بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!
بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!
د. تمام كيلاني*
هذه ليست زيارتي الأولى إلى سوريا بعد التحرير، بل هي الزيارة الخامسة.
وفي كل مرة أعود إليها وأنا أحمل في داخلي شيئاً من الشوق، وشيئاً أكبر من الأمل. أعود لأرى الأهل، وألتقي الأصدقاء ورفاق الطفولة، وأمشي في شوارع حفظت تفاصيلها قبل أن أحفظ أسماءها، وأبحث في الوجوه والأماكن عن سوريا التي بقيت في ذاكرتي سنوات طويلة.
في الوطن، للذكريات رائحة.
شارع قديم قد يعيدك عشرات السنين إلى الوراء، ووجه صديق قد يختصر سنوات من الغياب، وحجر في زاوية من حي قديم قد يكون أكثر قدرة على تحريك الذاكرة من آلاف الصور.
ولهذا كانت الرحلة، في بدايتها، أشبه بعودة الروح إلى مكانها.
وكان من أجمل ما حملته هذه الزيارة أنني استطعت أن أقدم شيئاً لوطني وأهلي. فقد قمت بتقديم بعض الأجهزة الطبية إلى مشفى المواساة في دمشق، وإلى المشفى الجامعي في حلب، إيماناً مني بأن خدمة الإنسان، وخاصة المريض والمحتاج، هي واحدة من أصدق صور الانتماء.
عندما ترى شيئاً قدمته يصل إلى مريض يحتاجه، تشعر أنك لم تعد مجرد زائر جاء ليستعيد ذكرياته، وإنما أصبحت جزءاً صغيراً من عملية البناء.
تشعر أنك فعلت شيئاً من أجل وطن تحبه.
لكن…
ما أجمل الوطن في الذاكرة، وما أقسى صدمته عندما تصطدم الذاكرة بالواقع!
ما إن تخرج من دائرة الأهل والأصدقاء، وتبتعد قليلاً عن دفء اللقاءات، حتى تبدأ صورة أخرى بالظهور.
ازدحام لا ينتهي.
فوضى مرورية.
دراجات نارية تتحرك بلا نظام.
ضجيج.
أرصفة محتلة.
شوارع تحتاج إلى عناية.
ونفايات تبدو في بعض الأماكن وكأنها أصبحت جزءاً من المشهد.
وهنا وجدت نفسي أطرح سؤالاً لم أكن أريد طرحه:
لماذا لا نستطيع أن نحافظ على جمال المكان الذي نحبه؟
هل تغيرنا؟
ربما تكون هذه أقسى ملاحظة خرجت بها من زياراتي الأخيرة:
نعم، لقد تغير السوريون.
تغيرت بعض العادات، وتبدلت بعض الطباع، وتغيرت طريقة التفكير، وتغير مفهوم الوقت والعمل والنظام، بل تغيرت أحياناً علاقتنا بالمكان الذي نعيش فيه.
ولا أقول ذلك تعميماً على كل السوريين. فما زال في سوريا أناس يحملون أجمل ما في هذا الشعب من كرم ونخوة ومحبة وشهامة وأخلاق.
لكن هناك ظواهر أصبحت واضحة إلى درجة لا يستطيع الزائر أن يتجاهلها.
لقد تغير إيقاع الحياة.
دمشق لا تنام ليلاً، لكنها تستيقظ متأخرة جداً في النهار.
السهر يمتد إلى منتصف الليل وما بعده، والمقاهي والمطاعم تمتلئ بالأراكيل والدخان، والليل يتحول إلى نهار، والنهار يصبح فترة انتظار للسهرة التالية.
وإذا أردت أن تشتري شيئاً في الصباح، فقد تبحث طويلاً عن محل مفتوح قبل العاشرة أو الحادية عشرة.
قد يقول قائل: هذه حرية شخصية.
صحيح.
لكن عندما تتحول الظاهرة الفردية إلى نمط اجتماعي واسع، فإنها تصبح قضية مجتمع.
مجتمع يسهر ليلاً وينام نهاراً لا يخسر ساعات النوم فقط؛ بل يخسر جزءاً من إنتاجيته، وانضباطه، وتوازنه الأسري والتربوي والنفسي.
فالوقت ليس مجرد ساعات على عقارب الساعة.
الوقت اقتصاد.
