كما فعل كثير من الأسماء التي تركت بصمتها في الذاكرة الثقافية.

13. بعد كل هذه السنوات من القراءة والكتابة ومشاركة الكتب مع الآخرين، ماذا تعلّمت سارة المطيري عن الإنسان أكثر مما تعلّمته عن الكتب؟

تعلمت أن الإنسان إذا أحب شيئًا وأخلص له أبدع فيه بقدر ما يتقنه لكننا، رغم كثرة ما نحب، قد لا نستطيع ممارسة كل شيء كما ينبغي، إما لقلة أدواتنا، أو لقصور يحتاج منا إلى مزيد من المعرفة والتأصيل والممارسة والدربة.

وتعلمت أيضًا، أنه مهما كان، لا يستطيع أي فرد أن يزرع فيك شعلة الحماس للانطلاق ما لم تزرعها أنت في نفسك أولًا.

والإنسان الذي يؤدي دوره الحقيقي هو الذي يسعى بلا كلل ولا ملل، ويواكب كل جديد، ويتكيف معه، ويستمر في اكتشاف ما يجهله. 

وهكذا تعلمت من الإنسان أكثر مما عرفته عن الكتاب.

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة القاهرة

بين النّيل والهرم قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري

بين النّيل والهرم قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

نبذة عن د. نادر الصيرفي ومساهماتة في مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين

نبذة عن د. نادر الصيرفي ومساهماتة في مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين
بوابة القاهرة

يا أمير البشر، قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري

يا أمير البشر، قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

ما اسمُها، قصيدة للشاعر الدكتور عبد الولي الشميري

ما اسمُها، قصيدة للشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

د. نادر الصيرفي.. صوت الأحوال الشخصية للمسيحيين عبر برنامج «قضيتي»

د. نادر الصيرفي.. صوت الأحوال الشخصية للمسيحيين عبر برنامج «قضيتي»


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...