والمجتمع الذي لا يحترم وقته لن يستطيع أن يبني اقتصاداً قوياً.
والأسرة التي تعيش ليلاً وتنام نهاراً تتأثر تربوياً.
والطفل الذي يرى هذا النمط أمامه يتعلم أن الحياة يمكن أن تسير بلا إيقاع أو التزام.
والإنسان الذي يبدأ يومه متأخراً، ويؤجل عمله، ويعتاد السهر حتى الفجر، يدفع الثمن صحياً ونفسياً وإنتاجياً.
هذه ليست دعوة إلى منع الناس من السهر.
إنها دعوة إلى أن نسأل:
هل أصبح السهر ثقافة؟ وهل أصبح النوم في النهار أسلوب حياة؟ وهل هذا هو الإيقاع الذي نريد أن نبني به سوريا الجديدة؟
الحرب غيّرتنا… ولكن ليس علينا أن نحتفظ بكل ما تركته الحرب
لا شك أن السنوات الطويلة من الحرب والانهيار والخوف والفقر والاضطراب تركت آثاراً عميقة في المجتمع السوري.
وهذا أمر مفهوم.
المجتمعات لا تخرج من الحروب كما دخلتها.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول العادات التي فرضتها الظروف الاستثنائية إلى قواعد دائمة.
الفوضى التي كانت مؤقتة تصبح عادية.
التأخر يصبح طبيعياً.
عدم احترام الدور يصبح أمراً عادياً.
رمي النفايات يصبح شيئاً لا يستحق الالتفات.
مخالفة القانون تصبح “شطارة”.
والمشكلة الأكبر أننا أحياناً نتوقف عن رؤية الخطأ لأنه أصبح مألوفاً.
وأسوأ ما يمكن أن يحدث للمجتمع ليس أن تنتشر الفوضى، بل أن يعتاد الناس عليها.
النظافة… هنا يجب أن نتوقف
هناك أمور يمكن أن نختلف حولها.
لكن هناك أشياء لا تحتاج إلى نقاش طويل.
منها النظافة.
إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، والنظافة من الإيمان.
فكيف يمكن أن نتحدث عن بناء الإنسان والوطن، بينما نرمي كيس القمامة على الرصيف؟
كيف نتحدث عن الحضارة ونحن نترك بقايا الطعام والأكياس البلاستيكية في الشوارع؟
كيف نتحدث عن حب الوطن ونحن نلوث المكان الذي نقول إننا نحبه؟
وبصراحة، ومن دون مجاملة، لو أردنا اليوم أن نضع Score لنظافة مدننا مقارنة بالمدن حول العالم، فأخشى أن تكون دمشق وحماة وحلب في الصفوف الأخيرة.
وهذا مؤلم.
مؤلم لأن هذه ليست مدناً عادية.
هذه مدن لها تاريخ وحضارة وذاكرة.
حلب التي عرفناها كانت من المدن النظيفة جداً.
ودمشق كانت تحمل في كثير من أحيائها صورة مختلفة تماماً.
فماذا حدث؟
لا نريد حملات تنظيف… نريد مدناً نظيفة
أصبحنا نرى أحياناً مشهداً يثير الاستغراب:
محافظ يخرج بحملة تنظيف.
الكاميرات موجودة.
المصورون موجودون.
المسؤول يحمل المكنسة.
صور وفيديوهات.
وبعد ساعة تنتهي الحملة.
وبعد يوم أو يومين تعود النفايات.
فهل هذه هي إدارة المدن؟
ومع الاحترام لكل مسؤول يحاول أن يفعل شيئاً إيجابياً، فإنني أقول بصراحة:
لا نحتاج إلى مسؤول يحمل المكنسة أمام الكاميرا لمدة ساعة. نحتاج إلى نظام يمنع تراكم القمامة طوال 24 ساعة.
ولا نحتاج إلى مدير دائرة أو وزير يشارك في حملة تنظيف لمدة نصف ساعة.
نحتاج إلى منظومة تعمل عندما يكون المسؤول موجوداً وعندما لا يكون موجوداً.
النظافة ليست استعراضاً.
وليست نشاطاً إعلامياً.
وليست حملة موسمية.
وليست صورة تصلح للنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.
النظافة نظام.
والنظام يحتاج إلى إدارة.
والإدارة تحتاج إلى خطة.
والخطة تحتاج إلى متابعة ومحاسبة.
نحتاج إلى حاويات كافية وفي أماكن صحيحة، وجمع منتظم للنفايات، وترحيل فعال، ورقابة، وعقوبات على من يلوث الأماكن العامة، وحملات توعية حقيقية تبدأ من المدرسة والأسرة.
والأهم:
نحتاج إلى أن تصبح النظافة ثقافة، لا حملة.
المسؤولية ليست على المواطن وحده
ومن الظلم أن نلقي كل شيء على المواطن.
نعم، المواطن مسؤول.
لكن الدولة أيضاً مسؤولة.
والبلديات مسؤولة.
والمسؤولون مسؤولون.
الدولة التي تريد بناء وطن جديد يجب أن تعرف كيف ترتب أولوياتها.
المواطن يريد طرقاً جيدة.
يريد شوارع نظيفة.
يريد مواصلات منظمة.
يريد مؤسسات تعمل.
يريد قانوناً يطبق على الجميع.
يريد أن يرى نتيجة ملموسة في حياته اليومية.
هذه ليست رفاهية.
هذه أبسط حقوق الحياة الطبيعية.
وأحياناً أشعر أن جزءاً من الاهتمام الرسمي ينصرف إلى أمور ليست دائماً في مقدمة ما يحتاجه المواطن.
الأولوية يجب أن تكون للإنسان، ولحياته اليومية، وللمدينة التي يعيش فيها.
ومن الأمثلة التي لفتت انتباهي خلال وجودي في دمشق حال بعض الطرقات والمناطق التي كان يُطلق عليها في الماضي اسم “المربع الأمني” في كفر سوسة.
ورغم مرور أكثر من عام ونصف على التحرير، ما تزال بعض الطرق والمناطق بحاجة إلى مزيد من الاهتمام والتنظيم والتأهيل.
وهنا لا أتحدث من باب التشكيك أو الانتقاد لمجرد الانتقاد.
بل أسأل:
إذا كنا نريد سوريا جديدة، ألا يجب أن نرى هذا التغيير في تفاصيل حياتنا اليومية؟
هل يكفي أن تتغير الأسماء والوجوه؟
أم أن المطلوب أن تتغير طريقة إدارة المدن نفسها؟
أن تتغير الأولويات؟
أن يصبح المواطن في مركز الاهتمام؟
سوريا الجديدة التي نريدها
نحن لا نريد سوريا جديدة في الشعارات فقط.
نريدها في الشارع.
في المدرسة.
في المستشفى.
في الإدارة.
في القانون.
في الأخلاق.
في احترام الوقت.
في احترام الإنسان.
نريد سوريا جديدة… سوريا نظيفة.
نريد دمشق نظيفة.
نريد حلب نظيفة.
نريد حماة نظيفة.
نريد مدننا وقرانا نظيفة.
نريد شوارع نستطيع أن نمشي فيها دون أن نرى القمامة في كل زاوية.
نريد حدائق يحافظ عليها الناس.
نريد مرافق عامة يشعر المواطن أنها ملك له، وليست مكاناً لا يعنيه.
نريد أن يعود السوري إلى مدينته فيشعر بالفخر، لا بالخجل.
ونريد أن يأتي الزائر إلى سوريا فيرى جمالها الحقيقي، لا أن يكتشف أن الصور القديمة أجمل من الواقع.
الوطن ليس فقط أن تحبه
لقد علمتني هذه الرحلة، وهي زيارتي الخامسة إلى سوريا بعد التحرير، شيئاً مهماً:
حب الوطن لا يكفي.
قد تحب وطنك إلى درجة البكاء عندما تراه.
قد تشتاق إلى شوارعه.
قد تتعلق بأشجاره وحجارته ورائحة خبزه.
قد تقدم له جهازاً طبياً أو مالاً أو وقتاً أو جهداً.
كل ذلك جميل.
لكن الحب الحقيقي يبدأ عندما تسأل نفسك:
ماذا أفعل أنا كي يصبح هذا الوطن أفضل؟
الوطن يبدأ من تصرف صغير.
من ورقة لا ترميها.
من إشارة مرور تحترمها.
من دور تنتظره.
من شارع تحافظ عليه.
من صوت تخفضه حتى لا تزعج الآخرين.
من قانون تحترمه حتى عندما لا يراقبك أحد.
ومن طفل تعلمه أن الحديقة ليست ملكاً للحكومة، بل ملك لنا جميعاً.
كلمة للمسؤول
وأقول للمسؤولين بكل احترام:
لا تنتظروا أن يطالبكم الناس بكل شيء.
رتبوا الأولويات.
انزلوا إلى الشارع، لا فقط في أيام الحملات.
راقبوا الطرقات.
راقبوا النظافة.
راقبوا المرافق العامة.
اسألوا المواطن ماذا يحتاج.
ولا تجعلوا نجاح الحملة مرتبطاً بعدد الصور التي التقطت فيها.
نجاح المسؤول ليس أن يظهر وهو ينظف الشارع، بل أن يجعل الشارع نظيفاً من دون أن يحتاج إلى الظهور.
هذه هي الإدارة.
وهذا هو الفرق بين العمل الحقيقي والاستعراض.
كلمة للمواطن
وأقول للمواطن أيضاً:
لا تنتظر الدولة في كل شيء.
لا تقل: “ماذا سأغير أنا؟”
كل تغيير كبير يبدأ من سلوك صغير.
لا ترمِ النفايات.
لا تكسر.
لا تخرب.
لا تزعج.
احترم الطريق.
احترم الدور.
احترم القانون.
علّم أبناءك.
فالدولة تبني المؤسسات، لكن المجتمع يبني الثقافة.
في النهاية…
عدتُ من سوريا محملاً بذكريات جميلة لا يمكن أن تنتزعها مني الفوضى.
عدت بفرحة لقاء الأهل.
وفرحة الأصدقاء.
وفرحة رفاق الطفولة.
وبفخر بما استطعت أن أقدمه في المجال الطبي و الإنساني.
لكنني عدت أيضاً بشيء من الحزن.
لأنني أحب سوريا أكثر مما يجعلني قادراً على تجاهل أخطائها.
من يحب وطنه لا يجامل على حسابه.
ومن يريد لسوريا أن تنهض، عليه أن يقول ما يراه، لا ما يحب الآخرون أن يسمعوه.
نحن لا نريد أن نبكي على سوريا التي كانت.
ولا نريد أن نعيش على أمجاد الماضي.
نريد أن نبني سوريا التي ستكون.
سوريا التي تستيقظ باكراً.
سوريا التي تعمل.
سوريا التي تحترم الوقت.
سوريا التي تحترم القانون.
سوريا التي تحترم الإنسان.
سوريا التي تعرف أن الشارع ليس ملكاً لأحد، بل ملك للجميع.
سوريا التي لا تحتاج إلى حملة تنظيف أمام الكاميرات، لأن النظافة أصبحت فيها جزءاً من الحياة اليومية.
نريد سوريا جديدة.
نريد سوريا نظيفة.
نريد سوريا جميلة كما كانت في ذاكرتنا، وأفضل مما كانت عليه في ذاكرتنا.
هذه هي زيارتي الخامسة إلى سوريا بعد التحرير.
وفي كل مرة أعود إليها وأنا أحمل أملاً أكبر.
وربما كان أعظم ما أتمناه في الزيارة القادمة ألا أكتب عن القمامة، ولا عن الفوضى، ولا عن الطرقات، ولا عن السهر حتى الفجر.
أتمنى أن أكتب عن مدينة نظيفة.
عن شارع منظم.
عن مواطن يحترم القانون.
عن مسؤول لا يحتاج إلى كاميرا كي يقوم بعمله.
وعن سوريا بدأت فعلاً تستعيد عافيتها.
فالوطن الذي نحبه لا يستحق منا أن نبكي عليه فقط.
يستحق أن نعمل من أجله.
*رئيس الجمعية الطبية العربية الاوروبية/ فيينا.
إقرأ أيضًا
سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!
الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!! طه عبد الرحمن
"نزاز"... أنا ابن الحكاية من ألفها إلى ألفها..!!عمر محمد جمعة
الحكمة ضالة المؤمن.. دروس من العالم لإعادة بناء سوريا !! د. تمام كيلاني
"كل ليلة وليلة... وذاكرة الثلاثاء" !! د. تمام كيلاني
الانحراف السردي ومضمراته الدلالية قصة "ليلة صمت لطوف"!
مريم تمر.. تقول ما لا يقال وتسكن وطنها دوح قصيدة! كوثر جعفر
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...